المدغري: تجربة الإسلاميين بالحكم متواضعة وأنصحهم بالتريث   
السبت 1427/10/20 هـ - الموافق 11/11/2006 م (آخر تحديث) الساعة 9:47 (مكة المكرمة)، 6:47 (غرينتش)
عبد الكبير العلوي متحدثا إلى مراسل الجزيرة نت (الجزيرة نت)

الحسن السرات -الرباط
 
الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري وزير ملأ الدنيا وشغل الناس بالمغرب طيلة حوالي عقدين من الزمن ظل فيهما مسؤولا عن المجال الديني معاصرا للملكين الحسن الثاني ومحمد السادس.
 
اعتبره اليساريون المغاربة عدوهم الأول وحليف الإسلاميين المعتدلين والمسؤول عن فتح الطريق لمشاركتهم في اللعبة السياسية، في حين اعتبره بعض الإسلاميين مكلفا باحتوائهم.
 
وبعد أن أعفي من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية توارى قليلا عن الأضواء، لكنه ما لبث أن عاد بقوة بعد أن عينه الملك مديرا عاما لوكالة بيت القدس في أبريل/نيسان الماضي. ثم عزز عودته بإصدار كتاب مثير سماه "الحكومة الملتحية" الصادر في رمضان الماضي.
 
"الجزيرة نت" التقت الدكتور المدغري وأجرت معه مقابلة حول الكتاب ومواقف مؤلفه عندما كان وزيرا ورؤيته للصحوة الإسلامية والإسلاميين، وعن منصبه الجديد في وكالة بيت مال القدس. وهذا نص المقابلة:

 قضيتم حوالي عقدين من الزمان على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، في أي وقت من الأوقات شعرتم بأنكم تشرفون على تدبير مجال حساس جدا هو المجال الديني؟
 
بالفعل المدة التي قضيتها في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية كانت مدة طويلة، ولا بد أن يشعر أي مسؤول دائما بثقل المسؤولية مهما كان الموقع الذي يحتله، ولكني كوزير للأوقاف والشؤون الإسلامية جاءت فعلا فترة أحسست فيها بحساسية الموقع، وهي الفترة التي اشتدت فيها الأزمة في البلد الجار الجزائر، وكنا نحرص على أن نقي بلدنا من أي مواجهة مع الإسلاميين، وأن نتصرف بطريقة تجعل البلد يستفيد من هذا التيار، وهو تيار شعبي له جذور إيمانية، وتيار له نظرة مستقبلية تنطلق من الإسلام، فكان لابد أن نتحمل مسؤوليتنا ونفكر في طريقة عملية تحقق هذا الهدف.
 
 لعل من الطرق العملية التي فكرتم فيها وعملتم بها "جامعة الصحوة الإسلامية" التي كنتم وراءها، وأشركتم فيها جماعات إسلامية مختلفة، ماذا حققت هذه الجامعة؟
 
فعلا هذه الجامعة كنا نريدها منبرا جامعا لحوار حر نزيه لطيف إيجابي وبناء مع الجماعات الإسلامية كيفما كانت، معتدلة ومتطرفة رسمية أو غير رسمية، بل كان طموحنا أكبر، ففكرنا في دعوة رموز لجماعات إسلامية من الخارج، فجاء ممثلون عن الإخوان المسلمين، وجاء راشد الغنوشي عن تونس ومحفوظ النحناح عن الجزائر، ونجم الدين أربكان عن تركيا، وعدد من الرموز والشخصيات.
 
وكان هناك شباب إسلامي واعد، وكنا نريد أن يكون هناك حوار بينه وبين العلماء، وبينه وبين الحكومة. وكنت قد اقترحت هذه الفكرة على الملك الراحل الحسن الثاني فاستحسنها، وتابع الجامعة وأشغالها.
 
ولا أفشي سرا إن قلت الآن إنني كنت أبعث له كل مساء بشريط مسجل يتضمن وقائع اليوم وجلساته، وكان يشاهد الشريط، وانتهى به الأمر إلى استدعاء المشاركين وتنظيم حفل شاي على شرف المشاركين في قصره بالصخيرات وإلقاء خطاب, فكان هذا نوعا من اللقاء بعد الفراق والغياب، وكان لهذا اللقاء دور كبير في تبديد السحب بين الإسلاميين والحكم، وهذا في حد ذاته كان مكسبا مهما. ثم توالت الدورات بعد ذلك، وناقشت قضايا مهمة، وحرصنا على طبع جميع أعمال هذه الجامعة.
 
 الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، النظرات إليكم متقاطعة ومتناقضة، فأهل اليسار المغربي يرون فيكم حليفا للإسلاميين، وبعض الإسلاميين يرون فيكم مروض الحركة الإسلامية، أين تجدون نفسكم بين هؤلاء وهؤلاء؟
 
لست حليفا لأحد ولست عدوا لأحد، ولا مروضا لأحد, كل ما في الأمر أنني كنت أشعر بأن علي أمانة ومسؤولية، وكما قلت وكنت أقول دائما للعلماء يجب أن تستحضروا دائما وجه الله تعالى لأننا سنقف أمامه في يوم من الأيام ونسأل.
 
فكل الأعمال التي قمنا بها كانت من هذا المنطلق, وبطبيعة الحال الناس لهم تأويلات وتفسيرات لعدد من السلوكيات، وحسبنا أننا أخلصنا لديننا وبلدنا ولهذا النظام الملكي المغربي الذي يضمن للمغرب الاستقرار والاستمرار ويرعى الإسلام، وملك البلاد يعتبر نفسه ويعتبره الدستور أميرا للمؤمنين، فمن واجبنا أن نعمل في هذا الإطار كل ما في الوسع لاستفادة البلد أولا من هذه الصحوة الإسلامية، وثانيا لتجنب أي مواجهة بينها وبين غيرها، ولإتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن رأيه وفكره إسهاما منه في بناء البلد وبناء المستقبل.
 
 في كتابكم الأخير المثير "الحكومة الملتحية" تنصحون الإسلاميين بألا يكونوا مجرد طلاب للحكم، وتدعونهم إلى التريث والتراجع. لماذا لا يجربهم الناس، فإن فشلوا انفضوا عنهم، وإن أفلحوا تمسكوا بهم؟
 
التيار الإسلامي يجب أن ينظر إليه كجميع التيارات الموجودة في البلد، وأن نطبق عليه الوصفة الديمقراطية التي نطبقها والتي نطالب بها الجميع.
 
فهم مكون من مكونات المجتمع، ويجب أن تكون لهم الفرصة كاملة لمخاطبة الشعب، فإذا نالوا رضى الشعب وصوت عليهم في أي انتخابات، فإن ذلك ينبغي أن يؤهلهم لاحتلال مكانتهم في البرلمان كجميع التيارات، ولهم أن يشكلوا الحكومة إذا نالوا رضى جلالة الملك, وهذا من حيث المبدأ.
 
أما من الناحية العملية فنرى أن تجربة التيار الإسلامي فيما يتعلق بالسياسة والحكم تجربة متواضعة في الزمن وفي العمق، ونخشى إذا ما تطلعوا إلى الحكم وتشكيل الحكومة دون مؤهلات كافية، وكان الفشل لا قدر الله، أن يرجع ذلك على المد الإسلامي بصفة عامة.
 
ولذلك ننصح بالتريث والحكمة وعدم التسرع في أي شيء. وعلى كل حال هذه وجهة نظري الشخصية وهم أحرار، لهم والحمد لله من الرشد ومن الوعي وطول الباع في هذه الأمور ما يجعلهم يتخذون القرار الذي يرونه مناسبا.
 
قلتم كذلك إن الوهابية انتشرت في المغرب برعاية من وزارة الداخلية في عهد الوزير الأسبق لأغراض جيوسياسية أميركية، وأن وزارتكم حيل بينها وبين التدخل في هذا الملف. لماذا طال سكوتكم كل هذا الوقت؟
 
أنا شرحت في كتابي الظروف الجيوسياسية التي أحاطت بالموضوع، ولا أريد أن أكرر ذلك هنا. وشرحت كيف أن الوهابية كانت تجد دعما من بعض دول الخليج، وهذا لم يعد سرا، ومن بعض الأنظمة والوزارات التي كانت لها علاقات بهذا الموضوع.
 
أنا كنت أراقب، وكنت أحرص على حماية المساجد بحكم مسؤوليتي عنها، لأنني كنت مسؤولا عن حماية المذهب المالكي بالمغرب كدعامة من دعامات الوحدة.
 
أما الوهابية في حد ذاتها فهي فرقة كباقي الفرق لها علماؤها ولها رجالها، وليس لي ضدها أي شيء ولست منها ولا تهمني، ولكن كان يهمني ألا تتسرب لبيوت الله في المغرب وللأوساط العلمية وللمؤسسات التي تشرف عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية كالمدارس الدينية والمعاهد والمجالس العلمية وغيرها.
 
والحمد لله أنني وفقت في ذلك الوقت، وكتبت عدة مذكرات للمجالس العلمية ولنظار وزارة الأوقاف، ونبهت في عدد من اللقاءات والاجتماعات، فقد كان المد كبيرا، أطنان من الكتب والمطبوعات والأشرطة التي توزع بالمجان، وبعض الخطباء المغاربة كانوا يتلقون رواتب شهرية، فهذا مد قوي استطاع أن ينتشر في بعض دور القرآن وبعض المؤسسات العلمية التي اخترقتها الوهابية، وفي بعض الأوكار بالدروب ومدن الصفيح.
 
ولكن والحمد لله طيلة تلك المدة لم يستطع هذا التيار أن يتسرب إلى المساجد والمؤسسات التي كانت تشرف عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وأنا لم أسكت، وتم عقد عدة اجتماعات في عهد جلالة الملك محمد السادس لهذا الغرض، وشاركت فيها بحيث لم يكن هناك سكوت ولا تراخ في القيام بالواجب.
 
 تنتقدون في آن واحد المعالجة الأمنية للحركات الإسلامية والمعالجة "التمييعية التفسيخية"، ماهي المعالجة التي ترونها مناسبة؟
 
سبق لي أن ضربت مثالا قدمته لأحد السفراء الذي زارني في المكتب، فقلت له إن الإسلام مثل الماء في نعومته وفي الخير الذي ينشره والعطاء الذي يقدمه، ولكن إذا حاولنا منعه من التسرب والمرور وأغلقنا جميع المنافذ التي يمكن أن يمر منها، فإن ذلك الماء يصبح قوة خارقة تدمر السدود وتدمر الأخضر واليابس.
 
لذلك نرى أن هذه القوة المعطاءة النافعة يجب أن نحدث لها ممرات ومنافذ لتنتفع بها الأمة والبلاد والعباد. إذن لابد أن تكون المعالجة عقلانية، وأن تكون مبنية على الموضوعية وعلى التحليل العلمي، وعلى الرغبة في إتاحة الفرصة للجميع بقدر متساوٍ للإسهام في البناء وازدهار البلاد.
 
ولذلك دعوت الطبقة الواعية أو ما أسميه بالقيادة الفكرية في الأمة إلى أن تتحمل مسؤوليتها وأن تسهم في هذه المعالجة العقلانية الموضوعية، وألا تستمر في اعتبار الشأن الديني هو شأن أولئك الفقهاء البسطاء، بل هو من اهتمام الجميع ومسؤولية الجميع.
 
والأمر ليس بسيطا وليس سهلا، لأننا أمام تيار له عقيدة وشريعة ضاربة في التاريخ لمدة أربعة عشر قرنا، وأمام تيار آخر حداثي جاء مبشرا بالدولة الحديثة، وله أفكار تنتمي إلى العالم الحديث والعولمة وما إلى ذلك, فمن الصعب التوفيق بين هذه الأمور إلا إذا تحركت العقول واستخدم العلم والتحليل العلمي اللازم، فالأمر ليس بالبساطة التي يظنها كثير من الناس.

 لكم خبرة ميدانية طويلة في المجال الديني، وصاحبتم الصحوة الإسلامية وشاركتم في ترشيدها وتسديدها، فكيف ترونها الآن، هل ترون فيها جوانب للنقص والقصور في زمن العولمة والعالمية؟
 
هذه الصحوة الإسلامية التي يشهدها العالم اليوم، لا ننسى أنها صدى للحركة الإصلاحية التي قام بها علماء الأمة منذ عقود، وأيضا هي ثمرة لجهود العلماء والدعاة. وبطبيعة الحال فإننا لا ننتظر أن تثمر أعمالهم بين عشية وضحاها، الأمر يتطلب وقتا طويلا.
 
الآن بدأنا نرى نتائج وثمار تلك الجهود. الصحوة الإسلامية يجب أن تستمر مؤطرة بأهل العلم ولا يكفي تأطيرها بالشباب المتحمس، لا بد من أهل العلم، وهذا الدين علم ومرتبط بالعلم، والشريعة لها قواعد وأصول العلم لتفسيرها، وإلا وقعنا فيما وقعنا فيه الآن من إرهاب وأعمال بشعة وشنيعة باسم الإسلام.
 
التطرف أحببنا أم كرهنا يمشي جنبا إلى جنب مع الصحوة الإسلامية مع الأسف، وهذا التطرف سببه هو الجهل، لا أقل ولا أكثر. لذلك كلما كانت الحركة الإسلامية مؤطرة بالعلماء، كلما تجنبت السلبيات والنقص والضعف وانطلقت بقوة نحو البناء.
 
فالحركة الإسلامية لها جذور بدأها العلماء وينبغي أن يستمر دور العلماء فيها، ويجب أن يبحث شباب الصحوة الإسلامية عن الرموز من العلماء المصلحين ليضمنوا تأطير مسيرتهم.
 
 أنتم الآن المدير العام لوكالة بيت مال القدس الشريف، قدمتم للملك الإستراتيجية الجديدة لعمل الوكالة، ما هي الخطوط العريضة لهذه الإستراتيجية؟
 
هذه الإستراتيجية برنامج مدقق ذو مراحل ثلاث: مرحلة قصيرة تمتد سنة، ومرحلة متوسطة تمتد ثلاث سنوات، ومرحلة طويلة تمتد خمس سنوات. وكل مرحلة من هذه المراحل فيها مجموعة من الأعمال التي من شأنها أن تساعد على إنجاز مجموعة من المنجزات في ميادين الصحة والتعليم والإسكان داخل القدس الشريف.
 
وهي إستراتيجية علمية تحاول الاستفادة من التكنولوجيا الجديدة في التواصل كخلق إدارة إلكترونية، تحاول الاتصال بالعالم عن طريق موقع إلكتروني قوي. كذلك هذه الإستراتيجية سلمية بحيث لا تدخل الوكالة في أي نزاعات ولا في أي صراعات.
 
وهي أيضا متفتحة على العالم الإسلامي وعلى العالم المسيحي في أوروبا وأميركا. وتعمل الوكالة بواسطة المجتمع المدني في جميع البلدان، وتعبئ طاقات الرجال والنساء لهذا الغرض.
 
وأريد أن أغتنم هذه المناسبة لأذكر أننا في الحملة التي نظمناها في رمضان لجمع التبرعات تخوف بعض الناس من النزاع الذي كان بين حماس والسلطة الفلسطينية والصراع الذي وصل إلى حد تبادل إطلاق النار. وهذا يخلق أجواء من التخوف والتردد لدى الناس، لكننا نقول لجميع الناس إن وكالة بيت مال القدس تعمل مع سكان القدس، ولا علاقة لها بهذا الطرف ولا بذلك الطرف.
 
نحن عندنا مكتب في رام الله قريب من القدس الشريف، وعندنا مشاريع تتعلق بالصحة وبناء المستشفيات وتجهيزها وشراء الأدوية وبناء المدارس وتجهيزها وإعطاء منح للطلبة وقروض للساكنة لبناء منازلهم أو بناء وحدات سكنية جديدة... لا علاقة لنا بالصراع السياسي الموجود بالمنطقة وعملنا ميداني.
 
ولذلك أغتنم هذه الفرصة لأحث جميع الغيورين من أبناء المغرب وغيرهم من أبناء العالم الإسلامي ليدعموا الوكالة وأعمال الوكالة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة