كلا إنها ليست صناعة أميركية   
الثلاثاء 29/6/1432 هـ - الموافق 31/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 19:15 (مكة المكرمة)، 16:15 (غرينتش)

كلا يا سادة إنها ليست صناعة أميركية - أمجد ناصر

أمجد ناصر

لم يصدّق العرب أنفسهم. لم يصدقوا أنهم قادرون على خلع نير الطغيان من أعناقهم. ما حدث كان أكبر من أن يتوقعوه فهالهم أنهم بالحناجر، بالأيدي المعروقة، بالصدور العارية، ببضعة شعارات قادرون على كسر جدار الخوف والصمت والانسحاق الذي حُبسوا خلفه طويلا. الثورات العربية التي اندلعت من جسد التهمته النيران في بلدة مغمورة ونائية في تونس فاجأتنا قبل أن تفاجئ غيرنا. هذا السيل الهادر من الحناجر والأيدي والأجساد الفتية والتصميم، الذي لا نعرف من أين حطَّ علينا، أربكنا. فقد صدقنا أننا استثناء، ليس كخير أمة أخرجت للناس.

هذا أمر ظل في الكتاب ولم يترك في الواقع أثراً، بل استثناء من الحرية والكرامة. مجرد جسد تبلَّد ولم يعد يصدر عنه ما يوحي أنه حيٌّ سوى ما يربطه بحياة الأنعام: البيولوجيا الصرف. هذه هي علامات الحياة وأماراتها في جسد أمة تتمدد، بخنوع وذلَّة، بين ماءين مالحين. لا شيء، تقريباً، غير ذلك. دليلنا على الاستثناء المعيب هو هذه الأنظمة البائسة التي انحطَّت، في هزيعها الأخير، إلى مستوى العصابة. دليلنا هو الخوف الذي سكننا كقرين من كل من تلوح على كتفه شارة: الجندي، الشرطي، جابي المياه والكهرباء، ساعي البريد... إلخ.

هل ما يجري ثورة أم مؤامرة علينا؟

لكن فجأة يحدث ما لم يحدث من قبل. تجرِّب الجموع التكتل والتراص في الشارع والميدان العمومي. تزحف من الأزقة والحارات لتصب في النهر البشري الذي يكبر ويعلو ويموج. تجرِّب الجموع استخدام الحبال الصوتية المعطلة فتطلع الصرخة الحبيسة. تهدر الأصوات أكثر وأعلى فيتداعى، تحت عصف هديرها، هيكل الطغيان ويتبدى خواؤه الفظيع. لا شيء داخل هذا الهيكل المخيف. لا شيء سوى حاكم مُسنّ يرتجف، هو أيضاً، من الخوف والعزلة. أساطير الأدب تحضر في الحال. ما ظننا أنه خيال روائيين وتهويمات شعراء طلع حقيقياً. ها هم البطاركة المؤبدون المخيفون يرتجفون من الخوف ويطلبون النجاة بأي ثمن. حدث هذا، كما تعلمون، في تونس ومصر على التوالي.

الانهيار السريع لاثنين من أشرس الأنظمة العربية أمام قوة الناس العارية من أي سلاح سوى الإرادة، سوى الشوق الممض للحرية، تحوَّل عدوى انتشرت في الهواء العربي. طلع الناس من الكهوف والمغاور، من وراء الأسوار العالية، في غير مكان عربي. في الأثناء صحت الأنظمة العربية التي شعرت بالزلزلة تحت أقدامها من طمأنينتها إلى ثبات "طاعة" شعوبها وانصياعها إلى الاستبداد فانتضت السلاح. بادرت إلى الرصاص الغزير. وعندما لم ينفع رصاص البنادق في إعادة "العبيد" الآبقين إلى حظائر الطاعة، دفعت بدباباتها، التي كادت تصدأ في المستودعات، إلى المدن والبلدات العاصية.

دبابة النظام العربي
مع انطلاق دبابة النظام العربي محوّلة الشعب إلى زمرة من الإرهابيين والسلفيين والمتآمرين والجرذان حامت في أجوائنا أسئلة التشكيك، هل هذه الثورات من صنعنا أم من صنع أميركا والصهيونية العالمية؟

هل ما يجري ثورة أم مؤامرة علينا؟

لم يكن هذا سؤال الأنظمة العربية فقط بل، للأسف، سؤال بعض المثقفين والسياسيين العرب.

بدأ هذا السؤال خجولاً بعد سقوط نظامي بن علي ومبارك ثم راح يعلن نفسه، بقوة وصلافة، عندما هبَّت رياح الثورة على نظام بشار الأسد. هنا دخلت على خطاب المشككين مفردات مثل: المقاومة، الممانعة، الإمبريالية، المؤامرة، التناقض الرئيسي، التناقض الفرعي. وهذه مفردات، لمن لا يعلم، قادمة من كتاب جيب اليسار العربي بشقيه القومي والماركسي.

فتش عن أمريكا. فتش عن الأقبية السرية التي حيكت فيها هذه المؤامرة علينا! هذا ما أفصحت عنه بعض كتابات المثقفين العرب التي اقتبست أقوالاً وتحليلات ساذجة لكتاب شبه مجهولين ترجع "الربيع العربي" إلى قبو في المخابرات الأميركية أو إلى مراكز أبحاث (أميركية أيضاً) درَّبت "الطليعة الثورية" الجديدة على استخدام الفيس بوك والتويتر والموبايل وأطلقتهم لإسقاط أنظمة تابعة لأميركا.

لقد تمَّ إخراج ملايين الشبان العرب من لا مبالاتهم وكسلهم وعطالتهم الجسدية والروحية إلى الشوارع، إلى الثورة على أنظمة فاسدة عاتية، إلى الموت بصدور عارية، ببرامج كومبيوتر. بتويتر. بصفحات على الفيس بوك.

فها هي كاتبة روسية تدعى آنا فارفولومييفا صارت مرجعاً وحجة، لا تدحض، للمشككين بالثورات العربية تقول:

إن كان الشبان السوريون يعملون وفق أجندة أميركية خفيِّة فلِمَ لا تمدّ لهم أميركا يد العون وهي قادرة على ذلك؟ فها هي الانتفاضة السورية تنهي أسبوعها العاشر. ها هو دم غزير يسفك. ها هم أطفال يجندلون بالرصاص ولا يصدر عن البيت الأبيض عشر ما صدر عنه حيال النظام المصري وحسني مبارك.
"ترتبط قلاقل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وآخرها صدامات الأردن وسوريا، بالتكنولوجيات الإلكترونية عن كثب الآن. وقد خرج تعبير (ثورات التويتر) إلى حيز الوجود فيما يشير كثيرون لغرائب الأزمة السياسية التي شهدت التكنولوجيات الإلكترونية تفعل فعلها. وقد يكون هناك أكثر مما تراه العين في الأحداث الأخيرة التي اجتاحت شمال أفريقيا والشرق الأوسط".

وترى الكاتبة أن أحداث 11 أيلول (سبتمبر) لم تؤد إلى تدخل عسكري في الشرق الأوسط فحسب، و"لكن أدت إلى تطوير أسلحة قوة ناعمة جديدة يمكن أن تخلق دماراً عظيماً، وأن تقوّض أي مجتمع من الداخل، على الرغم من أنها غير مرئية".

ضد الشعوب
وتضيف الكاتبة الروسية، التي وقفت بلادها بشراسة مع نظام القذافي ضد آمال شعبه بالحرية وتقف، الآن، بشراسة أكبر، ضد مطامح السوريين بالتحرر من النظام العربي الأكثر استبدادا وطغياناً:

وتقول "واليوم نستطيع أن نرى أن المبادرات التي أطلقتها وزارة الخارجية الأميركية خلال العقد الأول من القرن الجديد قد عادت عليها بنتائج مثمرة. فالشبان، المستخدمون النشطون لوسائل الاتصالات الجديدة، باتوا بالفعل القوة التي استطاعت أن تغير الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لقد أصبحوا أداة الأجندات الخفيّة".

وليس غريباً، بالطبع، أن يتصادى هذا الكلام الذي يستهين بدم الشبان العرب الذين يحاولون رفع نير الاستبداد عن أعناق شعوبهم مع كلام مماثل لمعلقين روس وربما صينيين. فوراء الأكمة ما وراءها كما يقولون. فقد سجل مجلس الأمن موقفاً مخزياً للصين وروسيا ضد كتائب القذافي التي كانت تهدد بسحق بنغازي وسوف يسجل مجلس الأمن، عما قريب، موقفاً أكثر خزياً لهاتين الدولتين اللتين تتحالفان مع الطغيان العربي في ما يخص جرائم النظام السوري ضد شعبه.

"الأجندات الخفيِّة"
"الأجندات الخفيِّة". هذا هو مربط الفرس عند الكاتبة الروسية. وهذا الكلام المرسل عن "الأجندة الخفيِّة" يحدث دغدغةً لدى رهط من المثقفين والسياسيين العرب ذوي الخلفيات القومية والماركسية المبتذلة (غير الماركسية الحقيقية) ممن وقفوا، ولا يزالون، مع أنظمة الطغيان العربي بحجة تغليب "التناقض الرئيسي" (الإمبريالية والصهيونية) على "التناقض الفرعي" (ما يسمونه الأنظمة الوطنية العربية).

لست من السذاجة كي لا أعرف أن مصالح الجماهير العربية قد تتقاطع في لحظة معينة، من دون تخطيط ولا أجندة، مع مصالح قوى عظمى. فالمثال الفلسفي المدرسي القديم لا يزال صالحاً: أن تغصَّ بالماء وتموت لا يعني أن تكفَّ عن شرب الماء. ليست العلة في الماء ولن نتوقف عن شرب الماء لأن هناك احتمالاً أن نغصَّ به ونموت. نحن في حاجة إلى الماء. إنه أساس الحياة. والماء هنا ليس سوى استعارة للحرية. فلن نتوقف عن طلبها لمجرد أنها قد (أقول قد) تجد صدى في نفوس آخرين. لكن لِمَ نفلسف ما ليس محتاجاً إلى فلسفة؟ ما حاجة أميركا إلى إطاحة أنظمة تسهر على مصالحها كما لم تسهر عليها هي؟ لم تكن الثورة في تونس ومصر حاجة أميركية أو غربية. فليست مصالح الغرب مهددة في ذينك البلدين. بل لن يجد الغرب من يسهر على مصالحه الإستراتيجية مثلما فعل النظامان التونسي والمصري ولن يجد رئيسين يقدمان مصالح الغرب (وإسرائيل) كما فعل بن علي وحسني مبارك.

هنا يمكن أن نرى المصلحة الإستراتيجية الأميركية العليا وهي تصان: الحفاظ على أمن إسرائيل. ليس نظام حسني مبارك، فقط، من عمل على ضمان أمن إسرائيل بل فعل ذلك النظام السوري من وراء برقع المقاومة والممانعة
ليس هذان النظامان هما اللذان أثارا حميّة بعض المثقفين والسياسيين العرب "الوطنية" و"القومية". لم يترحَّم مثقف أو سياسي عربي قومي أو يساري أو إسلامي، في الواقع، على بن علي وحسني مبارك. هذان المخلوعان من قبل شعبيهما ليسا كلمة السر وراء حملة التشكيك. إنه النظام السوري.

لم يتساءل المشككون في أميركية الانتفاضة السورية ضد نظام بشار الأسد لِمَ تركت أميركا (والغرب عموماً) دم المنتفضين السوريين يسفك بغزارة من دون أن تقوم بإجراء رادع حقيقي ضده. لم يتساءلوا عن انعدام الشهية الأميركية الواضح، وضوح الشمس، لإطاحة نظام بشار الأسد وقد جاءت الفرصة تسعى. هل هناك فرصة للتخلص من النظام السوري أفضل من هذه؟ فإن كان الشبان السوريون يعملون وفق أجندة أميركية خفيِّة فلِمَ لا تمدّ لهم أميركا يد العون وهي قادرة على ذلك؟ فها هي الانتفاضة السورية تنهي أسبوعها العاشر. ها هو دم غزير يسفك. ها هم أطفال يجندلون بالرصاص. يمثَّل بأجسادهم وتقطع أعضاؤهم التناسلية (الطفل حمزة الخطيب مثالاً) ولا يصدر عن البيت الأبيض عشر ما صدر عنه حيال النظام المصري وحسني مبارك.

المصلحة الأميركية
هنا يمكن أن نرى المصلحة الإستراتيجية الأميركية العليا وهي تصان: الحفاظ على أمن إسرائيل. ليس نظام حسني مبارك، فقط، من عمل على ضمان أمن إسرائيل بل فعل ذلك النظام السوري من وراء برقع المقاومة والممانعة. ولكي لا أكون عدميا على المستوى السياسي علي أن أقول إن الأمر يتعلق بقواعد لعبة حافظ على أصولها النظام السوري جيداً بما في ذلك "دعمه" لحزب الله وحركة حماس، ولا تضمن أميركا، أم إسرائيل الحنون، ما سيحدث في حال اختلت "قواعد اللعبة" التي أرستها مع نظام الأسد الأب والابن.

معيار وطنية شبان سوريا هو موقف أميركا منهم. معيار وطنية الانتفاضة السورية هو في تركها فريسة سهلة لدبابات الأسد. لدي، ولدى شبان الانتفاضة، معايير عديدة أخرى على تفوّق وطنية وقومية المنتفضين على نظام بشار الأسد غير الموقف الأميركي والغربي منهم. فهذا ليس معياراً يعتدُّ به. المعيار الحقيقي هو كشفهم لكذب النظام في قضية "المقاومة". سخريتهم من "ممانعته". لقد قالوا له إن درعا وبانياس وحمص وتلكلخ وتلبيسة ودوما ليست الجولان. تلك هي الجولان ونحن معك إن كنت ذاهباً إلى هناك. لكنه لن يذهب إلى هناك أبداً، إذ إن إسرائيل عدو على الورق وليس على الجانب الآخر من الحدود التي لم تشهد طلقة واحدة مذ وضعت حرب تشرين "التحريرية" أوزارها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة