في كواليس تحقيق الجزيرة بوفاة عرفات   
الاثنين 1433/8/20 هـ - الموافق 9/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 18:36 (مكة المكرمة)، 15:36 (غرينتش)
فريق الجزيرة لجأ إلى خبرات سويسرية بعد تعذر مواصلة التحقيق في فرنسا التي توفي فيها عرفات
المحفوظ الكرطيط

لم يكن من السهل على فريق قناة الجزيرة الحفاظ على سرية التحقيق إزاء ظروف رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، الذي تطلب إنجازه تسعة أشهر من العمل والتنقل بين عدة بلدان قبل بث الفيلم النهائي الأسبوع الماضي.

ولإبقاء ذلك التحقيق طي الكتمان طيلة هذه المدة الطويلة اضطر فريق العمل بقيادة رئيس قسم الشفافية في شبكة الجزيرة كلايتون سويشر؛ إلى العمل في مكان منفصل عن غرفة الأخبار، وتم وضع قائمة تحت المراقبة لكل الزملاء المعنيين بالتحقيق ودرجة اطلاعهم على الملف وذلك لتفادي أي تسريب غير مقصود.

وللتدليل على سرية التحقيق فإن كاتب هذه السطور لم يعلم به إلا قبل أسبوع من بثه عندما أنيطت به مهمة المشاركة في التغطية الخاصة التي أنجزتها الجزيرة نت في إطار التغطية الشاملة التي قامت بها شبكة الجزيرة بكامل مكوناتها.

وإذا كانت حساسية ذلك العمل فرضت إبقاءه محاطا بالسرية حتى على العاملين في شبكة الجزيرة، فما بالك بجهات أخرى معنية بالدرجة بالأولى برحيل عرفات وعلى رأسها إسرائيل التي تتواتر لها الاتهامات في الموضوع، وفرنسا التي لفظ فيها الراحل آخر أنفاسه.

كلايتون سويشر التقى عرفات عام 2000 وقادته الأقدار للتحقيق بوفاته بعد 12 عاما

إسرائيل وفرنسا
يقول رئيس فريق التحقيق إنه لا يملك أي دليل على أن إسرائيل كانت على علم بأن الجزيرة تحقق في وفاة عرفات، لكنه يعترف صراحة بأن ذلك لم يكن ليقلقه.

وتساءل سويشر "إذا قصفوا (الإسرائيليون) غزة طيلة ثلاثة أسابيع على مرأى العالم دون أن يحرك العالم بأسره ساكنا، هل تعتقد جديا أنهم سيبالون بالعالم وهو يحقق في من عرّض ياسر عرفات لسم البولونيوم المشع؟".

في مقابل ذلك أبدى الفرنسيون -وخاصة بعض المسؤولين في رئاسة الجمهورية- فضولا كبيرا بشأن الطلبات التي تقدم بها فريق الجزيرة للجهات المعنية بوفاة عرفات، وتبين من المقابلات معهم أن الملف الطبي الكامل لعرفات يعتبر "سرا دفاعيا"، وهو ما يعني أنهم ممنوعون من الإدلاء بأي معلومة طالما أنها قد تمس الأمن الداخلي للبلاد.

واستغرق التحقيق جل فتراته في فرنسا إذ إن حساسية الموضوع تطلبت إجراءات إدارية طويلة، حيث تم اللجوء إلى خدمات محام لينوب عن سهى عرفات في طلباتها الموجهة إلى الجهات الفرنسية للحصول على معلومات وعينات من دمه وبوله قبل أن يفاجأ الجميع بأنه تم إتلاف تلك العينات بعد أربع سنوات فقط من وفاة عرفات، رغم أن القانون يقضي بالاحتفاظ بها عشر سنوات.

وأمام هذا الوضع بات من المستبعد اللجوء إلى خدمات مختبرات فرنسا لفحص مقتنيات وأغراض شخصية وملابس استعملها عرفات في أيامه الأخيرة في مستشفى بيرسي العسكري جنوب باريس واحتفظت بها أرملته سهى في حقيبة صغيرة إلى أن وضعتها رهن إشارة فريق الجزيرة.
 
كما تم أيضا استبعاد دول أخرى من قبيل بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة لاعتبارات تتداخل فيها معطيات السياسة واللغة، فرأى فريق الجزيرة أن أنسب مكان لمواصلة التحقيق هو سويسرا بحكم أن مخبر مدينة لوزان للطب الشرعي غير مشكوك في نزاهته ومصداقيته، لأنه هو نفسه الذي تلجأ إليه منظمة الأمم المتحدة لفحص حالات الوفاة المريبة التي سجلت في أوساط معتقلي سجن غوانتانامو.

الجزيرة تكشف بالأدلة وجود مواد إشعاعية في ملابس عرفات

صمت عربي
وإلى جانب الأوساط الطبية في فرنسا فإن فريق الجزيرة اتصل بعدد من الأطباء العرب الذين شاركوا في علاج عرفات إثر التدهور الحاد لصحته في أكتوبر/تشرين الأول 2004 قبل نقله إلى فرنسا حيث وافته المنية في 11 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.

وقد فوجئ الفريق، الذي شارك في بعض مراحله المنتج فريد برسوم، بالصمت المريب لبعض الأطباء العرب في تونس ومصر ورفضهم الإدلاء بمعلومات عما رصدوه ولاحظوه على الحالة الصحية لعرفات قبل نقله إلى فرنسا.

ولم يفت الفريق التنبه إلى ضرورة الاتصال بالدكتور أشرف الكردي الطبيب الخاص لعرفات طيلة عشرين عاما، لكنه علم لاحقا أنه فارق الحياة في أبريل/نيسان الماضي في الأردن وتم إحراق كل ما يملك من وثائق، وفق ما قالته أرملته.

وبعد اكتمال التصوير عاد فريق الجزيرة إلى الدوحة ليبدأ ما يعرف في الأدبيات التلفزيونية بـ"ما بعد الإنتاج"، وهي مرحلة المونتاج والكتابة للصورة. وهنا سادت أجواء أخرى من السرية إذ إن الزميل المكلف بجزء كبير من هذه المهمة وهو المصور أدريان بيلينغ يفضل العمل في غرفة مونتاج غير مضاءة!!

وإلى جانب العمل في الظلام فإن بيلينغ لا يرتاح في مواجهة الشاشة ولوحة المفاتيح والسيل الهائل من الصور إلا إذا ارتدى قناع نينجا وتناول كمية هائلة من مشروب الطاقة ريد بول الذي يعتبره مصدرا يجعله أكثر تركيزا وسرعة في عمله.

في هذه الأجواء التي سادها التكتم والانتظار والتنقل الكثير والعمل المتواصل توصل فريق الجزيرة إلى وجود نسبة عالية من مادة البولونيوم في ملابس عرفات ومقتنياته الشخصية، وهو ما يعزز الروايات القائلة بتسميمه في انتظار أن يقطع الشك باليقين بفحص رفات "الخيتار"، وهذه خطوة لا شك أنها تحتاج إلى جهود أكبر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة