لماذا لا نستطيع القضاء على شلل الأطفال?   
الأحد 1438/1/22 هـ - الموافق 23/10/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:09 (مكة المكرمة)، 12:09 (غرينتش)

أليونا كيكبوش وستيفن ماتلين وميشيلا تولد*

24 أكتوبر/تشرين الأول 2016 يجب أن يكون يوما فريدا في تاريخ مرض شلل الأطفال، فلو نجحت الخطة فسوف يكون آخر يوم عالمي لشلل الأطفال قبل أن يتم القضاء على المرض، ولكن الوقت لم يحن بعد للاحتفال أو الرضا عن النفس. فكيفية القضاء على شلل الأطفال معروفة لكننا لم ننهِ المهمة بعد.

أعلنت منظمة الصحة العالمية في أغسطس/آب 2014 أن أزمة إيبولا في غرب أفريقيا "حالة طوارئ صحية عالمية" ثم أعلنت انتهاء تلك الوضعية في مارس/آذار 2016. كما أعلنت المنظمة أن الانتشار العالمي لفيروس شلل الأطفال هو حالة طوارئ صحية عالمية، ولكن هذه الوضعية ما تزال موجودة اليوم مما يجعل المرء يتساءل ما إذا كان قادة العالم يولون الاهتمام الكافي بتلك المسألة.

يجب على هؤلاء القادة الاهتمام بهذا الموضوع، فاستمرار وضعية مرض شلل الأطفال كحالة طوارئ صحية عالمية يهدد نجاح المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال والتي استثمر العالم أكثر من 15 مليار دولار فيها منذ إطلاقها سنة 1988، كما أن شلل الأطفال يهدد الصحة العالمية بشكل عام.

بادئ ذي بدء، من الممكن أن تفوت المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال الموعد المحدد من أجل وقف انتشار فيروس شلل الأطفال، ولسوء الحظ لن تكون هذه المرة الأولى. إذ تم تخفيض حالات شلل الأطفال بأكثر من 99% بحلول الموعد المستهدف الأصلي وهو سنة 2000 من 350 ألف حالة سنة 1988، ولكن منذ ذلك الوقت انتشرت حالات طويلة ومستعصية من العدوى في المناطق النائية والفقيرة ومناطق الصراع بشكل رئيسي.

إن الجهود للتصدي لتلك الحالات المستعصية صعبة، وما تزال غير مكتملة على الرغم من وضعية "حالة الطوارئ الصحية العالمية".

عالم خالٍ من شلل الأطفال سيكون لمصلحة العالم كله (الأوروبية)

بعض النجاح
في واقع الأمر تم تحقيق بعض النجاح في بلدان مثل الهند والتي أصبحت خالية من مرض شلل الأطفال سنة 2014. وفي نيجيريا والتي تمكنت من وقف انتشار المرض العام نفسه، كان هناك أيضا بعض النكسات: ففي سنة 2016 ظهرت في البلاد فجأة حالتان جديدتان بين الأطفال من منطقة تم تحريرها مؤخرا من جماعة بوكو حرام المتمردة.

من الدول الأخرى الموبوءة بمرض شلل الأطفال أفغانستان وباكستان، حيث لم ينجح البلدان في تحقيق الموعد المستهدف للقضاء على المرض (سنة 2015) حيث اضطرا لتمديده لسنة أخرى بتكلفة 1.5 مليار دولار.

وسوف يتطلب التعامل مع الأسباب الجذرية لفشل الدولتين في تحقيق الهدف بحلول الموعد النهائي مقاربة سياسية دقيقة وذكية، وتتضمن هذه الأسباب الصراعات الداخلية التي تجعل الأطفال غير قادرين على الوصول لموظفي الصحة العامة ومعارضة بعض القادة الدينيين وانعدام ثقة العامة بالحكومات والمبادرات العالمية.

ويُعد القضاء على شلل الأطفال عملية مكلفة، ولكن القضاء على المرض إذا تحول لحالة دائمة سيكلف عشرات مليارات أخرى من الدولارات.

يجب تذكير السياسيين وصناع السياسات بأن عالما خاليا من شلل الأطفال سيكون لمصلحة العالم كله، وبأن القضاء على المرض هو أفضل صفقة إلى حد بعيد، وبأن التمويل المستدام والدعم السياسي ضروري من أجل التحقق من نجاح المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال.

لكن من المهم كذلك التحقق من عدم إهدار الأصول والممارسات القيمة التي بنتها المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال، وذلك عندما يتم القضاء على مرض شلل الأطفال، وهذه تشمل السلسلة الباردة الممتدة والتي تحافظ على اللقاحات خلال النقل من المصانع للمرضى، كما تشمل: أيام التطعيم المخصصة و"أيام الهدوء" التي يتم التفاوض عليها في مناطق الصراع من أجل تقديم اللقاحات، بالإضافة إلى عمال الرعاية الصحية المدربين وأنظمة المراقبة وتحليل المختبرات والرد السريع.

شلل الأطفال يهدد الصحة العالمية (الأوروبية)

أصول
وقد أثبتت هذه الأصول نجاحها في مكافحة أمراض أخرى: إذ تمكنت نيجيريا من وقف انتشار إيبولا خلال تفشي المرض في غرب أفريقيا بفضل نظام المتابعة الفعال لديها المتعلق بشلل الأطفال.

والحقيقة هنا أنه بإمكان البلدان استيعاب أصول المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال ضمن الأنظمة الصحية فقط في حالة دعمها ماليا ولوجستيا وسياسيا، وستكون هناك حاجة لجهود كبيرة من أجل نقل الأموال للأماكن التي بحاجة إليها، وتنسيق المراقبة والعمليات المخبرية.

إن هذا العمل لن يعزز أمن ومتانة الصحة العالمية للتعامل مع تفشي المرض القادم فحسب، ولكن أيضا سيساعد في تحقيق أحد أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لتغطية الرعاية الصحية على مستوى العالم.

بشكل عام، يجب استخلاص الدروس والعبر من المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال وغيرها من جهود القضاء على المرض. لقد أصبح الجدري سنة 1980 أول مرض يصيب البشر يتم القضاء عليه بشكل ناجح، وكانت هناك سابقا حملات غير ناجحة ضد دودة الإنسيلوستوما والداء العليقي والحمى الصفراء والملاريا، ولكن الكثير من الدروس التي كانت معروفة في الثمانينيات لم تتم الاستفادة منها لفترة طويلة مثل أهمية مكافحة خزانات العدوى النائية والمحافظة على مستويات مرتفعة من التطعيم في كل مكان، وذلك حتى لا يتم إرباك الأنظمة الصحية.

مجموعة معقدة من الإجراءات السياسية والدوافع والطموحات ستحدد أية دروس سنأخذها من التاريخ وأية أهداف صحة عالمية جديدة نحددها لأنفسنا، وهكذا فإن اليوم العالمي لشلل الأطفال سيكون مناسبة لحث السياسيين على تجديد التزاماتهم بالقضاء على المرض وتطبيق الدروس من المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال لتحسين الصحة في كل مكان.

الالتزام القوي والمستمر بالقضاء الكامل على شلل الأطفال على مستوى العالم فقط كفيل بإنهاء الحالة الطارئة المتعلقة بالمرض

زيادة المساهمة
يعتمد العالم بشكل عام في المعركة ضد شلل الأطفال على كرم الولايات المتحدة الأميركية ومؤسسة روتاري إنترناشونال ومؤسسة بيل وميلندا غيتس والدول الأوروبية مثل ألمانيا والنرويج والمملكة المتحدة (وبدعم سياسي إضافي من جهات أخرى مثل موناكو).

ويتوجب على الدول الأوروبية الأخرى والمفوضية الأوروبية نفسها عمل المزيد للمساهمة في جهود القضاء على المرض.

وفي وقت جددت الدول الأعضاء بمجموعة السبع التزامها بالقضاء على شلل الأطفال بقمة اليابان في وقت سابق من هذا العام، لم يُشرْ لهذا الموضوع في قمة مجموعة العشرين اللاحقة في هانزو بـالصين والتي تم تمثيل ثلثي سكان العالم فيها، كما لم تشر له مجموعة الـ77 التي تضم 134 بلدا ناميا باجتماعها الأخير.

هذا ليس جيدا بما فيه الكفاية، فبعد سنوات من الجهود يتضح الآن أن الالتزام القوي والمستمر بالقضاء الكامل على المرض على مستوى العالم فقط كفيل بإنهاء الحالة الطارئة المتعلقة بشلل الأطفال.
_______________
*أيلونا كيكبوش: مديرة مركز الصحة العالمية وأستاذة مساعدة بالمعهد الجامعي للدراسات العالمية والتنمية في جنيف، ستيفن ماتلين: زميل تنفيذي بمركز الصحة العالمية بالمعهد الجامعي للدراسات العالمية والتنمية بجنيف، ميشيلا تولد: المديرة التنفيذية لمركز الصحة العالمية بالمعهد الجامعي للدراسات العالمية والتنمية بجنيف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة