"خذ هذا الخاتم" أمجد ناصر.. الأساطير والذاكرة   
الجمعة 1436/1/14 هـ - الموافق 7/11/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:32 (مكة المكرمة)، 13:32 (غرينتش)

هيثم حسين

يمتح الأردني أمجد ناصر -في كتابه "خذ هذا الخاتم"- من ذاكرة البداوة والبراءة والبساطة، ذاكرة الطفل الباحث عن مهوى فؤاده، ومرابع صباه، عن حبه الأول وشغفه المستعر برغم سنوات البعد والغياب.

يكتب محاولاً التغلب على الغربة والمنفى، مانحاً السلطة للخيال، حيث لا وسيلة لتحدي الزمن إلا بممارسة نوع من التحايل الأدبي، لتكون لعبة الذاكرة والخيال، معبراً إلى الأحلام المجهضة.

ولعل عدم تصنيف الشاعر أمجد ناصر كتابه -الذي نشرته دار الآداب ببيروت حديثاً- بجنس أدبي معيّن، بعث على العديد من تساؤلات لا تنتنهي حتى بعد قراءته كله.

ذلك أن الكتاب نص منفتح على الأجناس الأدبية، جامع لها، فالمتون الحكائيّة متناثرة بين الفصول، وتفاصيل تبدو بحثيّة، سواء لغوية أو تاريخيّة، وذلك كلّه مع طغيان اللغة الشعريّة، وتخللها كلّ فصوله.

مسبار آثاري
يستعين ناصر بمسبار الآثاري في التنقيب في أمكنته التي يتغلغل بين ثناياها، يحفر في طبقاتها، مدفوعاً بالحنين تارة، وباليقين تارة أخرى. ينبش في ذاكرة الصحراء التي تتبدّى كفردوس مفقود منشود، حيث تمثّل الصحراء بأجوائها وعوالمها فضاءاته التي ينطلق فيها.

تتداخل جوانب من السيرة الذاتية مع سيرة الأمكنة، يصور الكاتبُ الأم الواقفة في فناء دارها بلهجتها البدوية المميزة، يستعيد بقايا صور أصدقاء راحلين في معمعة الانشغالات والانتقالات بين مدينة وأخرى باحثين عن ذواتهم، لتمثل الرحلة ديدن الشخصيات المستحضرة، سواء من الشرق أو الغرب.

ولا يكتفي الكاتب بالارتحال في حقب زمنية، بل يعيد التذكير برحلات قام بها بعضهم سواء كان ذلك من باب المغامرة أو الاكتشاف، أو من باب الطمع والسلطة.

يستهل ناصر كتابه ببداية ملحمية، فيها أبعاد مؤسطرة وواقعية، إذ يشتري خاتماً مميزاً، من بائعة جوالة تخبره أنّه "استفتاح كريم: خذه ولن تندم".

يمكن توصيف النص أنه يسير في منحيين ومدفوع بهما، المنحى الأول هو الوفاء للذاكرة والأم والصحراء والأصدقاء والأهل والذات

يعمل بنصيحة البائعة يأخذ الخاتم، ليصبح معبراً إلى الحلم والماضي والخيال، ورابطاً بين الأمس واليوم. ينثر خاتمه المتخيل خواتم شعرية واقعية، يتبدى كل فصل بمثابة فص من فصوص الخاتم الذي يفتح صندوق الذاكرة والحكايات.

يمكن توصيف النص أنه يسير في منحيين ومدفوع بهما، المنحى الأول هو الوفاء للذاكرة والأم والصحراء والأصدقاء والأهل والذات، وفاء الشاعر لبيئته التي كونته وبلورت شخصيته وأطلقته في رحلته نحو مستقبله.

والمنحى الثاني فتنة الأدب وغواية الشعر، ويكون بدوره غاية ووسيلة معاً، يحضر التجريب على أكثر من مستوى، سواء اللغوي عبر تداخل الضمائر والساردين، وانعكاس الشخصيات أو الحكائي الغرائبي من خلال تمازج القصص وانفلاتها من قيود البدايات والنهايات.

من الشخصيات الحاضرة في الكتاب "الأم، الأخ أحمد، ابن العم ذيب، طارق، الشاعر الصيني المنفي ليان، الروائي الفرنسي لولكليزيو، الشاعر والروائي النمساوي راؤول شروت، السويسري الحالم باكتشاف مجاهل أفريقيا، والذي نسب نفسه إلى حلب واختار لنفسه اسم "إبراهيم بن عبد الله" من باب التقية، وهناك الآثاري اللغز إكس، وبائعة الخواتم بظلّها الذي لا يغيب، وغيرهم".

معاقل الأمل
يسعى ناصر إلى التقاط تلك اللحظات التي تبدو فالتة من سياق الزمن، هاربة من إمكانية القبض عليها، ويتجلى الإغواء والإغراء في مقاربتها ورصدها واستعادتها تخييلاً، وكأنّ التخييل آخر معاقل الأمل، يقوم بتثويره ليروي افتتانه بالأزمنة والأمكنة، واللغة الشعريّة المتدفّقة كصور من أخيلة متتالية.

يتتبع الماورائيات أحياناً، يفكك الكلمات ويحفر في طياتها وطبقاتها، من ذلك مثلاً شرحه وتفسيره وتحليله لكلمة "ثفال" ومحافظتها على معانيها من قرون برغم تبدّل الأزمنة، وهي الكلمة التي تحتوي روح الصحراء والشعر معاً.

حزن شفيف يسم اللغة بين مقطع وآخر، يسرّ الشاعر لنفسه بمعرفته أنّ اللغة تتغير، يصفها بأنّها "الأفعى التي تبدّل جلدها، أو الحرباء التي ترتدي ألواناً وبراقع".

يبحث في ذاكرته عن سوسنته السوداء، تلك الزهرة الصحراوية التي تمتاز بكأسها الكبيرة نسبياً، وملمسها المخملي والحبر الذي تذرفه إن فتحت صندوقها. ويقارب الرمل الذي يحتضن ذاكرة الصحراء، والطبيعة التي تبدو متحفاً مفتوحاً.

تصف الناقدة خالدة سعيد -في كتابتها الملحقة بالكتاب- النص بأنه "ساحر، ومحيّر بما يسمه الزوغان والتداخل بين الرؤى الشعرية والقيم الحكائية، بين الذكريات الشخصية والإضاءات التاريخية، أو أنّها حكائية شعرية، رغم مراجعها المعيشة".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة