إسرائيل وتركيا.. جفاء لا قطيعة   
الخميس 1431/1/28 هـ - الموافق 14/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 20:55 (مكة المكرمة)، 17:55 (غرينتش)


إسرائيل التي تحدت الأمم المتحدة ورفضت تطبيق قراراتها، وأجبرت الرئيس الأميركي باراك أوباما على التخلي عن ضغوطه عليها لوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، انحنت أخيرا واعتذرت لتركيا على تصرف داني أيالون نائب وزير الخارجية الإسرائيلية تجاه سفير أنقرة في تل أبيب أحمد أوغوز تشليكول.

وقد هددت تركيا بسحب سفيرها، وأمهلت إسرائيل حتى نهاية يوم أمس كي تعتذر عن تصرف أيالون الذي استدعى تشليكول إلى وزارة الخارجية وتركه ينتظر أمام الباب وأجلسه على كرسي منخفض عن كرسيه ولم يصافحه ولم يضع العلم التركي إلى جانب العلم الإسرائيلي على الطاولة، وأبلغه احتجاجه على مسلسل تبثه قنوات تركية قال إنه يقدم الجنود الإسرائيليين في صورة قتلة أطفال ومجرمي حرب.

وعندما تستجيب إسرائيل للتهديد وتعتذر للسفير التركي وفق المعايير التي طلبتها بلاده وفي الموعد الذي حددته، فإن ذلك يعني أن علاقاتها مع أنقرة مهمة جدا ولا تريد أن تخسرها، وهو ما يؤكده محللون، معتبرين أن الجانبين مهما بلغ الجفاء بينهما فلن يصل بهما حد القطيعة.

كما أن الإهانة أيضا كانت بينة وكبيرة بالحجم الذي أثار الغضب ضد وزارة الخارجية الإسرائيلية حتى داخل إسرائيل، حيث انتقدت هذا التصرف عدة صحف إسرائيلية، وذهبت افتتاحية هآرتس يوم أمس إلى حد القول إنه "لإكمال المسرحية كان ينقص فقط أن يطلب أيالون من السفير الدوس على علم تركيا".

الشارع التركي أبدى في عدة مناسبات غضبه من إسرائيل (الفرنسية)
رجات منذ عقود

ولم تسلم هذه العلاقات التركية الإسرائيلية الوطيدة من أحداث أصابتها بعدة رجات منذ عام 1949 الذي اعترفت فيه تركيا بإسرائيل، لكن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة في نهاية 2008 وبداية 2009 شكلت بداية لمرحلة جديدة في التوتر بين البلدين.

واللافت أن القضية الفلسطينية كانت على مر تاريخ هذه العلاقات من أهم أسباب التوتر بين الجانبين، ففي عام 1967 احتجت تركيا بشدة على احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.

وفي عام 1980 أنزلت أنقرة علم الممثلية الدبلوماسية الإسرائيلية لديها ردا على قرار الأخيرة ضم القدس الشرقية واعتبار "القدس الموحدة" عاصمة أبدية لإسرائيل.

وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر/أيلول 2000 كان لا بد لقادة تركيا أن يستجيبوا لضغط الأصوات الشعبية التي ارتفعت في بلدهم معارضة إسرائيل، فوصف الرئيس التركي آنذاك أحمد نجدت سيزر الأعمال الإسرائيلية بأنها "عنف واستفزاز".

وخرج رئيس وزراء تركيا السابق بولنت أجاويد عام 2002 واصفا حملة الجيش الإسرائيلي على مخيم جنين، المسماة "حملة السور الواقي"، بأنها إبادة للشعب الفلسطيني.

حرب غزة
ورغم هذه الرجات فإن المنعطف الذي تصاعد عنده التوتر بين تركيا وإسرائيل كان الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة في نهاية 2008 وبداية 2009، التي اعتبرها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان "طعنة في الظهر"، ودليلا على "تهرب" إسرائيل من عملية السلام.

فأردوغان غضب آنذاك غضبا شديدا ولم يستسغ أن يرسل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت طائراته لقصف سكان غزة بعد يومين فقط من لقاء بينهما بحثا فيه عملية السلام في الشرق الأوسط.

وبعد الحرب بأشهر عاد أردوغان للهجوم على إسرائيل في شخص رئيسها شمعون بيريز، حيث وجه له انتقادا قاسيا في منتدى دافوس، وأعاد عليه استنكاره للحرب على غزة، وانسحب من المنتدى بعد أن منعه مسير الجلسة من إتمام كلامه.

وفي الصيف الماضي ارتفعت من جديد حرارة التوتر التركي الإسرائيلي بعد أن قررت حكومة أنقرة منع إسرائيل من المشاركة في مناورات عسكرية مشتركة على الأراضي التركية، وكان السبب أيضا الاستياء التركي من الحرب على غزة.

الصحافة الإسرائيلية انتقدت إهانة السفير التركي
إنهاء مرحلة

ويرى محرر شؤون الشرق الأوسط في صحيفة هآرتس الإسرائيلية تسيبي بارئيل أن الاعتذار الإسرائيلي لتركيا "ما هو إلا إنهاء لمرحلة من التدهور" في العلاقات بين الطرفين، بعد ما وصفه بـ"التصرف الأحمق" لنائب وزير الخارجية الإسرائيلي.

وأضاف بارئيل في حلقة يوم أمس من برنامج "ما وراء الخبر" على قناة الجزيرة أن العلاقات التركية الإسرائيلية قوية بالشكل الذي لا يسمح بأن تنهار انهيارا كليا، لكنه يعتبر أنه "بعد هذا الاعتذار لا بد من خطوات أخرى لإرجاعها إلى ما كانت عليه قبل سنة"، لأن إسرائيل بنظره ترى أن "مصالحها مع تركيا مصالح هامة وحيوية".

ومن جهته أكد الصحفي في وكالة جيهان التركية كمال البياتلي أن "هذه المشكلة ستخلف آثارا على العلاقات التركية الإسرائيلية"، وأنه "ليس من السهل أن ينسى الجانب التركي الإهانة الكبيرة التي تعرض لها السفير في إسرائيل".

واعتبر في البرنامج نفسه أن العلاقات التركية الإسرائيلية "ستتعرض لبعض الضعف على المدى البعيد"، لكنه رغم ذلك يعتقد أنها "لن تتأثر كثيرا، خصوصا وأن هناك صفقات عسكرية وعلاقات تجارية" بين الطرفين.

ويبدو أن اعتذار إسرائيل لتركيا قد يكون بداية مرحلة جديدة في علاقاتهما، وأنه "من الأفضل لإسرائيل أن تنصت بعناية للانتقادات التركية" كما نصحت بذلك صحيفة هآرتس، لأنه لا ينبغي للمرء أن يكون "مسلما راديكاليا" أو "صديق سوريا وإيران" كي يفهم بأن حبس مليون ونصف المليون مواطن في غزة هو تنكيل وليس سياسة، حسب الصحيفة نفسها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة