روسيا البيضاء الملحدة سابقا تتجه إلى التدين   
الجمعة 24/1/1429 هـ - الموافق 1/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 0:50 (مكة المكرمة)، 21:50 (غرينتش)
تعامل سكان روسيا البيضاء فيما مضى مع الدين كشيء ينبغي تجنبه (الفرنسية-أرشيف)

اعتنق معظم أبناء روسيا البيضاء في الماضي تراث العهد السوفياتي بعدم الإيمان على الإطلاق والتعامل مع الدين كشيء ينبغي تجنبه، إذا كان الشخص يريد أن يتحاشى المتاعب مع السلطات.

ولهذا فقد أصيب والدا الطفلين ميشا (10 أعوام) وبافل (12  عاما) بالذعر بسبب ظهور علامات التدين عليهما. وقال رجال الشرطة المرافقون للطفلين -اللذين ظهرت علامات الارتباك على وجهيهما- إنهما كانا منهمكين في ممارسة شعائر الدين.

والولدان ابنان لأسرة متماسكة من الطبقة المتوسطة تقيم في مينسك عاصمة روسيا البيضاء، وأوضحت الشرطة أن الولدين -اللذين فضلت أسرتهما عدم نشر اسميهما- يحتفلان بأعياد الميلاد علنا وبشكل محدد بإنشاد ترانيم دينية أمام أبواب مباني سكنية.
 
وهذا السلوك لا يضر في معظم الأماكن ولكن في روسيا البيضاء ذات الحكم الشمولي تقوم الدولة بقمع معظم الأنشطة الدينية المنظمة، وإذا اجتذبت هذه الأنشطة شعبية أو درت المال على أحد فحينئذ تقوم الشرطة السرية باستهداف النشاط وهي لا تزال تعرف باسم "كي جي بي" الاسم القديم للاستخبارات السوفياتية.

وأغلق معظم السكان الأبواب في وجه الطفلين غير أن بعض السكان في وسط مدينة مينسك قدموا الطعام والحلوى وحتى النقود للولدين المغامرين وقاما بإنفاقها على الفودكا والسجائر مما أدى إلى إحداثهما ضجة شديدة علنا ثم إلقاء رجال الأمن القبض عليهما، وأعقب ذلك مواقف غير سارة مع والديهما. وقالت والدة ميشا "نحن تعرضنا لصدمة كبيرة لدى معرفتنا بأن ولدينا متدينان".

الدين والدولة
لوكاشينكو أطلق يد الشرطة ضد الكنائس
 لكنه اجتمع برجال الدين (رويترز-أرشيف)
وكان حاكم ورئيس روسيا البيضاء ألكسندر لوكاشينكو قد أطلق في العام 2007 يد الشرطة السرية ضد الكنائس وحتى ضد عشرات المسيحيين البروتستانت مبررين ذلك بتهديدات مزعومة للأمن القومي.

وتعترف والدة ميشا بأن الدين في هذه الأيام يعد أحد الوسائل القليلة للحصول على قدر من الدخل الشخصي في روسيا البيضاء التي تعاني عجزا في النقد، وعلى الرغم من عداء لوكاشينكو للبروتستانت فإن الحكومة تشارك في هذا المضمار.

استخدام السحر
وتذيع محطة "بل 1" المملوكة للدولة في روسيا البيضاء كل نصف ساعة إعلانات مرحة تعرض على المواطنين الذين يشعرون بالمعاناة حلا عمليا لكل مشكلة تواجههم سواء كانت مادية أو معنوية عبر الاستخدام الحكيم للسحر أو أوراق اللعب أو في أسوأ الأحوال عبر الجمع بينهما.

وتتكون القاعدة الدنيا من الأغلبية الصامتة في روسيا البيضاء من المتقاعدين وغالبا ما يعبرون عن دهشتهم من تزايد الطلب على "المعتقدات الغريبة" في بلد يفترض أنه هجر الدين ولا يزال التخطيط المركزي يدير اقتصاده.

ويعبر فيتاشسلاف رياشينتسيف العامل بمصنع سيارات عن استغرابه من موجة التدين بقوله "في كل ركن تجد أكشاكا ومتاجر تبيع الرموز الدينية مثل الشموع والأيقونات المسيحية والبخور الصيني وألواح للصلاة وحروف هيروغليفية فرعونية وأحجار لديانة الشامانية البدائية، وقد تزاحمت الأديان لدرجة أنه أصبح من الصعب على المرء أن يعلم نوع العطلة التي يتم الاحتفال بها".

غالبية البلاد اعتنقت في الماضي التراث السوفياتي بعدم الإيمان مطلقا (رويترز-أرشيف)
عودة للدين
من جهتها تقول الأستاذة في جامعة بلجور بمينسك تاتينا أولوفا إنها نشأت في مدرسة الفيلسوف كارل ماركس وتعلمت دائما "أن الدين أفيون الشعوب"، ومع ذلك فإنه من الواضح أن المواطنين يريدون العودة للدين.

ويبدو أن موضة التدين في البلاد قد أصابت الرئيس لوكاشينكو نفسه، رغم أنه كان ملحدا صريحا فيما مضى فإنه اجتمع في عطلات نهاية العام علنا مع رئيس الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا البيضاء، كما أعرب في خطابه الذي ألقاه في نهاية العام عن تمنياته لمواطنيه بمعاونة الرب لهم.

ويشير المحلل السياسي أناتولي لبيدكو إلى أنه على الرغم من أن الكنيسة منفصلة عن الدولة من الناحية النظرية، فإنه في هذه لا توجد مناسبة مهمة ينظمها قادة روسيا البيضاء إلا وتتم دعوة عضو من النخبة الدينية فيها.
 
يذكر أن الإحصائيات تشير إلى أن الأغلبية العظمى من سكان روسيا البيضاء يدينون بالمسيحية الأرثوذكسية.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة