العراق في مأزق بعد تحول المفتشين إلى لغة التهديد   
الأربعاء 1423/11/12 هـ - الموافق 15/1/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)
البرادعي وإلى يساره إيفانوف أثناء مؤتمر صحفي في موسكو

بين مطرقة الحشود العسكرية الأميركية والبريطانية وسندان عمليات التفتيش عن الأسلحة يواجه العراق شبح حرب أصبحت في حكم المؤكدة مع جهود إقليمية تجري على استحياء لمنعها.

بوش يدلي بتصريحات أمس بشأن العراق
واشنطن بدأت في تسريع وتيرة الحشد العسكري لقواتها البرية والبحرية والجوية للوصول بها إلى درجة الاستعداد للحرب منتصف الشهر المقبل بمشاركة حوالي 150 ألف جندي. أما الرئيس الأميركي جورج بوش فقد صرح أن الموقف الحالي أصابه بالملل وأن الوقت أمام الرئيس العراقي صدام حسين أصبح ضيقا لتفادي الحرب بنزع أسلحته.

غير أن لهجة التهديد وتوجيه الاتهامات إلى العراق لم تعد قاصرة على واشنطن ولندن بل بدأت تظهر في تصريحات كبار المسؤولين عن عمليات التفتيش. فقبل أيام من زيارته إلى بغداد اتهم رئيس لجنة التفتيش هانز بليكس العراق أمس بإخفاء معلومات عن برامجه للتسلح وانتهاك قرارات الأمم المتحدة بتهريب مواد ذات صلة بهذه البرامج. كما تحدث بليكس مجددا عما أسماه الثغرات في تقرير التسلح العراقي مؤكدا أن محادثاته ببغداد ستركز على هذه المسألة.

مؤتمر صحفي مشترك بين بليكس والبرادعي(أرشيف)
وانضم إلى هذا الموقف مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي الذي حث العراق أثناء زيارته إلى موسكو على تقديم مزيد من الأدلة التي تثبت أنه لا يملك أسلحة دمار شامل، ودعا مجددا بغداد إلى ما يسميه بالتعاون الإيجابي مع مفتشي الأسلحة الدوليين مؤكدا أنه سيطالب العراقيين بتغيير أسلوب التعاون السلبي والذي سبق أن وصفه بأنه مجرد فتح للأبواب.

هذه اللهجة في تصريحات المفتشين تزايدت في الآونة الأخيرة إثر فشل المفتشين في العثور على أسلحة محظورة أو أدلة تثبت حيازة العراق لها، وذلك بعد شهر ونصف من عمليات تفتيش موسعة في أنحاء العراق امتدت إلى القصر الجمهوري ببغداد.

ولكن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان سارع إلى تأكيد أن مفتشي الأسلحة في العراق يحتاجون إلى وقت أطول قبل أن يبحث مجلس الأمن أي عمل عسكري ضد بغداد، وهي وجهة النظر التي يقر بها بليكس والبرادعي اللذان قالا بوضوح إن عمل المفتشين لن يكتمل بحلول 27 يناير/ كانون الثاني الجاري وهو الموعد الذي يتعين عنده تقديم التقرير المرحلي الأول لنتائج عمليات التفتيش للمجلس.

جهود إقليمية
حسني مبارك
ويبدو أن الدول العربية استشعرت خطورة الموقف لأن التعاون العراقي مع المفتشين ليس كافيا الآن لتجنب الحرب. ولهذا تقود مصر والسعودية وسوريا تحركات واتصالات مكثفة تبحث مقترحات لتسوية الأزمة بالتعاون مع تركيا التي قام رئيس وزرائها مؤخرا بجولة في المنطقة بحثا عن الحل السلمي.

الرئيس المصري حسني مبارك أكد عقب محادثات مع القيادة السعودية بالرياض أن هذه الجهود الإقليمية تسعى للتوصل إلى صيغة تقبلها جميع الأطراف بعيدا عن استخدام القوة، إلا أن مبارك يتمسك بضرورة استطلاع الموقفين العراقي والأميركي دائما لضمان نجاح هذه الجهود.

محادثات مبارك جاءت عقب إعلان ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز أن المملكة تقدمت بمقترحات إلى الدول العربية الأخرى لم يفصح عنها من أجل حل الأزمة العراقية، إذ ترى الرياض أنه يتعين السعي لإيجاد حل دبلوماسي حتى إذا وافقت الأمم المتحدة على القيام بعمل عسكري ضد بغداد.

إيران من جهتها أعلنت أنها لا تقف إلى جانب العراق، وقال وزير خارجيتها كمال خرازي أمام البرلمان إن طهران تحاول من خلال مشاورات مع دول أخرى وممارسة ضغوط على بغداد تدفعها إلى التعاون بشكل كامل مع الأمم المتحدة لتجنب حرب مأساوية.

أوروبا تتمسك بالدبلوماسية
جاك شيراك وغيرهارد شرودر
الموقف الأوروبي -باستثناء بريطانيا طبعا- جاء متفقا على ضرورة استنفاد جميع الوسائل الدبلوماسية لتسوية الأزمة، إلا أنه تباين بين إصرار ألماني شديد على عدم المشاركة في أي عمل عسكري،
واستعدادات فرنسية وإيطالية لكل الاحتمالات ومن بينها التدخل العسكري.

كما ثار الجدل الأوروبي بشأن ضرورة صدور قرار من مجلس الأمن قبل شن الحرب على العراق، فألمانيا ترى أنه في حال عدم التزام بغداد بقرار مجلس الأمن رقم 1441 يجب استصدار قرار جديد، في حين أعلن وزير الخارجية البريطاني جاك سترو أمس أن بلاده تحتفظ لنفسها بحق ضرب العراق دون الحاجة إلى قرار جديد.

أما روسيا فتصر على أن لجوء واشنطن تلقائيا للقوة عمل غير مبرر، وحرصت من جانبها على مشاركة فعالة في جهود التوصل إلى حل سلمي بإيفاد مبعوث إلى بغداد. وترى الدول الأوروبية أيضا أن الحشود العسكرية ليست بالضرورة لشن الحرب بل تمثل وسيلة ضغط على نظام الرئيس صدام حسين.

ورغم هذه المواقف والجهود فإنه يمكننا القول إن منع الحرب ليس مرتبطا بالإرادة العربية والدولية بقدر ارتباطه بتقرير لجان التفتيش الدولية عن الأسلحة واقتناع واشنطن ولندن بأن العراق يتعاون بالفعل معها، وإلا فالبديل الوحيد والأقرب حاليا هو الحرب بكل ما تعنيه من كوارث للعراق وتهديد بعدم استقرار قد يصل إلى درجة الفوضى في المنطقة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة