بنكيران.. من دهاليز السرية إلى رئاسة الحكومة   
الجمعة 1437/12/29 هـ - الموافق 30/9/2016 م (آخر تحديث) الساعة 19:07 (مكة المكرمة)، 16:07 (غرينتش)
الجزيرة نت-الدوحة

وسط أسرة صوفية أصلها من مدينة فاس (وسط المغرب) تشتغل بالتجارة، ولد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي ورئيس الحكومة عبد الإله بنكيران عام 1954 في حي شعبي بالعاصمة الرباط.

بدأ اهتمامه بالسياسة منذ صغره بتأثير من والدته التي كانت تحضر اجتماعات حزب الاستقلال، واستمر ذلك التأثير إلى اليوم، كما يقول هو نفسه ويعتز به ويصرح به في أكثر من مرة.

ورغم انتقاله من شبيبة حزب الاستقلال إلى شبيبة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أيام كان تلميذا، فإن المرجعية اليسارية لهذا الحزب لم تؤثر على ميله الأكبر نحو المحافظة والتدين بفعل تأثره بصوفية والده، وانتهى به المطاف في منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى الانخراط في تنظيم "الشبيبة الإسلامية"، وبات أحد رموزه.

عرّضت مواقف متعددة لرئيس التنظيم عبد الكريم مطيع تجاه الدولة والنظام الملكي الكثير من الشباب للاعتقال، منهم عبد الإله بنكيران وعبد الله بها وسعد الدين العثماني، الأمر الذي جعلهم يقومون بانتقادات ومراجعات لمنهج التنظيم ومواقفه وتصوراته.

بين السياسي والدعوي
كان لبنكيران دور رائد في هذه المراجعات بسبب ما يسميها بعض المقربين منه "جرأته على التفكير بصوت عال"، الأمر الذي جر عليه اتهامات كثيرة بـ"العمالة للسلطة" و"تدجين المشروع الدعوي"، لكنه لم يعبأ بذلك وقاد تيارا انتهى بإعلان القطيعة والانفصال عن "الشبيبة الإسلامية" وتأسيس "جمعية الجماعة الإسلامية" عام 1981.

بنكيران يخاطب أعضاء حزبه في حملته الانتخابية (الأوروبية)

لعب الرجل بمعية رفيق دربه وصديقه الحميم عبد الله بها (كان وزيرا في حكومة بنكيران وتوفي عام 2014) دورا كبيرا في نقل جزء كبير من أبناء الحركة الإسلامية المغربية إلى تطليق العمل السري والانخراط في العمل من داخل المؤسسات وفي إطار القانون والاعتراف بثوابت الدولة المغربية.

وفي إطار المراجعات المستمرة للتصورات والتوجهات، غيرت الحركة -التي أسسها بنكيران ورفاق دربه- اسمها عام 1992 فأصبحت حركة الإصلاح والتجديد، وذلك بعد أن بدأت الاتهامات توجه للاسم القديم (جمعية الجماعة الإسلامية) بأنه احتكار للإسلام و"لجماعة المسلمين"، ثم في صيف العام 1996 اندمجت حركة الإصلاح والتجديد مع حركة إسلامية أخرى كانت تدعى "رابطة المستقبل الإسلامي" فكونتا حركة التوحيد والإصلاح.

اهتمام بنكيران بالدعوي والتربوي لم يؤثر على حسه واهتمامه بالشأن الإعلامي أيضا، حيث عمل مدير نشر لكل من صحف الإصلاح والراية والتجديد.

كما سعى مع قيادات أخرى من حركته ومن خارجها لتأسيس حزب التجديد الوطني عام 1992، لكن السلطة رفضت منحه الترخيص القانوني، وحاول مؤسسوه الاندماج في حزب الاستقلال، لكن دون جدوى.

وبقيادة بنكيران، تم الاتصال بالأمين العام لحزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية الدكتور الراحل عبد الكريم الخطيب، وهو رجل محافظ من قيادات المقاومة المغربية ضد الاستعمار ورئيس أول برلمان في المغرب، وحصل التوافق عام 1996 على انخرط أبناء حركة التوحيد والإصلاح الراغبين في العمل السياسي في الحزب، الذي غير اسمه عام 1998 إلى حزب العدالة والتنمية.

واصل الرجل بشخصيته القوية تأثيره داخل الحزب، وساهم في كثير من مواقفه وفي معالجة كثير من الأزمات التي واجهته، وحظي بثقة مواطني مدينة سلا فاختاروه نائبا للبرلمان منذ 1997 وجددوا فيه الثقة في كل الانتخابات البرلمانية التي جرت بعد ذلك، وهو اليوم مرشح في الدائرة الانتخابية نفسها.

نفس جديد
عرف بأنه رجل يفضل البعد عن الصراع وشد الحبل مع الدولة وأنه يميل للتوافق، لكن بعد انتخابه أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية عام 2008 وولادة حزب الأصالة والمعاصرة (الذي يوصف بأنه حزب مدعوم من جهات في السلطة)، واجه الحزب الجديد بانتقادات شديدة واتهم مؤسسيه بالسعي للتحكم في المشهد السياسي وتطويعه لخدمة مصالح فئات متنفذة في الدولة.

أنصار حزب العدالة والتنمية المغربي أثناء أحد المهرجانات في الحملة الانتخابية (الأوروبية)

وفي وقت كانت أحاديث الصالونات السياسية آنذاك تتوقع هيمنة الحزب الجديد على الانتخابات التشريعية التي كان مقررا أن تجري في 2012، هبت رياح ما وصف بالربيع العربي وخرج شباب حركة "20 فبراير" للشارع للمطالبة بمحاربة الفساد والاستبداد.

استجاب الملك محمد السادس لعدد من المطالب التي كانت ترفعها الحركة وتنادي بها الهيئات السياسية والحقوقية، وأقر تعديلات دستورية في مارس/آذار 2011، وهو ما خلق نفسا سياسيا جديدا في البلاد انتهى بإجراء انتخابات تشريعية مبكرة أعطت المرتبة الأولى لحزب العدالة والتنمية بحصوله على 107 مقاعد، وهو أعلى عدد يحصل عليه حزب في تاريخ المغرب، فعين محمد السادس بنكيران رئيسا للحكومة في نوفمبر/تشرين الثاني 2011.

وقاد بنكيران حكومة مشكلة من أربعة أحزاب مختلفة المشارب السياسية والأيديولوجية، واعتبر أن "المغرب سيتقدم بمنطق التعاون والتشارك وليس بمنطق الصراع والنزاع"، ولذلك لم يعبأ بالانتقادات اليسارية له بالتخلي عن صلاحياته الدستورية لصالح الملك، ويقول إنه "جاء ليخدم بلده بالتعاون مع الملك ولم يأت للتنازع معه"، كما يؤكد أنه "غلّب منطق الواقع وتفاعلاته وإكراهاته على منطق النصوص ومثاليتها".

يشهد له كثيرون -موالون ومعارضون- بأنه صالح المغاربة مع السياسة بلغته البسيطة والتلقائية المفهومة للمثقف في الجامعة والعامل في المصنع وللشاب والمسن.

واتخذ بنكيران قرارات صعبة وصفت بأنها "لاشعبية" كالزيادة في أسعار البنزين، كما حققت حكومته إنجازات عديدة، خاصة في الملفين الاجتماعي والاقتصادي، لكنها فشلت -حسب متابعين- في تحقيق تقدم في ملفات أخرى كمحاربة الفساد والتصدي للبطالة وإصلاح التعليم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة