من يرد على مكالمات كيم جونغ أون؟   
الجمعة 6/11/1436 هـ - الموافق 21/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 23:50 (مكة المكرمة)، 20:50 (غرينتش)

سيد أحمد الخضر

تظهر من حين للآخر صور لزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون وهو يجري اتصالات هاتفية من مكتبه الرئاسي، لكن الكثير من قادة العالم لا يردّون قطعا على مكالمات هذا الزعيم الشاب، وربما لم يعد أحد يمسك له سماعة الهاتف، بعد تفكك ما تسميه أميركا محور الشر.

لقد ردد الإيرانيون كثيرا شعار "الموت لأميركا"، لكنها لم تمت، فاضطروا في النهاية لإبرام صفقة معها يتوقع مراقبون أن تمد حبل الود بين الجانبين بعد 35 عاما من الجفاء وحتى العداء.

وليست إيران وحدها من طبّعت العلاقات مع "الشيطان الأكبر، فقد أزيلت كوبا من قائمة الدولة الراعية للإرهاب، وأعيد فتح سفارة الولايات في هافانا في حفل مشهود الأسبوع الماضي.

وقبل شهر حلّ رئيس وزراء فيتنام بالبيت الأبيض، واحتفى به الرئيس الأميركي في إشارة إلى تجاوز الجانبين فصولا من الموت والحقد والثأر.

وبعد رحيل هوغو شافيز والقذافي وانشغال بشار الأسد بأمور أكثر إلحاحا من استقبال مكالمات زعيم كوريا الشمالية، يظل مشروعا التساؤل عن طبيعة الجهة التي يتواصل معها الأخير؟

هذا التساؤل يجيب عنه تصفح وكالة أنباء كوريا الشمالية، حيث يتضح أن الزعيم الشاب لا يتصل بالخارج أصلا، فكل أنشطته تخص الشؤون المحلية، ويظهر ملهما ومعلما في كل مناحي الحياة.

تزدحم "صفحة أنشطة الزعيم" بالتدشينات والخطابات ذات الطابع المحلي، بينما صلته بالخارج لا تتجاوز بعث برقيات نادرة لقادة دول ليست فاعلة بقوة على مستوى العالم من قبيل رئيسي رواندا وأوغندا.

ويعكس الانكفاء على الداخل تنامي عزلة نظام بيونغ يانغ وعدم رغبته في تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية ودول الغرب على الأقل في الوقت الراهن، وفق رئيس وحدة التحليلات السياسية بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدكتور مروان قبلان.

إيران لم تعد تقطّب وجهها للأميركيين (أسوشيتد برس)

هذا الصدود الواضح يقابله يأس من الطرف الآخر، حيث ترى واشنطن أن نظام بيونغ يانغ ليس جديرا بالثقة، وبإمكانه نقض التزاماته في أي وقت.

ويقول قبلان إن هناك حالة من عدم الثقة بين الغرب والشطر الشمالي من شبه الجزيرة الكورية، مما يرجح عدم توصل الجانبين لتسوية في الوقت القريب على الأقل.

وانعدام الثقة هذا أساسه أن بيونغ يانغ أخلّت بالتزاماتها في تفاهمات مع أميركا في تسعينيات القرن الماضي، وأعلنت نفسها قوة نووية في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2006.

وهذا اليأس الذي ذهب إليه قبلان يعبر عنه الكثير من الباحثين الغربيين، إذ يرون أن "كوريا الشمالية تمثل قلعة الشمولية الأخيرة والمحصنة على مستوى العالم".

وفي كتاب "كوريا الشمالية.. مرحلة انتقالية" الصادر عن "رومان أند ليتل فيلد نيويورك لندن" في 2013، يقول الباحث تشارلز آرمسترونغ إن بيونغ يانغ تمثل تحديًا للأكاديميين والدبلوماسيين الغربيين بحكم انغلاقها عن محيطها الجغرافي، "وما تقدمه للمنظمات الدولية لا يتجاوز معلومات سطحية غامضة غير مفصلة".

لكن قبلان يرى أن "النظام الحديدي" لن يستطيع الصمود وقتا طويلا في وجه الانفتاح العالمي، خاصة أن هناك تصدعات بداخله تؤكدها حوادث التصفية والإعدام ضمن الدائرة المقربة من الزعيم الشاب.

بيد أن الصدود الكوري والياس الأميركي يقف وراءهما أكثر من عامل في حال مقارنة وضع طهران مع بيونغ يانغ، حيث يرصد الباحثون توفر روافد تغيير في الحالة الأولى دون الثانية.

ففي حين "تحرص إيران على أن تكون شريكا للغرب في القضايا الإقليمية"، لا يتطلع حكام كوريا الشمالية لأكثر من "تجسيد مغامراتهم داخل حدودهم"، والحفاظ على قوة ردع تغل يد واشنطن عن مهاجمتهم، وتُبقي مشاعر الرعب متأججة في الشطر الجنوبي.

كما أن في إيران مجتمعا مدنيا يضيق ذرعا بتداعيات الخصام الأبدي مع الغرب، بينما لا يزال الغموض يحيط بمدى نضج الرأي العام في كوريا الشمالية، حيث تمثل الدولة المصدر الأول للمعلومات، "وما تزال باستطاعتها أن توحي للشارع بأن الفريق الوطني حصد كأس العالم"، حتى لو أقصي في المراحل الأولى.

وبينما دفع الغرب طهران للتنازل عن طموحاتها النووية مقابل رفع العقوبات تدريجيا وإغراءات مادية تشمل الاستثمارات والإفراج عن أرصدة تبلغ عشرات المليارات من الدولارات، لم يقدم لبيونغ يانغ في عام 2005 سوى شحنات من الوقود والغذاء ووعود والتزامات غامضة.

وفي مقال له بالجزيرة نت يقول كريستروفر هل مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق إن الكوريين الشماليين لم يفهموا على الإطلاق ما الذي تم عرضه عليهم آنذاك، "بينما في الحالة الإيرانية توجد أشياء أكثر بكثير على المحك"، ومن شأنها أن تشجع طهران على "التصرف بحكمة أكبر".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة