هل يطيح وادي السيليكون بالخلافة الإلكترونية؟   
الثلاثاء 1437/3/4 هـ - الموافق 15/12/2015 م (آخر تحديث) الساعة 19:01 (مكة المكرمة)، 16:01 (غرينتش)

*مايكل بيزي

مع كل هجوم ناجح ينفذه تنظيم الدولة الإسلامية ضد الغرب تتعالى الدعوات لوادي السيليكون إلى إسكات الدعاية "الإرهابية" على منصات التواصل الاجتماعي.

غير أن تلك الدعوات باتت أعلى من أي وقت مضى منذ مأساة الثاني من ديسمبر/كانون الثاني في سان برناردينو بولاية كاليفورنيا الأميركية، والتي نفذها زوجان يبدو أنهما وقعا تحت تأثير تنظيم الدولة، وأسفر الهجوم عن مقتل 14 شخصا كانوا في حفل.

ويبدو أن الزوجين قد تناولا "الجهاد" و"الشهادة" على الإنترنت قبل سنوات من تنفيذهما الهجوم، ولم يسفر ذلك عن وضعهما تحت الرقابة لأن ذلك النقاش ظل غائبا عن أعين المعنيين، الأمر الذي يثير الاستغراب والتساؤل في عصر الرصد والتحري الرقمي.

وبعيد هجوم سان برناردينو قدم مشرعون من الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) تشريعا غامض اللغة -صاغته السيناتورة دايان فاينستاين- تراوحت مقترحاته بين الطلب من شركات مواقع التواصل الاجتماعي بالإبلاغ عن "معرفتها بأنشطة إرهابية" وبين مطالب مباشرة لتوسيع نطاق الرقابة.

من جهته، اقترح المرشح الجمهوري المحتمل دونالد ترامب أنه "ربما من الأفضل إغلاق الإنترنت بشكل ما في بعض المناطق"، وفي ما يتعلق بمسألة القلق من حفظ الحقوق فقد حسم موقفه بالقول "قد يقول قائل إنها حرية التعبير، إنها حرية التعبير.. أولئك أناس أغبياء".

إن هذا النوع من الخطاب قد جعل الكثيرين في وادي السيليكون يشعرون بالتوتر وعدم الارتياح، شركات فيسبوك وتويتر ويوتيوب تقول إنها بالفعل تقوم بمراقبة شرسة لأي تأييد لمجموعات مثل تنظيم الدولة أو دعوات لأعمال العنف على منصاتها، بل ووصل الأمر إلى تلبيتها (أي الشركات) أي طلبات حكومية بشأن أي محتوى يخالف القانون.    

وعلى الرغم من أن مواقع التواصل الاجتماعي تعتبر منصات حرة للتعبير عن الرأي فإنه ما من شك في أنها لا تريد ربط اسمها بمجموعات مثل تنظيم الدولة، خاصة عندما يتخفى من باتوا يعرفون باسم "مقاتلي لوحة المفاتيح" خلف حسابات وهمية ويتحولون في مرحلة معينة إلى مهاجمين يستخدمون القوة.

يقول الناشطون في مجال الحقوق الرقمية إن توسيع مدى مراقبة الإنترنت ينطوي على معضلات تقنية وسياسية وإستراتيجية لا يفهمها المشرعون بشكل كامل

مراقبة الإنترنت
غير أن الناشطين في مجال الحقوق الرقمية يقولون إن توسيع مدى مراقبة الإنترنت ينطوي على معضلات تقنية وسياسية وإستراتيجية لا يفهمها المشرعون بشكل كامل.

وعلى سبيل المثال لا الحصر تحمل حوالي ثلاثمئة مليون صورة على موقع فيسبوك يوميا بحسب موقع "غيزمودو" المتخصص، الأمر الذي يجعل فحص هذا الكم من الصور أمرا مستحيلا.

وفي معظم الحالات تعتمد شركات مواقع التواصل على المستخدمين أنفسهم في الإبلاغ عن أي محتوى يخرق مبادئ المجتمع، ومن ضمن ذلك الترويج لـ"الإرهاب"، وعادة ما تكون هذه الخطوة قبل أن يتخذ قرار بحذف محتوى معين أو إغلاق حساب ما.

من جهة أخرى، هناك ما باتت تعرف بـ"الخلافة الإلكترونية" والتي تستخدم القنوات المفتوحة للفضاء الإلكتروني لنشر أجندتها وتجنيد الأتباع فكريا حول العالم، حيث تتكاثر الحسابات المرتبطة بهذا المجال بشكل يومي ويتضاعف عددها، وعندما يغلق حساب ما يظهر حساب جديد ليحل محله بسرعة البرق.

وعليه فإن أحد الحلول التي قد تكون ناجعة في هذا المجال هو استخدام المراقبة المبرمجة سلفا على شاكلة المراقبة التي تستخدمها شركات التقنيات لمراقبة استهداف الأطفال جنسيا.

وتعمل المراقبة المبرمجة سلفا على استخدام نظام خوارزميات رياضي للحاسوب لمسح تركيبة صورة ما ومقارنتها بقاعدة المعلومات التي ينشرها المركز القومي للأطفال المفقودين والمستغلين، حيث يقوم برنامج المراقبة بالتفرقة بشكل دقيق بين صورة لطفل يستحم نشرت بقصد المشاركة وبين الصور التي تنشر لأغراض محرمة.

ويؤكد رئيس قسم علم الحاسبات في جامعة دارماوث وأحد مخترعي البرنامج هاني فريد إمكانية إنشاء نظام شبيه "للتضييق" على الصور ومقاطع الفيديو المؤيدة لتنظيم الدولة الأكثر انتشارا -مثل قطع الرؤوس وما شابه- والتي تخرق بوضوح قواعد المحتوى المسموح به. 

ولكن نعود لنقول إن استئصال دعم "الإرهاب" أمر أكثر تعقيدا من ذلك، ويلفت فريد النظر إلى مسألة معقدة بالقول "بينما معظم الناس يتفقون على أن تناقل ونشر صور لأطفال لا يعد حرية رأي" إلا أن صورا لمقاتل من تنظيم الدولة يمسك برأس مقطوع قد تستخدم أيضا لكشف جرائم التنظيم ضد الإنسانية.

وكان مؤسس فيسبوك مارك زوكربيرغ قد أشار إلى إشكالية مشابهة لهذا الأمر في سبتمبر/أيلول الماضي، وأوضح أن النظام الخوارزمي الرياضي للحاسوب كان له أن يحذف الصورة الأسطورة لإيلان كردي الطفل السوري اللاجئ الذي لفظ البحر جثته وانتهى بها المطاف على أحد شواطئ تركيا على الرغم من أن هذه الصورة قد أثارت تأييدا واسعا للاجئين السوريين حول العالم ودعوات لاتخاذ خطوات حازمة بشأن حل مشكلتهم.

أما في ما يخص مراقبة النصوص المكتوبة فيقول فريد إن الأمر أكثر تعقيدا، فبينما قد يكون من السهل مراقبة والتقاط رسائل تأييد تقليدية لتنظيم الدولة إلا أن مراقبة نقاش أكاديمي دقيق ستتطلب تدخلا بشريا، كما أن نظام خوارزميات الحاسوب قد يلتقط أشياء خاطئة، فمثلا إذا قمنا بإعادة نشر اقتباس لشخص ما وأضفنا عبارة "إن هؤلاء مجانين" فمن غير الممكن أن تكون هناك عملية لمقارنة الرسالة الأصلية مع الرسالة التي قمنا بإعادة نشرها وسوف يحذف المحتوى بالكامل.        

وحتى لو تم تطوير نظام خوارزمي دقيق فإن صناعة تقنيات الإنترنت والحاسوب قد أوضحت أنها لا تشعر بالارتياح للعب دور الرقيب الفكري.

إن هذه القضية لعبت دورا كبيرا في رفض وادي السيليكون لمشروع السيناتورة فاينستاين، فالمشروع لا يضع شركات التقنية في موضع المخبر الحكومي فحسب -وهو أمر اتهمت كثير من الشركات به لقيامها بالتعاون مع برامج المراقبة والرصد الحكومية- بل يضعها في موضع الذي يقرر ما المحتوى الذي يمكن أن يمر وما المحتوى الذي لا يحق له المرور.

وعلى الرغم من أن فيسبوك وتويتر ويوتيوب رفضت طلب الجزيرة للتعليق على مشروع فاينستاين فإن ممثلي الشركات الثلاث وشركات أخرى أصدروا رسالة مشتركة لقيادة مجلس الشيوخ قالوا فيها إن الملحق الإيضاحي للبند 603 "يضع متطلبات واسعة ومموهة بشكل خطير في ما يتعلق بالإبلاغ عن النشاطات، الأمر الذي من شأنه أن يضع ملايين المستخدمين الأبرياء في دائرة برامج الرصد والمتابعة الحكومي وبشكل غير مبرر".

تحديات غير مسبوقة
ويبدي الداعمون لحرية التعبير عن الرأي المخاوف نفسها، ويبين المدير الدولي لمؤسسة إلكترونيك فرونتيير الداعمة لحقوق الاستخدام الرقمي داني أوبرايان في رسالة بريد إلكتروني أن "هذا النوع من القيود على منصات الإنترنت يضعها على منحدر زلق، فمن يعرّف "الإرهاب؟ هل ينوي فيسبوك مثلا تطبيق تلك القيود ضد من تصنفهم الحكومة الأميركية إرهابيين، أم هل سيطبقها على من تصنفهم روسيا إرهابيين؟ أو إسرائيل؟ أو السعودية؟ أو سوريا؟".        

من جهة أخرى، هناك قضايا إستراتيجية أكثر عمقا، فبعد هجمات باريس الشهر الماضي جادل الكثيرون في أن الفشل الاستخباري في منع الهجوم كان سببه غرق السلطات في سيل هائل من المعلومات. وبحسب أحد المحللين، فإن أحد الأسباب هو "العدد الهائل من المشبوهين المدرجين على قوائم كثيرة".

إن التحديات التي فرضها ظهور تنظيم الدولة وحملة التوجيه المعنوي التي يقودها على الإنترنت هي تحديات غير مسبوقة، لكن خبراء القانون يميلون لوضع الجدل الدائر في إطار قضية جوهرية تتعلق بمبادئ حرية التعبير عن الرأي

والأدهى من ذلك أن الضغط على منصات التواصل الاجتماعي لإبلاغ السلطات عن المحتوى المؤيد لتنظيم الدولة -كما يطالب مشروع السيناتورة فاينستاين- أو حذف حسابات بصورة عدائية سوف يؤديان في النهاية إلى دفع تلك المجموعات للانسحاب من نطاق شبكة الإنترنت المعلن، واستخدام ما تعرف بالشبكة المظلمة (شبكة إنترنت سرية تستخدمها الجريمة المنظمة وبعض المؤسسات ذات النشاط السري).    

وفي حال لجأت المجموعات المستهدفة للشبكات السرية فإن ذلك يعني فقدان منجم ذهب من مصادر المعلومات المفتوحة وهويات من تجندهم تلك المجموعات وأمكنة نشاطاتهم.

وتوجد تقارير وحكايات عن مقاتلين من تنظيم الدولة قاموا خطأ بربط مواقعهم الجغرافية بتغريدات نشروها، مما أدى إلى كشف مكان تواجدهم للعالم أجمع.

وطبقا للمدير السابق لوكالة استخبارات الدفاع مارك فلين الذي تحدث لبلومبيرغ الأسبوع الماضي "طالما كان هناك توتر في الدوائر الاستخبارية بين الجانب الاستخباري الذي يريد استغلال المعلومات التي توفرها منصات التواصل الاجتماعي وبين الدوائر السياسية التي تريد أن تفعل شيئا يؤدي لغلق تلك المنصات".   

إن التحديات التي فرضها ظهور تنظيم الدولة وحملة التوجيه المعنوي التي يقودها على الإنترنت هي تحديات غير مسبوقة، لكن خبراء القانون يميلون لوضع الجدل الدائر في إطار قضية جوهرية تتعلق بمبادئ حرية التعبير عن الرأي، خلاصتها تساؤل مفاده "إن كانت الرقابة على الأفكار الضارة سوف تجعلها أقل خطورة".

ويجادل الزميل في مركز بيركمان للإنترنت والمجتمع التابع لجامعة هارفرد الأميركية آندي سيلارز في أن السبيل لمواجهة فكر تنظيم الدولة هو مواجهته واستباق خطواته.

يقول سيلارز "إن فهم طريقة ردنا على تنظيم الدولة يتطلب منا أن نأخذ بالاعتبار من هم (هؤلاء الناس) وماذا يريدون، ومن هم الناس على الهامش الذين قد يفكرون بالالتحاق بتنظيم الدولة".

ويذهب إلى ضرورة إيجاد توازن معين، من حق منصات التواصل الاجتماعي إزالة أي محتوى يخرق قواعدها، بل يجادل البعض في أن من واجب تلك المنصات حماية مستخدميها من أي محتوى مسيء، وضمن ذلك خطاب الكراهية والتهديد بأعمال العنف، ولكن من جهة أخرى فإن فرض رقابة مشددة قد تكون له نتائج عكسية.

ويرى سيلارز أنه "سنعلم الكثير عن أعدائنا إن كانت لدينا فرصة أوسع لدراستهم، وأن وجودهم على منصات التواصل الاجتماعي سوف يوفر لنا تلك الفرصة". ________________________
*محرر الشؤون الرقمية في الجزيرة أميركا

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة