مسار الرواية السودانية في ندوة بالخرطوم   
الخميس 14/4/1435 هـ - الموافق 13/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:51 (مكة المكرمة)، 9:51 (غرينتش)
المنصة الرئيسية (من اليمين) نادر السماني والبرفيسور محمد المهدي بشرى والبروفيسور عبد الله حمدنا الله
(الجزيرة)

الخرطوم-عثمان شنقر

"ما نُشر من روايات خلال الألفية الجديدة، يفوق ما تم نشره خلال القرن العشرين كله". بهذه الجملة الموجزة -التي وردت في بيبلوغرافيا عن الرواية السودانية- والتي كتبها الناقد نبيل غالي قبل سنوات دون أن تجد حظها من النشر، يمكننا الولوج عبر بوابة الأدب السردي في السودان، والتعرُّف على ملامحه وسماته المائزة.

ويبدو أن الندوة التي قدمها الناقد الباحث محمد المهدي بشرى -باتحاد الكُتَّاب السودانيين يوم الثلاثاء الماضي- كانت خير معين لتلمُّس "معالم في تاريخ ونشأة وتطور الرواية السودانية" عبر كافة المراحل التي مرت بها، ابتداء من بدايات القرن الماضي، وحتى اللحظة التاريخية الراهنة.

ابتدر البروفيسور بشرى حديثه في مستهل الندوة التي أمَّها حضور نوعي، بإقرار حقيقة مؤكدة سلفاً تُشير إلى أن الثقافة السودانية ثقافة شعرية، والمزاج السوداني نفسه يغلب عليه الشعر منذ أيام دولة الفونج أو ما عُرف بمملكة سنار الإسلامية (1504-1821م). 

بشرى (يسار): الشعر هيمن بسبب الذهنية الصوفية لدى السودانيين (الجزيرة)

ويرى بشرى أن الشعر ظل العنصر الغالب أو المهيمن على الثقافة بلغة الناقد الروسي رومان جاكبسون. ويقول إن التعليم الحديث والحياة المدنية أتاحا فيما بعد محاولات وإرهاصات لأجناس إبداعية أخرى مثل الرواية.

ويرى أن السبب الذي جعل الشعر "عُنصراً مُهيمناً" على الثقافة السودانية هو سيطرة الذهنية الصوفية على الثقافة السودانية، والتي جعلت السودانيين أميل للشعر دون الأجناس الأخرى، مُشيراً إلى أن كل الدراسات النقدية اهتمت بالشعر بصورة طريفة، حتى أن بعض الدارسين  خلط بينه وبين الأدب السوداني.

وأكد بشرى أن الانحياز للشعر شكَّل ظاهرة في الثقافة السودانية حاول القاص والمترجم السوداني بروفيسور علي المك تفسيرها ودراستها في كتابه "مختارات من الأدب السوداني"، وهي سيطرة نوعية وكمية وفي طريقة التفكير نفسه.

مساهمات خارج المسار
انتقل المتحدث إلى مرحلة البدايات في الرواية السودانية، ونوَّه بالكتابات الباكرة للكاتب الراحل معاوية محمد نور التي ظهرت في ثلاثينيات القرن المنصرم، إلا أنه أوضح أن هذه الكتابات القصصية والنقدية رغم أساسها الرصين فإنها منبتة عن تيار ومسار الإبداع السوداني بسبب نشرها في مصر بعيداً عن موطنها الأساسي.

وفي سياق حديث بدايات الرواية، اعتبر بشرى أن رواية "إنهم بشر" للروائي الراحل خليل عبد الله الحاج هي البداية الحقيقية للرواية السودانية، وقد تأثرت بالمدرسة الواقعية، مقارنا إياها بأعمال الأديب العالمي نجيب محفوظ، خاصة روايتيه: "بين القصرين" و"زقاق المدق". وقال إنها رواية مكتملة نجح مؤلفها في كتابة رواية تحمل المقاييس والمعايير الفنية للعمل الروائي.

وأشار بشرى إلى رواية " الفراغ العريض" للكاتبة ملكة الدار محمد باعتبارها من روايات البدايات، وقال إنها كُتبت في منتصف الأربعينيات إلا أنها نُشرت في وقت متأخر.

معمار صارم متماسك
في ستينيات القرن الماضي، برزت روايات وتجارب سردية مهمة وضعت الرواية السودانية في مسارها الصحيح، من هذه التجارب يشير المتحدث إلى بدايات الروائي إبراهيم إسحق في "حدث في القرية"، وروايات الطيب صالح. ويقول إن إسحق وصالح وضعا المعمار الصارم والبناء المتماسك للرواية، وساعدهما في ذلك اطلاعهما على الآداب باللغات الأجنبية.

المهدي بشرى:
رواية "إنهم بشر" للروائي الراحل خليل عبد الله الحاج هي البداية الحقيقية للرواية السودانية، وراوية "الفراغ العريض" للكاتبة ملكة الدار محمد من روايات البدايات كُتبت في منتصف الأربعينيات إلا أنها نُشرت في وقت متأخر

رغم هذه البداية المتميزة للرواية السودانية، فإن مسارها لم يكن تصاعدياً مستمراً، حيث حدثت انقطاعات و"فجوات" في الإنتاج. ويرى بشرى أن الإنتاج الروائي شهد مراحل متذبذبة مما أضعف حركة التوثيق.

ثمة إسهامات روائية جديرة بالالتفات، يرى المحاضر أن حركة النقد لم تتوقف عندها كثيراً رغم أهميتها الفنية، مثل رواية "الحنق" للكاتب شوقي بدري التي عالجت موضوع "المسكوت عنه" المتمثل في ظاهرة الرِّق في المجتمع السوداني.

ومن الكتابات الأساسية في مسار الرواية السودانية التي أشار لها البروفيسور بشرى إسهامات الكاتب أبو بكر خالد الروائية ممثلة في "بداية الربيع" التي برز فيها تأثره بنجيب محفوظ والمدرسة الواقعية، وهذا لا يقلل من إسهامات خالد المهمة في الرواية السودانية. 

ونوَّه بشرى بالدور الذي لعبه أكاديميون مصريون عملوا بجامعة القاهرة فرع الخرطوم بالتعريف بالأدب السوداني، وأشاد المتحدث بدور المراكز الثقافية، مثل مركز الدراسات السودانية ومركز عبد الكريم ميرغني الثقافي في نشر روايات مهمة خاصة في السنوات العشرين الماضية.

المداخلات النوعية التي أعقبت حديث المحاضر حاولت -بقدر الإمكان- إثراء الندوة بالجديد، وتطرقت لمحاور وقضايا مهمة في مسار الرواية السودانية. الشاعر عالم عباس أشار إلى أن الطباعة في السابق كانت عائقاً كبيراً أمام نشر الكتب إلا أنها ازدهرت مؤخراً وبرزت أعمال سردية مهمة تطورت فيها الكتابة كثيراً.

تأصيل الجنس الأدبي
من جانبه، ثمَّن الروائي محمد هارون عمر أدوار الكُتَّاب الجُدد، الذين قال إنهم عبَّروا بصدق عن الحياة في أعمالهم. فيما كشف البروفيسور عبد الله حمدنا الله عن ثلاثة مؤثرات دفعت بالكتابة الروائية خطوات للأمام: أول المؤثرات -بحسب حمدنا الله- وجود الناقد والمؤرخ الفلسطيني إحسان عباس في كلية الخرطوم -جامعة الخرطوم لاحقا- الذي اتفق مع مطبعة مصرية طبعت فيما بعد أعمال الأدباء علي المك وخوجلي شكر الله والزبير علي ومحمد عثمان كجراي.

والمؤثر الثاني هو الدور الذي لعبته مجلة "القصة السودانية" لناشرها عثمان علي نور الذي باع بيته لإصدار المجلة فخسر بيته وخسر المجلة، ولكنه خدم القصة، وِفقاً لحمدنا الله. والمؤثر الثالث هو ازدهار الرواية في مصر، حيث كان ذلك مؤثراً مهماً وحاسماً في تطور الرواية السودانية.

ولفت حمدنا الله الانتباه إلى ضرورة التأصيل للأجناس الإبداعية السودانية، وقال إنه "جاء الوقت لنؤصل لأجناسنا الأدبية"، وأشار إلى أهمية كتاب "موت دنيا" لمؤلفيه محمد أحمد المحجوب وعبد الحليم محمد، الصادر في منتصف أربعينيات القرن الماضي، مؤكداً أنه نوع متقدم من البناء الروائي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة