معركة الشرف العسكري.. ميسلون   
الأربعاء 27/11/1434 هـ - الموافق 2/10/2013 م (آخر تحديث) الساعة 1:47 (مكة المكرمة)، 22:47 (غرينتش)
أحمد الجنابي
تتناول الحلقة الـ56 من سلسلة بالهجري حدثا وقع في مثل شهر ذي القعدة الجاري حسب التقويم الهجري، وهو معركة ميسلون بين الجيش العربي السوري وجيش الاحتلال الفرنسي عام 1338 للهجرة (1920 للميلاد).

كانت سوريا قد أصبحت من نصيب فرنسا ضمن اتفاقية سايكس بيكو التي انتزعت البلاد العربية من الدولة العثمانية، وقسمتها بين الفائزين في الحرب العالمية الأولى بريطانيا وفرنسا. وحاول فيصل بن الحسين تنصيب نفسه ملكا على كامل بلاد الشام التاريخية التي تضم سوريا ولبنان وفلسطين ومنطقة شرقي نهر الأردن التي أصبحت إمارة شرق الأردن وبعد ذلك المملكة الأردنية الهاشمية.

ورغم أن فيصل كان مدعوما من بريطانيا، إلا أن طموحه تقاطع مع ما اتفقت عليه بريطانيا وفرنسا، بالإضافة الى أن القوى الاستعمارية في تلك الفترة كانت تتبع سياسة تفتيت المناطق العربية إلى بلدان صغيرة قدر الإمكان.

أعلن الملك فيصل نفسه ملكا على بلاد الشام التي تدعى في القاموس السياسي الغربي Greater Syria أي سوريا الكبرى، وكان ذلك قبيل وصول القوات الفرنسية الغازية، وجاء إعلانه ليجعل سوريا أول دولة عربية مستقلة تؤسس على الطراز الحديث للدول. إلا أن ملكه ودولته لم تدم سوى أربعة أشهر ووقعت البلاد تحت الاحتلال الفرنسي، إثر خسارة الجيش العربي السوري معركة ميسلون للدفاع عن دمشق.

تاريخيا، اقترن اسم هذه المعركة باسم يوسف العظمة وزير الحربية (الدفاع) في حكومة الملك فيصل، وهذا الربط أساسه هو خروج العظمة ومن معه لقتال الفرنسيين رغم معرفتهم بأنهم أقل عدة وعددا من الجيش الغازي.

ورغم أن المنطق يقول لنا إنه من غير المجدي أن يخرج جيش ضعيف التجهيز لقتال جيش غازي أحسن منه تجهيزا ويبلغ تعداده الضعف، إلا أن العظمة العسكري المتمرس الذي تخرج في الكلية الحربية بإسطنبول كان له رأي آخر يستند إلى القيم العسكرية والاجتماعية وذا نظرة مستقبلية.

الجنرال غورو وقف أمام قبر صلاح الدين الأيوبي وقال "ها نحن عدنا يا صلاح الدين" (الجزيرة)

شاهد فيديو الحلقة على يوتيوب

حاول بكل الوسائل ثني الملك فيصل عن الاستجابة لتهديد الفرنسيين بحل الجيش العربي السوري، وبعد أن يئس من تغيير الملك لرأيه أنشد عليه بيت الشعر الشهير للمتنبي: "لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدمُ"، وأخذ من معه من المتطوعين وخرج لمواجهة الجيش الفرنسي القادم لاحتلال دمشق عاصمة الدولة.

أراد العظمة بخروجه أن يحفظ لتاريخ سوريا العسكري هيبته ووقاره، فقد كان يخشى أن يسجل في كتب التاريخ أن الجيش السوري قعد عن القتال ودخل المحتل عاصمته دون مقاومة. كما أراد أن يسجل موقفا أمام الشعب السوري نفسه بأن جيشه حمل لواء المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي منذ اللحظة الأولى, وإن ذلك سيكون نبراسا للشعب السوري في مقاومته للمحتل، فقد كان يدرك أن من يهن يسهل الهوان عليه، وهوان الجيش قد تكون له عواقب وخيمة على البلاد ومستقبل المقاومة. 

دخل الفرنسيون دمشق في اليوم التالي لخسارة الجيش العربي السوري معركة ميسلون، وحرص قائد الجيوش الفرنسية الجنرال هنري غورو على زيارة قبر القائد الكردي المسلم صلاح الدين الأيوبي الذي أذاق الفرنسيين والصليبيين ألوان الهزيمة في الحروب الصليبية، ووقف أمام ضريحه وقال "ها نحن عدنا يا صلاح الدين".

ورغم دخول الفرنسيين دمشق، فإن إقامتهم فيها لم تكن هانئة، فقد شن الدمشقيون والسوريون من خلفهم حملة مقاومة سطرت فيها أروع ملاحم العز والكرامة، واستمرت لسنين دون هوادة بلغت ذروتها بعد خمس سنين من دخول الفرنسيين، حيث قاموا بقصف دمشق بالمدفعية والطائرات الحربية وسقط عدد كبير من الشهداء المدنيين في واحدة من جرائم الحرب في العصر الحديث.

وتحت وطأة المقاومة المستمرة عمد الفرنسيون إلى خطة ماكرة لتطوير دمشق أرادوا من خلالها شراء ذمة الدمشقيين وإقناعهم بأنهم أتوا للنهضة بالبلاد، ومن جهة أخرى ضرب المقاومين. أقام الفرنسيون خطة تطوير عمراني حول دمشق، استخدموا فيها المعمار الحديث الذي حلّ محل القيم المعمارية الشامية التراثية، ونفذت هذه الخطة العمرانية على شكل حزام دائري يفصل العاصمة عن غوطة دمشق التي كانت منطلقا لأعمال المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي.

وفي هذه الأثناء اشتد الحراك السياسي في سوريا، وكانت منطلقا وقاعدة مهمة من قواعد التحرر من الاحتلال في العالم العربي، وبرزت على الساحة السورية كل ألوان الطيف السياسي من اليسار إلى اليمين، وأصبح العمل ضد الاحتلال الفرنسي عسكريا وسياسيا.

استمر النضال السوري نحو الاستقلال حوالي 26 عاما حتى عادت دمشق عاصمة لدولة مستقلة ذات سيادة عام 1365 للهجرة (1946 للميلاد).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة