الكتابة الإبداعية بين الموهبة والتدريب   
الخميس 8/8/1433 هـ - الموافق 28/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:58 (مكة المكرمة)، 13:58 (غرينتش)
 أمير تاج السر
 
منذ عشر سنوات تقريبا، طرح المثقف والمترجم المصري طلعت الشايب فكرة تدريس الكتابة الإبداعية في مدارس خاصة، مثلها مثل أي علم من العلوم التطبيقية الأخرى المعروفة، يحتاج إلى تدريب مكثف ومحاضرات وغيرها. ولم يقابل طرحه باهتمام كبير، ذلك أننا كنا في ذلك الوقت -وما نزال إلى حد ما- نؤمن بضرورة أن يكون المبدع موهوبا أولا، ثم يكافح بنفسه حتى ينضج، قبل أن يعترف به رسميا ككاتب.
 
بعض المقولات الكلاسيكية مثل: احفظ ألف بيت من الشعر ثم انسها بعد ذلك لتكون شاعرا، أو اقرأ لكل من سبقوك وانسَ أنك قرأت لهم لتتعلم كتابة الرواية، كانت متوهجة وتتردد كثيرا، وهكذا كان طرح مثل تلك الأفكار الجديدة غير وارد بالمرة، وغير مرحب به في مناخ تسوده عنجهية الثقافة، وتحكمه الأفكار الثابتة.

منذ خمس سنوات، ظهرت الجائزة العالمية للرواية العربية، المسماة البوكر العربية، ولأنها ليست جائزة عربية أصلا، ولا نبتت في صحراء حفظ أبيات الشعر ونسيانها، وقراءة روايات الجميع ونسيانها لتعلم الإبداع، فقد كانت مختلفة تماما، ولها تقاليد متوارثة من جائزة المان بوكر البريطانية التي خرجت من عباءتها.

ومن بين تلك التقاليد الكثيرة، ورشة سنوية منتظمة للتدريب على الكتابة، لها مشرفون من الكتاب المعروفين الذين أمضوا سنوات طويلة في الكتابة، ويحضرها في العادة عدد من الكتاب الشباب، أو الكتاب الذين خاضوا تجربة الكتابة من قبل على استحياء، ويمكن أن يفيدهم الحضور لاكتساب خبرات جديدة، تطور من أساليب كتابتهم.

في ورشة البوكر وغيرها من الورش الأخرى التي بدأت تنتشر، مثل الورش المسرحية وورش القصة القصيرة والسيناريو، قد تجد خامات جديرة بالالتفات إليها، ويمكن بقليل من الإرشاد أن تصنع من كتابتها نصوصا أخاذة

بالطبع ليست جائزة البوكر أول من أوجد ورش الكتابة، التي كانت موجودة على نطاق ضيق ولمدد قصيرة، ولكن عنيت هنا الانتظام السنوي، وأنها تمتد لأيام أطول، محققة أقصى قدر من الفائدة، حيث قد ينشر نتاج هؤلاء الكتاب الشباب ويترجم.

هذا التقليد الذي أصبح الآن معترفا به، ويتنافس الكتاب المبتدئون لحضوره في كل عام، أعتبره تطبيقا هاما لجزء من طرح طلعت الشايب، لكن الأمر هنا ليس مدرسة لها مبان معروفة، ومدرسون وطلاب نظاميون، وحصص يومية، وامتحانات في نهاية العام، لكنه اعتراف ضمني أو معنوي بالفكرة، وهي أن الكتابة أيضا يمكن أن تعلم، أو بالأحرى تطور لدى من يملكون بدايات مبشرة بحاجة إلى تطوير.

في ورشة البوكر وغيرها من الورش الأخرى التي بدأت تنتشر، مثل الورش المسرحية وورش القصة القصيرة والسيناريو، قد تجد خامات جديرة بالالتفات إليها، ويمكن بقليل من الإرشاد أن تصنع نصوصا أخاذة، في نفس الوقت، قد تجد خامات رديئة، تحتاج إلى إرشاد مكثف، وخبز وعجن لزمن طويل، حتى تحصل على نص قابل للتداول ومن ثم قابل للنشر.

ومن المهم الإشارة هنا إلى جهود الكاتبة اللبنانية المقيمة في فرنسا نجوى بركات، التي اهتمت بمسألة التدريب الكتابي المحترف، وانتقلت بمحترفاتها إلى أكثر من بلد عربي، وخرج من تلك المحترفات، كتاب جديرون بتتبعهم ومطالعة نتاجهم، مثل الزميلة رشا الأطرش من لبنان، وروايتها "صابون" التي تشد الأنفاس.

هنا لا أريد أن ألغي دور الموهبة، ولن أسميها الموهبة، ولكن أسميها حب الكتابة، فالذي يحب الكتابة، يمتلك من الصبر ما يجعله يناضل لينال ثقة حبه، ويكون كاتبا. وحين يجد من يمسك بيده في مثل تلك الورش أو المحترفات، قطعا ينتج بصورة لا يمكن تخيلها. وربما كان كثيرون يملكون الموهبة، ولكن يفتقدون الصبر الذي يساند مواهبهم، ومن ثم لا نسمع لهم صوتا إلا نادرا.

الشيء الملفت كذلك في ورش التدريب على الكتابة، سواء في أوروبا أو لدينا، أنها لا تخضع لتوجيه نقدي صارم لنقاد للأعمال الإبداعية، ولكن تعتمد على خبرة من كتبوا الإبداع، وهم قطعا زملاء عاديون ومتعاونون لكل الذين يشاركون في تلك الورش. ليس ثمة تعالٍ ولا فرض رأي أو أسلوب معين من الواجب اتباعه، ولكن نقاش متواصل يشارك فيه الجميع، ليصلوا إلى النص المطلوب.

الموضوع الآن في غاية الجدية، فما كان فكرة بالأمس، تحوّل إلى شيء يسير من التطبيق، وأعتقد لو أن مثل تلك الورشة التي حضرتها، امتدت شهرا أو شهرين مثلا، لربما حصلنا على روايات مكتملة من أولئك المشاركين

في العام الماضي، تم اختياري والزميلة الكاتبة المصرية منصورة عز الدين للإشراف على ورشة الكتابة السنوية لجائزة البوكر، التي خصص لها مكان منعزل ساحر في صحراء الربع الخالي، وحضرها كتاب من الكويت والبحرين وسلطنة عمان ولبنان والعراق والإمارات العربية، بعضهم كتب عدة روايات ونشرها معتمدا على نفسه ورؤيته لمسألة الكتابة وسار عليه، وبعضهم كتب رواية واحدة كان يعتز بها، أو يسعى لإكمال رواية، منطلقا من حبه للكتابة.

هؤلاء الكتاب الذين اعتبروا ناشئين، ولم يكن معظمهم من الناشئين حقيقة، ولكنهم انغمسوا في الكتابة بدليل ما نشروه من أعمال، كانوا يملكون الصبر، الذي قلت بأنه أكبر داعم للاستمرار في الإبداع، وكان مطلوبا منهم أن يكتبوا قصصا أو فصولا من روايات، نعود لنناقشها معهم أثناء انعقاد الورشة، وتسلم بعد ذلك جاهزة للنشر.

الحقيقة، كان العمل مع أولئك الكتاب رائعا للغاية، فالهنات التي كانت توجد في أعمالهم التي قدموها، كانت تزال بسلاسة، وأخطاء الصياغات التي قد تحدث هنا وهناك، تعالج بلا مشاكل ولا تذمر، ويشارك الجميع في تعديلها. الأحداث وتسلسلها يعدل مسارها في اتجاه المنطق، وفي النهاية ما النتيجة؟ أعمال في غاية الرشاقة والتماسك، يمكن أن تكون قد كتبت بأقلام تعودت على الكتابة لعشرات السنين.

هؤلاء كانوا يرددون بأنهم استفادوا من الورشة، ويتمنون أن يحضروا عشرات الورش في المستقبل حتى ينفتح إبداعهم على آفاق أرحب. وحين انتهت أعمال الورشة كنا نحس أنا وزميلتي بأننا أيضا قد استفدنا كثيرا، وربما ننتج أعمالا أكثر زخما في المستقبل.

أعود، وبعد أن أكدت يقيني بجدوى تدريس الكتابة، لأقول إن الموضوع الآن في غاية الجدية، فما كان فكرة بالأمس تحوّل إلى شيء يسير من التطبيق، وأعتقد لو أن مثل تلك الورشة التي حضرتها امتدت شهرا أو شهرين مثلا، لربما حصلنا على روايات مكتملة من أولئك المشاركين، وليس فصولا أو قصصا قصيرة، وأضيف أنني لا أستبعد أبدا، أن تكون للكتابة الإبداعية مستقبلا مدارس منفصلة، كما كانت فكرة الشايب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة