قصة السيطرة على مطار تفتناز العسكري   
السبت 8/3/1434 هـ - الموافق 19/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 11:06 (مكة المكرمة)، 8:06 (غرينتش)
طائرات عدة دمرت بسبب غارات النظام على مطار تفتناز خلال معركة السيطرة عليه (الجزيرة نت)
محمد بنكاسم-تفتناز

أصبح وقوع مطار تفتناز العسكري في الحادي عشر من شهر يناير/كانون الأول الجاري حدثا عسكريا فارقا في معارك المطارات بين كتائب الثوار وقوات النظام السوري التي انطلقت قبل بضعة أسابيع.
 
يأتي ذلك في محاولة من الثوار لحرمان النظام من قواعد ارتكازه الأساسية لتصويب نيرانه وتأمين الإمدادات العسكرية والغذائية لمراكز وجوده في مناطق أبعد، لاسيما تلك التي يحاصرها الثوار.

ويقع المطار -الذي رصدت الجزيرة نت قصة استيلاء الثوار عليه- جنوب مدينة تفتناز الواقعة في الريف الجنوبي لإدلب، ويضم قوة جوية كبيرة قوامها المروحيات الحربية المجهزة بصواريخ ورشاشات، حيث كانت قوات النظام تستخدمه كنقطة انطلاق لإلقاء البراميل المتفجرة على المدن والقرى السورية، وهو من القواعد الكبرى للمروحيات العسكرية في محافظة إدلب.

وبمجرد وصولنا إلى بوابة المطار، وجدنا مجموعة من الثوار تحتمي داخل خنادق ترابية، وما كدنا نتحدث مع أحدهم حتى طلب منا بنبرة حازمة مغادرة المكان لأن هناك قصفا من الطيران على المطار.

لم يعقـّب سائق السيارة التي تقلنا، وانطلق مسرعا في اتجاه مدينة تفتناز التي لا تبعد سوى بضع مئات من الأمتار عن المطار، وكنا خلال قطع هذه المسافة نسمع دوي القصف من ورائنا.

الثوار أثناء اقتحام مطار تفتناز العسكري  (الجزيرة نت)

قادة مصابون
بعد ساعة رجعنا إلى المطار باحثين عن قائد ميداني يشرح لنا القصة الكاملة لسقوط المطار بأيدي الثوار، فأخبرنا بأن الكثير من القادة الذين شاركوا في العملية مصابون الآن، غير أن هناك قادة آخرين رفضوا الحديث معنا، كما لم يسمح لنا بالدخول إلى المطار لاعتبارات أمنية.

قصدنا مدينة بنش غير البعيدة، وهناك استطعنا لقاء أحد قادة "الطليعة الإسلامية" الذين ساهموا في التخطيط للهجوم على المطار، وقد فضل عدم ذكر اسمه أو نشر صورته مكتفيا بلقب له هو أبو دجانة.

حكى أبو دجانة -ونحن في قبو منزل إضاءته خفيفة- أن الكتائب التي شاركت في المعركة الحاسمة كانت "جبهة النصرة" و"أحرار الشام" و"الطليعة الإسلامية"، مع مشاركة محدودة من "لواء داود".

وأضاف أن المطار كان يمطر القرى المجاورة له، وأيضا البلدات في محافظة إدلب وحماة وحلب بوابل من النيران والقنابل الفراغية التي تسوي المنازل بالأرض، وقد استخرج الثوار جثثا من الأنقاض وهي أشلاء، "وقد كان المطار يستهدف المدنيين الآمنين في أغلب الحالات، وليس المقاتلين".

كان محاورنا كتوما في الحديث عن نوعية الأسلحة المستخدمة، والقوة العددية التي هاجمت المطار، وأيضا الخطة التي اتبعها الثوار، قائلا إن المعارك القادمة كفيلة بإظهار الغنائم من العتاد، مشددا على أن التكتم على هذه التفاصيل هو لصالح الثوار فيما يُستقبل من عمليات ضد قوات النظام. وأكد أن الثوار "يستقوون بالله وليس بالقوة العددية أو بالعتاد، وقد كانت المعنويات تطاول السماء".

كان عدد كبير من طائرات المطار مدمرا أو معطوبا (الجزيرة نت)

إمهال.. فهجوم
حاصر الثوار المطار من كافة الجهات تقريبا، وذلك من جهة طعوم والطالحية ومدينة تفتناز ومناطق السهل والجهة الجنوبية للمطار، وقطعت كل سبل الإمدادات عن المنشأة العسكرية.

وكانت عملية محاصرة واقتحام المطار والسيطرة على مراحل، حيث أعطيت الفرصة في المرحلة الأولى للجنود الموجودين داخل المطار للانشقاق، إذ دعاهم الثوار عبر مكبرات الصوت للتخلي عن النظام وأمهلوهم أربعة أيام، وقد انشق عدد لا بأس به من الجنود، مستغلين وجود الضباب والظلام واتساع مساحة المطار.
وقال أبو دجانة إن القناصة من الثوار انتشروا على نقاط عديدة على امتداد أسوار المطار، ففتحوا فجوات فيها لاستهداف الجنود، و"هو ما أدخل الرعب في قلوبهم فتشتتوا ولجؤوا للمباني، وقد كان عدد الضباط أكبر من عدد الجنود، وفي الأخير تمركزوا في المبنى الرئيسي للمطار القريب من مدخله".

عوامل أخرى
في اليوم الأول، حاول الثوار اقتحام المطار فلم يستطيعوا، وظلوا ليلة كاملة في محاصرته في ظل برد قارس، وتم استبدال قسم من الثوار في اليوم التالي بآخرين، ثم نزلت أمطار غزيرة على المنطقة فأصبحت الأرض موحلة لا تساعد على الحركة، قبل أن يلي ذلك يوم فيه ريح شديد زال معه وحل التراب فعاود الثوار الكرّة، بعد عقد اجتماع للقادة الميدانيين لإعداد خطة الهجوم وتقسيم المجموعات.

وفي اليوم الرابع من محاصرة المطار، تم الهجوم باستخدام أنواع من الأسلحة أبرزها بنادق كلاشينكوف وقاذفات أر بي جي ورشاشات بيكاسي، والقليل من مضادات الطيران التي استخدمت لإسقاط الطائرات.

وتمت السيطرة بشكل تدريجي على أجزاء المطار بالنظر إلى اتساع مساحته، حيث تناهز 240 هكتارا، وفي اليوم الرابع بلغت نسبة السيطرة على أطراف المطار 80%.

سيطرة الثوار على المطار أمنت المنطقة المحيطة به (الجزيرة نت)

يوضح أبو دجانة أن الثوار عمدوا بعد الاقتحام إلى تمشيط المباني، وكان كل من يقاوم من الجنود يقتل، وكانت حصيلة الخسائر لدى القوات النظامية 150 قتيلا من بينهم قائد المطار. وفي المقابل قتل من الثوار أقل من العشرين، أغلبهم جراء القصف الآتي من خارج المطار، انطلاقا من معمل القرميد ومعسكر الإنشاءات ومطار النيرب وحاجز الإسكان.

بعد السيطرة
وبعد السيطرة على المطار، استمر قصف النظام على الثوار، وهو لا يستهدف استعادة السيطرة بل تدمير المروحيات والعتاد المتبقي في المنشأة، وتوجد في المطار نحو ثلاثين مروحية، العديد منها مدمر أو معطوب.

وحول الفوائد المترتبة على فقدان النظام السيطرة على المطار، يوضح أبو دجانة أن الناس كانت لا تأمن على نفسها عند المرور في الطرق القريبة من المطار، والذي يريد العبور يتخفى بالليل ويطفئ الأنوار، لأن قوات النظام داخله تطلق النيران على كل شخص تشتبه فيه، حتى إن المزارعين في الضيعات القريبة كانوا لا يستطيعون الخروج للاعتناء بأراضيهم خوفا من الاستهداف.

أما الآن -يختتم أبو دجانة حديثه- فتلاحظ العديد من الجرارات وهي تجوب الأراضي الزراعية طولا وعرضا غير بعيد عن المطار.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة