المؤتمر الإقليمي بالرياض.. هل هو حقا مؤتمر المرتعشين؟   
الأربعاء 1424/2/15 هـ - الموافق 16/4/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

محمد عبد العاطي*

سعود الفيصل

دعت المملكة العربية السعودية على لسان وزير خارجيتها سعود الفيصل الدول المجاورة للعراق إلى اجتماع إقليمي في الرياض يوم الجمعة القادم لبحث ترتيبات الوضع في العراق والمنطقة بعد الحرب.

فهل تعتبر هذه الدعوة بداية لتحرك عربي رسمي طال انتظاره للمشاركة في رسم حاضر ومستقبل المنطقة العربية عموما والعراق على وجه الخصوص وعدم الاكتفاء بدور المتفرج؟ أم أن الوقت قد فات ولم يعد لهذه الأنظمة وزن تستطيع أن تؤثر به في مجريات هذه الأحداث المصيرية التي نشهدها؟

سؤال طرحناه على اثنين من المحللين السياسيين العرب أحدهما سعودي هو عبد العزيز الخميس رئيس تحرير مجلة المجلة السعودية سابقا والآخر مصري هو أحمد الجمال عضو المكتب السياسي في الحزب الناصري فكانت إجاباتهما على النحو التالي:

عبد العزيز الخميس
بداية أستاذ عبد العزيز بحكم كونك كاتبا ومحللا سياسيا سعوديا كيف تقرأ الدعوة السعودية لعقد هذا المؤتمر؟ هل بالفعل سوف تستمع وتتأثر الإدارة الأميركية بهؤلاء المجتمعين لترتيب الأوضاع السياسية في عراق ما بعد صدام حسين؟

هذا الاجتماع أستطيع أن أصفه بأنه اجتماع المرتعشين بفعل النصر الأميركي في العراق. هم يخشون الآن من أن يراهم هذا النسر لقمة سائغة كما حصل في العراق. وكل نظام عربي لديه من الملفات التي يخشى أن يأتي عليه الدور لتفتحها له الولايات المتحدة الأميركية. خذ على سبيل المثال وليس الحصر:

حسب معلوماتنا في المركز السعودي لحقوق الإنسان في لندن أن الأميركيين وجهوا رسالة لحكومة المملكة العربية السعودية أثناء الحرب على العراق تطالب المملكة بمراعاة حقوق الإنسان وبالأخص حقوق المرأة وأكدت الرسالة أن الحكومة الأميركية تراقب عن كثب التطور الذي يحدث في هذا الموضوع.

وبالتالي يتضح لنا من هذه الرسالة أن هناك ضغطا قويا ضد المملكة الأمر نفسه يحدث ضد سوريا من ادعاءات بإنتاجها لأسلحة كيمياوية أو إيوائها لعناصر من الحكومة العراقية السابقة وهناك ضغط آخر على مصر بشأن الأقلية القبطية وحق بناء الكنائس دون الرجوع إلى القانون الذي وضع أيام الأتراك والمعروف بالخط الهمايوني.. إلخ.

فالضغط الذي تتعرض له الدول العربية هذه امتد، كما تلاحظ، ليشمل الحديث عن البيئة الثقافية والحضارية نفسها واحتياجات هذه المجتمعات.. إلخ.

وللأسف من الواضح أن هذه الحكومات سوف تنفذ ما يملى عليها لأنها بعيدة عن شعوبها وبالتالي لن تجد أمامها من حل سوى التجاوب مع الضغوط الأميركية.

ألا ترون، وأنتم في المعارضة، أن هذه الضغوط ربما تصب في مصلحتكم؟

لا بالطبع، فهذا لا يرضينا، نحن لا نرضى أن يكون هناك ضغط خارجي، نحن نريد أن تأتي حقوقنا عبر حوار داخلي أكثر منه ضغط خارجي، ولكن أنظمة المنطقة هي التي سهلت للمستعمر الجديد أن يفرض شروطه عليها، وبالتالي هذا المستعمر الجديد سيأتي تحت دعاوى احترام حقوق الإنسان وإحلال الديمقراطية والقضاء على الأنظمة الفاسدة، وللأسف فإن هذه الأنظمة لم تنتبه إلى هذه الرسائل منذ زمن طويل، ولم تنتبه إلى ضرورة السعي لإصلاح داخلي.

نعود إلى اجتماع الرياض، برأيك إذا كان كما تقول إن هذه الأنظمة التي ستجتمع هناك لا تملك من أمر نفسها شيئا وإنها فقدت القاعدة الشعبية وأصبحت بمفردها تتعرض للضغوط الخارجية فما هو الهدف الحقيقي من اجتماع الرياض هذا؟

هذا الاجتماع الذي سيحدث في الرياض، حسب تقديري، هو اجتماع تشاوري لمعرفة كيف يمكن التخلص أو التخفيف من الضغوط الأميركية، وليس موجه لبحث الوضع الداخلي العراقي بقدر ما هو محاولة للاتفاق على أن ما يحدث يجب حصره على العراق ويجب إقناع الولايات المتحدة أن هذه الدول حالات مختلفة عن العراق. هذا الاجتماع لن يقدم أو يؤخر في مسألة ترتيب الوضع في العراق.

لو كنت أحد هؤلاء المدعوين إلى اجتماع الرياض ما الذي كنت ستقترحه على غيرك من المسؤولين العرب للتخلص من الضغوط الأميركية؟

والله لقد فات الوقت، لقد كان أمام هذه الأنظمة أكثر من خمسين عاما لكي تقيم فيها عقدا اجتماعيا يريح هذا المجتمع العربي ويؤمن سلامة الأنظمة والمجتمع بشكل عام، ولكن هذه الأنظمة بدلا من أن تكون في خدمة المجتمع جعلت المجتمع في خدمتها، وآن الأوان لكي تدفع هذه الأنظمة فاتورة خمسين عاما من الظلم.

ألا تعتقد أن الأنظمة العربية هذه قد وعت الدرس من العراق وربما تشهد الأشهر المقبلة بدايات جادة للتغيير نحو تداول السلطة والمشاركة الشعبية؟

لا أعتقد أن هناك سعيا جادا من هذه الأنظمة نحو القضاء على انتهاك حقوق الإنسان والسماح بالمشاركة السياسية وتداول السلطة.

إذن معنى كلامك أن الأمل في التغيير على يد هذه الأنظمة قد فقد تماما ولم يبق في الساحة إلا الشعوب فهل هذه الشعوب قادرة بعد كل سنين الكبت والقهر التي عاشتها على أن تأخذ بزمام المبادرة وتقوم هي بعملية تغيير جاد يقي المنطقة شرور التدخلات الأجنبية التي بدأت بصورتها السافرة في العراق ولا يعلم أحد متى ولا أين ستتوقف؟

لا أعتقد أن النخب السياسية المعارضة الموجودة في مجتمعاتنا العربية حاليا مؤهلة لذلك للأسف الشديد. فهذه المعارضة هي نفسها تمارس القمع في داخلها، إنهم يسبحون بحمد رئيس الحزب هذا أو ذاك وهذه الأحزاب أو الجماعات تمارس القمع في داخلها، لذلك أعتقد، بعد أن قامت أنظمتنا العربية بقمع المواطن العربي وصادرت المجتمع المدني، أنه لا يوجد عندنا الآن مجتمع مدني قادر على أخذ زمام المبادرة، ولذا يؤسفني أن أقول إنه ربما نعيش بهذه الحالة عشرات السنين إلى أن يبدأ الجسد العربي في التعافي مرة أخرى.

أحمد الجمال
أستاذ أحمد الجمال هل أنت مع هذه النظرة التي ربما يعتبرها البعض موغلة في التشاؤم؟


بالفعل النظم العربية الآن مرتبكة ارتباكا شديدا. ولن يكون مؤتمر الرياض هذا هو البداية أو البوصلة كما تقول. فالبوصلة هي الدولة العبرية. ترتيب المنطقة الآن يتم، وكما قلنا من قبل في كتاباتنا، وفق الأمن الصهيوني والرؤية الأميركية.

وكان معلوما أن العراق، مهما كان رأينا في نظامه، هو البداية لأنه لم يكن طيعا في الترتيبة الشرق أوسطية ولأن لديه موارد كبيرة.

هذا كله معروف وتم الحديث عنه مرارا وتكرارا ولا نريد أن نجلس نندب حظنا ونجتر أحزاننا. الآن برأيك كيف تكون بداية وقف هذا الانهيار الذي تتحدث أنت والأستاذ الخميس عنه؟

نحن في سياق تاريخي متصل لم يبدأ الآن ولن ينتهي الآن، أنا لا أعترف بموضوع البدايات والنهايات في موضوع السياق التاريخي، يوجد في السياق التاريخي دورات تاريخية، وفيه خطوط بيانية متصاعدة وهابطة، ونحن الآن نعيش فترة هبوط في خطنا البياني، نظم متهالكة فرطت في كل شيء، وقد كان ذلك موجودا في فترات تاريخية كثيرة سابقة. والقضية هي كيف نراكم فعلا مقاوما حقيقيا يبدأ بالحفاظ على بنيتنا الحضارية والثقافية.

سيدي. ألا ترى أنه من الأجدى بدلا من هذا الحديث المكرر عن وصف ما نعانيه، ونحن أمة بارعة في الوصف، أن نتساءل: من الذي يقوم بهذا الفعل المقاوم ويحافظ على بنيتنا الحضارية والثقافية؟ وكيف يتم ذلك؟

أنت لا تستطيع أن تضع نفسك فوق الظواهر، أنت جزء من المعادلة، ونحن لسنا شطارا في الوصف كما تقول وأنا أرفض هذا التعبير، وأنا كتبت بعدد شعر رأس كثيرين في ما هو الحل وما هو المخرج. والمخرج هو أن تظل القوى الحية لهذه الأمة قابضة على جمر خصوصيتها.

أين هي هذه القوى؟ أقولها وفي القلب حسرة وفي الحلق مرارة من مشاهد الغوغاء في كبيرات المدن العراقية وهم يسرقون وينهبون؟

إذا لم تكن تدري أين هذه القوى فتعال إلى هنا، أجلس في حواري القاهرة وشوارعها وحواري موريتانيا وحواري كل الأمة العربية وشوارعها فستجد أن هناك قوى حية ابتداء من الذين لا يملكون قوتهم ومع ذلك خرجوا لكي يتطوعوا راغبين في الجهاد دفاعا عن الشعب العراقي وليس كمثل القابضين على جمر أفكارهم ابتداء من أمير قطر الذي تعيش في ظله إلى حسني مبارك الذي أعيش هنا معه إلى أي مكان آخر.

أما التعالي فوق الظواهر وإعدام الأمة بهذا الشكل فأنا أرفض الاستمرار في الحديث في هذا الموضوع، وأن الوقت لم يعد وقت مفتشي عموم النظام العربي، لا أنت ولا غيرك ولا أنا أيضا نستطيع أن نقول إن الأمة قد ماتت وقد انتهت.

المطلوب أميركيا هو أمة عربية بدون خصوصية حضارية أو خصوصية عقيدية إسلامية أومسيحية وبدون بنية علمية. لذا لابد في المقابل من المجتمع المدني العربي والحضاري والثقافي أن يتحرك من أجل بنية حضارية وثقافية حقيقية، وأن تتحرك كل الأحزاب وجمعيات العمل الأهلي والمجتمع المدني، كل يقوم بدوره في مجاله، لأنه، كما كنا نقول منذ آماد بعيدة، أنه ليس صراعنا مع الأميركان والصهانية صراع حدود ولكنه صراع وجود.

سيدي الأمر لا يحتاج إلى كل هذا الانفعال ولا إلى كل هذا الصوت المرتفع، نحن نحاول بهدوء أن نبحث في هذا الجسد العربي المريض عن مناطق صحة ونفكر كيف نعظمها؟

لابد أن نشخص أولا وقد شخصنا تماما وتوصلنا إلى أن المستهدف هو حضارتنا وخصوصيتنا الثقافية وبنيتنا التعليمية والفكرية، والآن أصبحنا نعرف من هم أعداؤنا ومن هم أصدقاؤنا. أعداؤنا ليسوا فقط هم الصهانية والأميركان والبريطانيين ولكن أعداءنا هم من يقيمون بين ظهرانينا ويبشروننا بأننا أمة قد ماتت وأن نسلم لبلير وفرانكس وبوش، نحن أمة لم تمت وسوف تقاوم.
_______________
قسم البحوث والدراسات - الجزيرة نت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة