مفدي زكريا بخمسينية استقلال الجزائر   
الاثنين 19/8/1433 هـ - الموافق 9/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 17:24 (مكة المكرمة)، 14:24 (غرينتش)
بوعلام رمضاني-باريس
 
عاد اسم مفدي زكريا بقوة بمناسبة احتفال الجزائر بالذكرى الخمسينية للاستقلال، باعتباره كاتب  النشيد الوطني "قسما" وملحمة "إلياذة الجزائر". وإذا كانت الجزائر تحتفل به "عنوة" لأنها أطلقت عليه شاعر الثورة، فإن مفارقة تغييبه بعد الاستقلال، ووفاته خارج الوطن تشكل تناقضا صارخا مع تاريخه ونضاله وإبداعه.

الراحل مفدي زكريا  -واسمه الحقيقي زكريا بن سليمان الشيخ- يعد من أهم الأسماء التي ارتبطت بالثورة الجزائرية، لكن ابنه سليمان الشيخ يرى أن أثر والده بعد الاستقلال لم يكن في مستوى تاريخه ومواقفه وإبداعه، ويؤكد أن الصورة تغيرت إلى حد ما بفضل جمعية "مفدي زكريا"، التي عملت مع مجموعة من المثقفين على تخليد أعمال الراحل عبر ملتقيات ومحاضرات ومعارض وندوات وكتب ومطبوعات مختلفة، مثل كتاب صدر مؤخرا وواكب عرض فيلم "مفدي زكريا شاعر الثورة" للمخرج السعيد عولمي.

المطلع على شعر زكريا يكتشف تأثره بالقصص القرآني وبالتاريخ الإسلامي عموما واستحضار البعد الديني

التنكر للمبدعين
سليمان الشيخ -الذي يسهر على إرث والده من خلال الجمعية المذكورة- كان دبلوماسيا في حديثه مقارنة بالروائي الشهير ياسمينة خضرا، الذي يذكر المثل الجزائري الشعبي "لما كان حيا اشتاق تمرة وبعد موته علقوا له عرجونا"، تأكيدا منه على تنكر السلطة للمثقفين والمبدعين بوجه عام، وللمتشبثين بحريتهم الفكرية بوجه خاص من أمثال زكريا، حين رفض الرضوخ لمهندسي الثورة الزراعية، التي صادرت الأملاك الخاصة، وهو ما لم يكن يتماشى مع معتقدات مثقف مسلم وليبرالي مثل الراحل الذي تميز كتاجر، كما أبدع أيضا في حب وتمجيد الجزائر شعريا بأسلوب فريد من نوعه.

زكريا -الذي توفي بالعاصمة التونسية عام 1977 عن 69 عاما- غضب على السلطة مثل خضرا واختار المنفى الطوعي، ومات متألما ومكلوما، لكن شعره النضالي والتحرري بقي ذاكرة إبداعية رغم أن مضمونه لم يتجسد كاملا، لأن الثورة التي تغنى بها الفقيد لم تتعمق في واقع حياة أغلبية الجزائريين كمرادف للحرية والكرامة والعزة.

ويعد المفكر الراحل مولود بلقاسم نايت بلقاسم وزير الشؤون الدينية أيام الرئيس هواري بومدين، أكثر المثقفين تجسيدا لعرفان غير مسبوق حيال مبدع النشيد الوطني. وكتب قاسم في كتاب "إلياذة الجزائر لشاعر الثورة الجزائرية 1962 ـ 2012 "، الذي ضم شهادته التي كتبها عام 1986 بمناسبة إعادة وزارته طبع الإلياذة "ها هي الجزائر التي قضى زكريا في التعبير عن كفاحها وأمجادها وتخليد ذكراها تعيد له الاعتبار الذي أرادت الزعانف ومنها الأفاقة أن تفقده إياه ظلما وعدوانا وتزييفا للتاريخ".

في الكتاب المذكور، كتب أيضا الدكتوران محمد عيسى موسى ومحمد بن سمينة عن زكريا الشاعر والمثقف والمناضل والمؤمن "كان الراحل صاحب شاعرية فذة جمعت بين قوة الرقة ورقة القوة ووطنيا مناضلا وملهما وشرارة لا تتاح إلا لمن أقام شعره على صدق المعاناة، لقد مزج زكريا بين الحس التاريخي والحس الفني، فجاءت على يديه ملحمة البطولات والأمجاد حية نابضة بالدم، تثير كوامن الوجدان وتحرك سواكن الأشجان".

وعن البعد الديني في شعره كتبا أيضا "إن المطلع على شعر زكريا يكتشف تأثره بالقصص القرآني وبالتاريخ الإسلامي عموما واستحضار البعد الديني هو الذي جعله يربط بين نوفمبر شهر اندلاع الثورة وبين بدر" إذ يقول الشاعر الراحل:

نوفمبر غيرت مجرى الحياة   وكنت -نوفمبر- مطلع فجر
وذكرتنا في الجزائر بدرا      فقمنا نضاهي صحابة بدر

استطاع الشاعر الراحل أن ينفرد ضمن الحركة النضالية المغاربية كشاعر مناضل كثيف النشاط ومتميز الحضور أدبيا وعقائديا

ملحمة النشيد
الاحتفاء بزكريا برز أيضا خلال الكتاب المرجعي "ملحمة نشيد قسما" الذي ألفه الموسيقي الكبير والأمين العام السابق لوزارة الثقافة الأمين بشيشي والمرحوم المجاهد عبد الرحمن بن حميدة الوزير السابق للتربية ورفيق درب زكريا، ويحكي قصة تأليف وتلحين النشيد الوطني، متضمنا أسماء فرسانها من المبدعين الجزائريين والعرب والمناضلين.

ومن بين هؤلاء حسين بالميلي صاحب الفكرة، والشهيد عبان رمضان الذي اغتاله رفقاء الدرب والراحل الكبير يوسف بن خدة ومحمد التريكي صاحب الصيغة اللحنية بتونس ومحمد فوزي ملحن الصيغة اللحنية الثالثة والأخيرة بمصر والذي بكى، حينما رفض طلب تلحينه القصيدة في البداية وتكلف عناء المهمة مجانا من أجل جزائر حرة أبية.

تخرج زكريا عام 1926 من جامع الزيتونة بالعاصمة التونسية، الذي درس فيه إلى جانب الشابي والشاعر الجزائري رمضان حمود، وبدأ في نشر قصائده في الصحف المصرية والتونسية ومن بينها قصيدة "إلى الريفيين" تضامنا مع نضال المجاهد عبد الكريم الخطابي.

واستطاع الراحل أن ينفرد ضمن الحركة النضالية المغاربية كشاعر مناضل كثيف النشاط ومتميز الحضور أدبيا ومزاجيا وعقائديا، الأمر الذي مكنه من تبوء منصب الأمين العام لحزب الشعب عام 1937 الذي أسسه الزعيم الوطني الكبير مصالي الحاج، ومن قصائده الشهيرة التي أودت به إلى السجن عام 1956 قصيدة "فداء الجزائر".

من دواوينه الشهيرة "اللهيب المقدس" و"تحت ظلال الزيتون" تكريما لتونس و"من وحي الأطلس" تكريما للمغرب، و"أمجادنا تتكلم" وأخيرا "إلياذة الجزائر" التي ألقاها عام 1972 لأول مرة في ملتقى الفكر الإسلامي ومن ما قال فيها "جزائر يا مطلع المعجزات ويا حجة الله في الكائنات، جزائر يا بدعة الفاطر ويا روعة الصانع القادر، ولولا التحام الصفوف وقانا لكنا سماسرة مجرمينا، فليت فلسطين تقفو خطانا، وتطوى كما قد طوينا السنينا". 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة