أطفال هايتي.. سباق التبني   
الثلاثاء 1431/3/3 هـ - الموافق 16/2/2010 م (آخر تحديث) الساعة 22:43 (مكة المكرمة)، 19:43 (غرينتش)

وضعية أطفال هايتي فاقمها زلزال 12 يناير/كانون الثاني الماضي (رويترز-أرشيف)

محمد أعماري

لم تكن قضية اتهام عشرة أميركيين في الأسابيع الماضية بمحاولة تهريب 33 طفلا من هايتي إلا الشجرة التي تخفي غابة من المعاناة يعيشها أطفال هايتي، وجاء زلزال 12 يناير/كانون الثاني الماضي ليعمق المأساة ويجعل وضعية أطفال هذا البلد أكثر سوءا وقتامة.

وحسب تقارير سابقة لصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) فإن طفلا من بين كل ثمانية أطفال هايتيين يموت قبل بلوغ سن الخامسة، كما أن من تجاوزوا هذه العتبة وكتبت لهم حياة أطول لا يسلم أغلبهم من الاستغلال الجنسي أو التسول أو الاتجار بالبشر أو الوقوع بين براثن العصابات الإجرامية.

وتضيف التقارير نفسها أن نصف أطفال هايتي خارج قاعات الدرس، وأن المئات منهم يأوون إلى الشوارع، فضلا عن أن آلاف الطفلات يشتغلن في البيوت.

أميركيات من المتهمين بمحاولة تهريب أطفال هايتي قبل الإفراج عنهن (رويترز-أرشيف)
بين التبني والتهريب

زلزال 12 يناير/كانون الثاني الماضي –الذي قتل أكثر من مائتي ألف شخص وشرد ملايين آخرين- زاد من حدة المشاكل التي يعانيها أطفال هايتي وسلط الضوء أكثر على ظواهر كانوا مادة دسمة لها، إحداها ظاهرة التبني.

فبعد الزلزال أعربت اليونيسيف عن مخاوف من ازدهار تجارة بيع الأطفال الأيتام لتبنيهم في الخارج، وأكدت اختفاء أطفال من بعض المستشفيات، كما دعت جمعيات مهتمة بالطفولة إلى كبح جماح هذه الظاهرة التي ازدادت وتيرتها بعد الزلزال، واختلط فيها التبني بالاختطاف والتهريب.

وقال مسؤولون في اليونيسيف بعد أيام من الزلزال إن عددا كبيرا من الأطفال أخرجوا جوا وبرا عن طريق جمهورية الدومينيكان المجاورة، داعين السلطات المعنية إلى أن تعطي الأولوية لجمع الأطفال بعائلاتهم ورعايتهم في بلدهم، وألا تلجأ إلى بدائل أخرى مثل التبني إلا عند الضرورة القصوى وبعد إجراء الفحوص والتدابير اللازمة.

ومن جهتها حذرت منظمة "أنقذوا الأطفال" –التي تعمل في هايتي منذ 1978- من أن أطفال هايتي "قد يباعون بالجملة وتنشط حركة تهريبهم وتبنيهم بصفة غير قانونية" في ظل الفوضى التي عمت بعد الزلزال.

وكتب أندريو كيتس المسؤول بهذه المنظمة في موقعها الإلكتروني أن تسابق عدة أطراف من عدة دول لتبني أطفال هايتي تتحمل مسؤوليته وسائل الإعلام التي قال إنها ضخمت مأساة هؤلاء الأطفال وتحدثت عن أن الزلزال خلف مليون يتيم.

وأكد أن الأمر نفسه وقع في كارثة تسونامي عام 2004، واعتبر أن وسائل الإعلام بذلك "تسيء لأطفال هايتي" وأن الحديث عن مليون طفل يتيم "ادعاء عبثي وسخيف".

أطفال كانت إحدى المنظمات تسعى لإخراجهم من هايتي بشكل غير قانوني (رويترز-أرشيف)
تداعيات سيئة

أما رئيس جمعية "أصدقاء أطفال هايتي" –وهي جمعية فرنسية تعمل على مساعدة أطفال هايتي- بنديك بول فيؤكد أن وضعية هؤلاء الأطفال لم تكن يوما جيدة، لكنها تفاقمت بعد الزلزال، مشيرا إلى أن ما يعانونه يشكل "خطرا اجتماعيا على مستقبل البلد".

وعن ظاهرة التسابق إلى تبني أطفال هذا البلد من منظمات وأفراد بعدة دول مثل فرنسا والولايات المتحدة وهولندا وإسبانيا وبلجيكا وألمانيا وكندا، يقول بول "نحن في الجمعية كنا دائما مرتابين من التبني، ونفضل أن نساعد هؤلاء الأطفال في بلدهم وبين عائلاتهم".

ويضيف –في حديث للجزيرة نت- أن التبني "له تداعيات سيئة" وأن هوية هايتي عبر التاريخ "وجدت صعوبة في الرسوخ والتبلور نتيجة حركات وتداخلات دينية لها أهداف سياسية أكثر منها دينية".

ويعتبر بول أن تبني أطفال هايتي من شأنه أن تنتج عنه مشاكل نفسية واجتماعية، ويقول "في فرنسا قابلنا عدة أطفال هايتيين تم تبنيهم في فترات سابقة وأصبحوا اليوم راشدين، لكنهم يواجهون مشاكل في الهوية وفي الاندماج كما هو الشأن لدى أغلبية المهاجرين".

وكشف المسؤول الفرنسي أن الأسر المتبنية لهؤلاء الأطفال غالبا ما تسعى إلى "قطع كل علاقة ثقافية لهم ببلدهم الأصلي"، مشيرا إلى أن "منهم من تركوا العائلات التي تبنتهم"، وهو ما يجعلهم عرضة للتشرد والعنف والانحراف.

ويعزو هذا السباق الدولي نحو التبني في هايتي إلى التسهيلات القضائية التي توفرها هذه الدولة و"أصبحت أكثر سهولة مع الزلزال"، في بلد قرابة نصف سكانه أطفال.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة