المصري وضابط الشرطة.. احتقان متزايد حتى في الأفلام   
الأحد 1428/12/28 هـ - الموافق 6/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 12:03 (مكة المكرمة)، 9:03 (غرينتش)

المصريون يصفقون لمشاهد الاعتداء على ضباط الشرطة في الأفلام (الجزيرة نت)

محمود جمعة-القاهرة

حبس المشاهدون أنفاسهم وهم يرون بطل فيلم "عمارة يعقوبيان" طه يقترب بمسدسه من ضابط الشرطة الذي أشرف على تعذيبه واغتصابه، قبل أن يدوي تصفيق حار في قاعة العرض عندما أجهز طه على الضابط ليسقط هو الآخر قتيلا بجواره.

مشهد أثار جدلا واسعا عام 2006 لا يزال مستمرا بين المصريين حتى الآن بشأن علاقة المواطن برجال الأمن وحقيقة الاحتقان المتزايد في تلك العلاقة.

احتقان وكراهية
وفي العام 2007 غاصت السينما المصرية في تفاصيل هذه العلاقة، وقدمت أفلاما ترسم أبعاد علاقة المواطن بالشرطة حملت في مجملها إدانة صريحة لسلوك الأمن مع المصريين، وقدمت نماذج لضباط شرطة فاسدين، ما أثار حفيظة سلطات الأمن التي لم تستطع منع عرض الأفلام وإن اكتفت بالضغط لحذف مشاهد واسعة منها.

هي فوضى؟
على رأس هذه الأفلام فيلم للمخرج يوسف شاهين ومساعده خالد يوسف "هي فوضى" الذي رصد فساد أمين الشرطة حاتم في حي فقير وسطوته على البسطاء من جيرانه.

ولم يفلح وكيل النيابة شريف في وقف تجاوزاته أو حتى حماية "نور" حبيبته من بطشه بعدما اغتصبها لينطلق غضب أهالي الحي ويهاجمون مركز الشرطة قبل أن يقتل حاتم نفسه بالرصاص أمامهم باكيا.

ويرسم الفيلم صراعا حقيقيا يدور في المجتمع المصري بين السلطة التنفيذية (حاتم) التي تسعى لقهر (اغتصاب) الشعب (نور)، في حين يتصدى ضمير المجتمع وهم القضاة (شريف) لهذه المحاولات.

لكن تطابق مشهدي البداية والنهاية بنشر المئات من سيارات الأمن المركزي وجنوده، يوضح بجلاء رسالة الفيلم ربما قَصد توجيهها، مفادها أنه من ينظر إلى مصر يجدها "فوضى شعبية" لا يحسن الأمن التعامل معها إلا من خلال الإرهاب البوليسي.

مشاهد الاعتداء تعكس مقدار الاحتقان المتزايد في العلاقة مع رجل الشرطة (الجزيرة نت)
حين ميسرة
وقبل أن تهدأ عاصفة "هي فوضى"، أكمل خالد يوسف المشوار بفيلم "حين ميسرة"، الذي يحكي بطش الأمن بساكني العشوائيات من الفقراء والمهمشين، ونظرته لهم على أنهم مجرمون وليسوا ضحايا الفقر والجهل، فهو (الأمن) لا يجد حلا للقضاء على الجريمة في "الحي العشوائي" سوى بإزالته نهائيا وهدمه على رؤوس ساكنيه.

لكن الجديد في الفيلم هو الإسقاط السياسي الذي أراد أن يعكسه من وجود تحالف غير مقدس بين الشرطة من ناحية ومن يسمون بالإرهابيين من ناحية أخرى، على البسطاء من أبناء الشعب الذي ينتظر الخلاص من براثن الاثنين إلى حين ميسرة.

الجزيرة
وفي فيلم "الجزيرة" للمخرج شريف عرفة والنجم أحمد السقا، نرى "الميكافيلية الأمنية" التي تدفع ضابط الشرطة "العقيد رشدي" إلى صناعة مجرم خطير "منصور حفني" ليحارب به "الإهاربيين" في الصعيد، لكن السحر ينقلب على الساحر، فيخرج المجرم عن سيطرة الأمن ويستولي على البلدة.

وقصة الفيلم حقيقية عن "إمبراطور النخيلة" عزت حنفي الذي كان يزرع ويبيع المخدرات في جزيرة "النخيلة" بصعيد مصر وتعاون معه الأمن فى محاربة من يسميها بالجماعات المتطرفة، قبل أن يعدم العام قبل الماضي في إحدى القضايا وبعدما انقلبت الشرطة عليه.

صرخة شعب
الفنان خالد الصاوي أو "العقيد رشدي" في فيلم "الجزيرة" دافع عن هذه الأفلام بشدة، وقال للجزيرة نت إنها "تمثل صرخة ألم واعتراض في وجه الدولة البوليسية الجاثمة على صدور المصريين وهو ما يفسر تفاعل الجمهور الإيجابي معها".

ورفض الصاوي الاتهامات الموجهة للقائمين على هذه النوعية من الأفلام بالإساءة إلى سمعة مصر.

الهلع الأمني لم يتوقف عند حذف مشاهد الأفلام بل تدخل لتغيير اسمها (الجزيرة نت)
تدخلات أمنية

ولم يتوقف "الهلع الأمني" تجاه "أفلام الواقع" الجديدة عند حذف المشاهد في "هي فوضى" و"حين ميسرة"، بل تدخل لتغيير اسمها. فقد اشترطت الرقابة تحت ضغط الأمن لعرض "هي فوضى" إضافة علامة الاستفهام للاسم ليصبح "هي فوضى؟" وكأن الفيلم يطرح تساؤلا عن الفوضى في مصر ولا يقرها.

ورأى الصاوي أنه من الطبيعي أن يحدث شد وجذب بين المتحمسين لهذه السينما (الجادة) وجهات الرقابة، فـ"الطرفان يحاولان تحقيق مكاسب، ونحن نراهن على ذوق الجمهور وتأييده لهذه الأفلام والذي منحنا مساحة جرأة انتزعناها من مقص الرقيب للغوص في مشاكل وقضايا كانت من المحرمات في السابق".

واعتبر الصاوي أن أفلام الواقع أو "السينما الجادة" لم تختف لكنها توارت مع بداية التسعينيات تحت ضغوط المنتجين الذين كانوا يبحثون عن سينما منخفضة التكاليف وسريعة العائد، لكنه أكد فضل "أفلام الشباب" الجديدة على صناعة السينما في مصر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة