التلوث الضوئي.. ليل بلا ظلام   
الخميس 1436/8/10 هـ - الموافق 28/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:54 (مكة المكرمة)، 14:54 (غرينتش)

الصغير الغربي

أصبحت كمية الأضواء الهائلة التي تستعمل ليلا في المدن والتجمعات البشرية والصناعية تمثل مصدر قلق بيئي وصحي وعلمي، وأطلق عليها منذ سنوات مصطلح "التلوث الضوئي"، وهو أحد الأشكال الجديدة للعوامل التي تلحق أضرارا بالكائنات الحية وتمثل مصدر إزعاج متزايد للمنظومات البيئية فضلا عن تأثيرها السيئ على صحة الإنسان لبعض الأنشطة البشرية، فما هو التلوث الضوئي وما هي مصادره وتأثيراته السلبية وهل من حلول للحد منها؟

قد لا يغيب على كل من لاحظ صور الأقمار الصناعية التي تلتقطها ليلا انتشار الأضواء المتلألئة التي يتفاوت توهجها حسب المناطق في أغلب أرجاء اليابسة، وهي وإن كانت تؤشر إلى حجم النشاط البشري والتقدم الصناعي والحضاري فإنها تشير كذلك إلى أن الليل في مناطق كثيرة من العالم لم يعد مظلما كما يجب أن يكون، وأن هذا التلوث الجديد يحدث اختلالات وظيفية مختلفة في المنظومات البيئية حسب دراسات علمية في مجالات عدة.

بن يحيى: سبب التلوث هو الإضاءة المفرطة وبأساليب غير علمية في كثير من الأحيان (الجزيرة)

الظاهرة وأسبابها
وبشأن مفهوم التلوث الضوئي يقول الكاتب العام للجمعية التونسية لعلوم الفلك هشام بن يحيى إنه وجود إضاءة غير طبيعية ليلا تمثل مصدر إزعاج للنباتات والحيوانات وللبشر وللأنظمة البيئية بصفة عامة، وفي علم الفلك هو التلوث الذي يمنع القيام بعمليات رصد للنجوم.

ويقاس التلوث الضوئي في الليل بموقع ما بواسطة سلم بورتل الذي يحتوي على تسع درجات ويعتمد على قياس الحد الأقصى لدرجة السطوع الظاهري للأجسام المضيئة في الفضاء التي يمكن رصدها بالعين المجردة.

وتمثل الدرجة الأولى من السلم السماء ذات الظلمة الحالكة "النقية" التي يمكن فيها رصد أجرام سماوية مثل مجرة "إم33" وكوكبتي العقرب والقوس في درب التبانة، وجميع الأجرام التي لا تتجاوز درجة سطوعها ثماني درجات.

بينما تصنف في الدرجة التاسعة من السلم السماء الجرداء التي لا يبدو في أرجائها سوى القمر وبعض الكواكب والنجوم شديدة اللمعان، وفي هذه الدرجة تصنف السماء داخل المدن والتي لا يمكن فيها رصد أجرام تتجاوز درجة سطوعها أربع درجات.

أما عن الأسباب الرئيسية لهذا التلوث فهي الإضاءة المفرطة وبأساليب غير علمية في كثير من الأحيان كما يقول بن يحيى، فمنظومات الإنارة العمومية التي تستعمل في المدن والتجمعات البشرية والصناعية وفي الطرق لا نستعمل منها سوى 10%، أما البقية فتتحول إلى مصدر إزعاج بأشكال مختلفة فجزء مهم منها ينتشر في الفضاء مباشرة وجزء آخر ينعكس على الأرضيات الصناعية لينتشر بدوره في الجو.

وهذا الجزء غير المستعمل يصبح عند انتشاره في الجو عامل إبهار لمستعملي الطريق مثلا، كما يكوّن وهجا سماويا وهو نطاق واسع من السماء أو أجزاء منها مضاء ليلا ويمكن أن يمتد على دائرة تبلغ قطرها مائتي كيلومتر كما يقول المتحدث.

وكان عالم الفلك الإيطالي بيار أطونيو سنزانو أول من أنجز أطلسا خاصا بالتلوث الضوئي سنة 2001 وذلك بناء على معطيات تم استقاؤها من أقمار صناعية ووضع خرائط مفصلة للتلوث الضوئي ودرجاته في مختلف مناطق العالم وصدرت نتائج بحوثه في مقال علمي يعتبر مرجعا لدراسة الظاهرة في نفس تلك السنة.

كما أظهرت صور ليلية لأقمار صناعية أُنجزت لفائدة إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) وشملت جميع مناطق العالم ليلا انحسارا كبيرا للظلمة الحالكة في أغلب مناطق العالم بين سنتي 1970 و2000.

وحسب ناسا، فإن الأسباب تعود إلى الأضواء الصادرة من المدن الكبرى في الدول الصناعية في أوروبا وأميركا الشمالية واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها وللتجمعات السكنية حول طرق النقل البحري كدلتا النيل وهضبة النيل وعلى ضفاف النهر الأصفر في الصين وعلى طول خط السكة الحديدية ترانس سيبريا في روسيا، كما ساهمت المشاعل التي تحرق جزءا من الغاز المستخرج من آبار النفط في تراجع حلكة الظلام في الصحراء.

عمليات رصد النجوم تتأثر كثيرا بالتلوث الضوئي (الأوروبية)

تأثيرات التلوث الضوئي
لا شك أن أحد أكبر تأثيرات التلوث الضوئي هو إحداث اختلالات وظيفية في المنظومات البيئية، فقد بينت دراسات علمية متعددة أن الطيور المهاجرة -وأغلبها يهاجر ليلا- أصبحت تضل طريقها بسبب الوهج السماوي المضيء الذي يعترضها في طريق الهجرة، مما يمثل خطرا على حياتها ويتسبب في انقراض أنواع كثيرة منها.

كما تحدث الأضواء الكثيفة اضطرابا لدى الحيوانات ذات النشاط الليلي وهو ما يجعلها تهجر مواطنها، وبينت الدراسات أن الكثير من اللافقاريات تتجنب الضوء ومصادره خلال الليل.

ولم تنج النباتات من التأثرات السلبية للضوء، فقد لاحظ العلماء مثلا تدني مردود مزارع الأرز التي تتعرض للضوء الصناعي، كما يتأخر تساقط أوراق بعض أنواع الأشجار لنفس السبب، ويحدث اضطراب في عملية التمثيل الضوئي لأنواع أخرى من النباتات.

وقد جعلت هذه التأثيرات الاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة -وهي منظمة غير حكومية تضم أكثر من مائتي دولة تأسست سنة 1948- يصدر توصيات السنة الماضية بإدراج التلوث الضوئي ضمن مؤشرات تدهور التنوع البيولوجي.

وبالنسبة للإنسان الذي يعتمد على ضوء النهار في ضبط ساعاته البيولوجية بواسطة نظام هرموني محكم فقد بينت الدراسات أن الإضاءة الليلية تدخل اضطرابا على هذا النظام، مما يسبب الأرق والتعب والتوتر النفسي، كما أن احتواء الضوء الصناعي على نسب عالية من الأشعة فوق البنفسجية قد يساهم في ظهور خلايا سرطانية على الجلد.

وتمتد تأثيرات التلوث الضوئي لتشمل أنشطة بشرية تتطلب أكبر قدر ممكن من الظلمة مثل رصد النجوم، فانتشار المدن وكثرة الأنوار في الليل تجعل عملية الرصد صعبة جدا بسبب تدهور ما يطلق عليه هواة علم الفلك "جودة السماء" ويقصد به شدة لمعان النجوم في مكان الرصد كما يقول الفلكي التونسي، خاصة إذا أضفنا إلى ذلك عوامل كالرطوبة والأدخنة والغبار والسحب وغيرها. ويعتبر التصوير الفلكي هو الأكثر تأثرا بعوامل التلوث الضوئي لما يتطلبه من ظروف مثالية للرصد.

من بين الحلول الأكثر طرحا إعادة النظر في طرق الإنارة العمومية ووضع مقاييس جديدة للإضاءة تحد من كميات الطاقة المهدورة

الحلول
يقدم المختصون والباحثون حول الظاهرة حلولا للحد منها وليس للقضاء عليها جذريا بسبب الحاجة للإضاءة ليلا، ومن بين الحلول الأكثر طرحا إعادة النظر في طرق الإنارة العمومية ووضع مقاييس جديدة للإضاءة تحد من كميات الطاقة المهدورة التي تتحول إلى تلوث ضوئي من ناحية، وتزيد نجاعة الإضاءة من ناحية أخرى.

وفي هذا الاطار، عملت العديد من الدول ككندا وفرنسا وبلجيكا على وضع إطار قانوني للإضاءة العمومية يحد من الظاهرة، تحدد مناطق الاضاءة في المناطق العمرانية وغيرها والخصائص التقنية للفوانيس المستعملة وضبط كيفية توجيهها عند التركيب.

ويقول بن يحيى في هذا الموضوع إن الأماكن التي بنيت فيها المراصد الفلكية تخضع لنظام تنوير صارم يمكن الاستفادة منه وتعميمه على المدن وهو استعمال فوانيس للإنارة مركبة على أعمدة متوسطة الطول وموجهة نحو الأسفل يعلوها غطاء على شكل قبعة صينية تمنع من انتشار الضوء في الفضاء مع إضاءة غير قوية.

وقد أدى انتشار التلوث الضوئي في العالم كذلك إلى إنشاء ما يطلق عليه "محميات للسماء المظلمة" وحدائق تحمل نفس الاسم تتوفر فيها جميع الشروط المثالية للرصد ويستمتع فيها الزائرون بسماء صافية وخالية من كل أشكال التلوث متلألئة بالنجوم.

ويبلغ عدد هذه المحميات في العالم ثماني، موزعة على كافة القارات، أما حدائق السماء المظلمة فعددها 17 حديقة أغلبها في الولايات المتحدة حسب موقع الجمعية الأميركية للسماء المظلمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة