اللجوء والهجرة.. محك جديد لوحدة الأوروبيين   
الخميس 1437/1/30 هـ - الموافق 12/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 22:46 (مكة المكرمة)، 19:46 (غرينتش)

المحفوظ فضيلي 

عصفت بالاتحاد الأوروبي خلال السنوات الماضية سلسلة أزمات وضعت مصيره أحيانا على المحك، كانت في بداية الأمر ذات طابع اقتصادي، لكنها أصبحت في الأشهر الماضية أزمة ذات طابع إنساني جاءته من خارج حدوده، وتمثلت في تدفق مئات آلاف الفارين من جحيم الحروب والنزاعات في المنطقة.

في خضم الأزمة المالية العالمية لم يجد الاتحاد الأوروبي بدا من إنقاذ أعضائه ممن كانت اقتصاداتهم على وشك الانهيار في هبة وحدوية هدفها الرئيسي إنقاذ عملية اليورو التي كانت عنوانا بارزا وتتويجا لمسيرة التكامل والوحدة بين جل بلدان القارة العجوز.

وبينما لا تزال تلك الأزمة الاقتصادية تطل برأسها من النافذة اليونانية، باتت أزمة اللجوء والهجرة تهدد منجزا أوروبيا آخر يتمثل في اتفاقية "شنغن"، التي كانت بدورها نقلة نوعية في المسار الوحدوي الأوروبي بالنص على إلغاء عمليات المراقبة على الحدود بين البلدان المشاركة في الاتفاقية، ووضع ضوابط بشأن الدخول المؤقت للأجانب.

وحول مصير تلك الاتفاقية قال رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك الخميس -في ختام قمة بين الاتحاد الأوروبي وأفريقيا في مالطا حول الهجرة- إن الاتفاقية المذكورة على وشك الانهيار نتيجة تداعيات أزمة الهجرة.

دونالد توسك: اتفاقية "شنغن" على وشك الانهيار نتيجة تداعيات أزمة الهجرة (رويترز)

رقابة الحدود
وتأتي تلك التصريحات في وقت قامت فيه عدة بلدان أوروبية موقعة على اتفاقية "شنغن" -بينها النمسا وألمانيا والمجر وسلوفينيا والسويد- بخطوات لإعادة فرض رقابة على الحدود، أو نصب أسيجة لضبط تدفق المهاجرين إلى أراضيها.

وقبل ذلك بسنوات قليلة، كانت دول أخرى في الطرف الجنوبي من القارة هي اليونان ومالطا وقبرص وإسبانيا وإيطاليا تئن تحت أزمة الديون السيادية، وتشكو من ضعف قدراتها، ومن ضعف دعم الاتحاد الأوروبي لمساعدتها على التعامل مع تزايد المهاجرين القادمين أساسا من القارة السمراء.

وتعكس تلك الخطوات والمواقف مدى التباين في الفضاء الأوروبي في التعامل مع تلك المعضلة التي تراكمت عبر عدة سنوات، لكنها طفت على السطح بقوة خلال الأشهر القليلة الماضية عندما تناقلت وسائل الإعلام صورا صادمة ومؤثرة لجحافل بشرية هائلة تقتحم حدود عدد من دول الاتحاد أو تنزل على شواطئه بعد رحلات مهولة في عباب البحر.

ولم يغرد الاتحاد الأوروبي بصوت واحد في التعامل مع تلك الأعداد الضخمة من اللاجئين والمهاجرين، التي قدرها المكتب الدولي للهجرات بنحو ثمانمئة ألف لاجئ وصلوا إلى أوروبا منذ يناير/كانون الثاني الماضي، بينما تقول الهيئة الأوروبية المعنية بمراقبة حدود الاتحاد إن نحو 1.5 مليون شخص دخلوا إلى الفضاء الأوروبي بطريقة غير قانونية.

أنجيلا ميركل وسيلفي مع لاجئ سوري بمركز استقبال ببرلين (الأورويبة)

مسحة إنسانية
في بداية الأزمة طغت المسحة الإنسانية على الملف، وتحولت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في وسائل الإعلام إلى أيقونة للرحمة والرأفة بالمقهورين بتصريحاتها المرحبة باللاجئين إلى درجة أن بلادها علقت تطبيق معاهدة دبلن على اللاجئين السوريين رغم أنها تنص على أن إجراءات اللجوء من اختصاص أول دولة أوروبية يصل إليها طالب اللجوء.

وفي المنحى نفسه ذهب رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر الذي اختزل أزمة اللاجئين في كونها "مسألة إنسانية تتعلق بكرامة الإنسان أولا، وبالنسبة لأوروبا هي أيضا مسألة العدالة"، ووصف الملف بأنه أخطر أزمة تواجه أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

في مقابل ذلك ارتفعت أصوات أخرى تحذر من التداعيات الثقافية والدينية للأزمة، إذ رأى رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان أن تدفق اللاجئين على أوروبا يهدد الجذور المسيحية للقارة، مطالبا الحكومات بضبط حدودها قبل أن تقرر عدد طالبي اللجوء الذين يمكنها استقبالهم.

ولا تزال الخلافات الأوروبية متفاقمة في التعاطي مع ذلك الملف على مستويات أخرى، بينها آليات توزيع اللاجئين على الدول الأعضاء في الاتحاد، وطريقة إشراك تركيا في معالجة الأزمة بوصفها معبرا رئيسيا للاجئين الفارين من الأزمات، خاصة من سوريا والعراق وأفغانستان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة