عصر الجزيء: التشخيص والعلاج على مقاسك!   
الخميس 2/3/1435 هـ - الموافق 2/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:51 (مكة المكرمة)، 12:51 (غرينتش)

أحمد محمدن المنى

في نهاية القرن العشرين، استقر رأي الجمعية الملكية (البريطانية) للكيمياء على اختيار "عصر الجزيء" عنوانا للكتاب الذي أعدته لاستقبال عام 2000 مستشرفة فيه مستقبل العلوم والتقنية في هذه الألفية. وقد قدم للكتاب رئيس وزراء بريطانيا يومها توني بلير منوها بما يعِد به العلم من تحسين للصحة في القرن القادم. ولم تمض سوى ستة أشهر حتى أعلن، مع الرئيس الأميركي بيل كلينتون، اكتمال رسم أول خريطة جينية للبشر (الجينوم البشري)، إيذانا بعصر جديد في الطب والتداوي وعلوم الأمراض، وإيذانا بمقاربة جديدة تبدأ من الجزيء وإليه تنتهي. إننا فعلا نعيش عصر الجزيء!

ونود في هذا المقال شرح بعض معالم عصر الجزيء وتطبيقاته الصحية وموقع الوطن العربي منها.

الجينوم: أبجدية من أربعة حروف
من المعلوم أن المعلومات الوراثية تنقلها شفرات من الحمض النووي المنقوص الأكسجين (DNA) جيلا بعد جيل. وهذه الشفرات ما هي إلا ترتيب معين للَبِنات بناء الحمض النووي، وهي أربع قواعد نتروجينية معروفة يرمز إليها بالحروف (A. C. G. T). وكما تختلف المعاني بترتيب حروف الكلمة في الجناس الناقص، كذلك تختلف المعلومات الوراثية باختلاف ترتيب القواعد الأربع. وكما أن الكتب، مهما اختلفت موضوعاتها وتباينت، ليست سوى تنسيقات وترتيبات لحروف الهجاء، فإن تباين بني آدم ليس إلا ترتيبات وتبديلا لحروف الحمض النووي المنقوص الأكسجين الأربعة.

فإذا عُرف التسلسل والترتيب لهذه الحروف في الحمض النووي لفلان، فتلك خريطته الجينية بها بيان شخصيته وتكوينه الجسدي من مناعة جسمه واستجابته لهذا العقار ورفضه لهذا الدواء وحساسيته من هذا الغذاء أو ذاك الطقس.. خريطة طالما تمنى معرفتها الأطباء وعلماء الأمراض والصيادلة وعلماء النفس.

الجينات الطبيعية تؤدي وظائف مفيدة للجسم أو تحفز عليها. ولكن ربما حصل خلل في ترتيب الحروف أو تسلسلها فينتج عنه تشوه في رسالة الجين يترجم في الإصابة بمرض معين أو نقص أو غياب لحاسة معينة أو هرمون ما أو طغيان حاسة أو غير ذلك مما يخل بالتوازن الصحيح للجسم خلقا وسلوكا

والأصل أن الجينات الطبيعية تؤدي وظائف مفيدة للجسم أو تحفز عليها. ولكن ربما حصل خلل في ترتيب الحروف أو تسلسلها فينتج عنه تشوه في رسالة الجين يترجم في الإصابة بمرض معين أو نقص أو غياب لحاسة معينة أو هرمون ما، أو طغيان حاسة أو غير ذلك مما يخل بالتوازن الصحيح للجسم خلقا وسلوكا.

ويمكن تصنيف الخلل في الجينات إلى استبدال في الشفرات (ومثاله في اللغة العربية استبدال الباء ياء) أو حذف أو إدراج حمض نووي واحد، أو حذف أو إدراج معلومات في غير مكانها، أو انتقال جزء من كروموزوم إلى آخر بطريقة تبادلية تؤدي إلى تغير وظائف محددة بالخلية.

ونعني بالوراثة انتقال الجينات من جيل إلى جيل والثبات على ما هو طبيعي وصحيح في أصله، وظهور الصفات وخاصة المرضية (لأن تركيزنا هنا على الأمراض) له أسباب لا مجال للحديث عنها. ولكن نبين هنا طريقة ظهورها في أبناء لوالدين مختلفين في التركيب الجيني، فظهور الصفات الوراثية يعتمد على قواعد منها: السيادة والتنحي، وتعرف اليوم بالوراثة المندلية.

ومنها التفاعل الجيني، حيث تتفاعل الجينات مع بعضها لإظهار صفة مختلفة مثل لون البشرة. وربما ظهرت صفات الأبوين جنبا إلى جنب مثل فصائل الدم (خاصة A وB). وكل ما ذكر يختلف عن الاختلالات أو التشوهات أو الطفرات الجينية التي تحصل في خلايا الجسم والتي تؤدي في الغالب إلى أمراض السرطان، وهذه كلها تغيرات جينية لا تورث، بل نرث بعضها أو نرث القابلية لحصولها بعبارة أدق.

التنشيط والتثبيط
رغم تباين أعضاء جسم الإنسان في وظائفها وخواصها فإن كل خلية من خلاياها تحمل نفس الحمض النووي بنفس التسلسل (نذكر بأن هذا الكائن بدأ تكونه من خلية واحدة). ولكن ما يجعل هذا العضو كبدا وهذا عينا وذاك يدا هو تنشيط الجينات المسؤولة عن وظائف الكبد في هذه الخلية وتثبيط غيرها.

وقد شبه أستاذنا الدكتور إبراهيم الشنقيطي تنشيط الجينات وتثبيطها بالبرامج المحملة على الهواتف الذكية. فالبرنامج النشط هو المشغل على الشاشة ولا يعني عدم ظهور البرامج الأخرى غيابها.

ومن هنا فإن التحكم السليم في التشوهات والأمراض الوراثية يكون بتنشيط الجينات النافعة وتثبيط الجينات الضارة. فإذا تبين أن الجين الفلاني مسؤول عن هذا التشوه أو ذاك المرض كان تثبيطه خير وقاية.

أستاذنا الدكتور إبراهيم الشنقيطي شبه تنشيط الجينات وتثبيطها بالبرامج المحملة على الهواتف الذكية. فالبرنامج النشط هو المشغل على الشاشة ولا يعني عدم ظهور البرامج الأخرى غيابها

ويمكن التعرف على خواص الجينات المعروفة من خلال قاعدة بيانات ضخمة ومتزايدة باضطراد يحتضنها المركز القومي الأميركي لمعلومات التقنية الحيوية (NCBI). وهذه البيانات مجانية يمكن لأي شخص الوصول إليها من النت وهي في تحديث مستمر حيث يضاف إليها الجديد بعد تمحيصه من قبل الباحثين المتخصصين في أنحاء العالم.

التشخيص الجزيئي
والمقصود به الكشف عن أي خلل في الجينات نقصانا أو زيادة أو ترتيبا مما يرتبط بحالات المرض أو الاختلال في وظائف الأعضاء أو اعتلال الأعضاء ذاتها. فالكشف على مستوى جزيء الحمض النووي يقطع الشك باليقين كما يحدد بدقة نوع الخلل فيضيق مجال التخمين والحدس. كما يشمل التشخيص الجزيئي التعرف على نوع الجراثيم والأحياء الدقيقة المسببة للأمراض حيث يحسم التعرف على فصيلتها بتحليل الحمض النووي الذي يميزها عن أخواتها.

ويشمل التشخيص الجزيئي الكشف عن التغيرات الجينية المرتبطة بالأمراض المزمنة كالسكري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم. فمن هذه التغيرات ما يورث الإصابة بالمرض ومنها ما يهيئ الشخص للإصابة بها.

ومن أمثلة التشخيص الجزيئي ما نشرته مجلة "Nature" المتخصصة والمرموقة، من ربط تغيرات جينية بالإصابة بالتهاب المفاصل. فلقد ربطت الدراسة التي قادها البروفيسور روبرت بلنج من كلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية بين 42 تغيرا في الحمض النووي رصدت في الأشخاص المصابين بالتهاب المفاصل مقارنة بنظرائهم السليمين، علما أن الدراسة شملت حوالي 30 ألف شخص.

ويركز التشخيص الجزيئي عادة على تشخيص الأمراض الوراثية، والأمراض الوبائية، إضافة إلى الأورام السرطانية والأمراض المستعصية والمزمنة كما يسعى لرصد التغيرات الجينية التي تسببها السرطانات المختلفة ومتابعة تطورها تأثيرا وتأثرا بالأدوية والعقاقير.

شخصنة العلاج
بعد تشخيص المرض جزيئيا ورسم الجزء المتعلق به من الخريطة الجينية للمريض ودراسة استجابته للدواء، يحين موعد تصميم العلاج المناسب لهذا المريض وتفصيله على مقاسه من اختيار العقار الناجع إلى تحديد الجرعات ومواعيد وطرق أخذها سعيا لعلاج فعال وتفاديا لمحاولات لا ضرورة لها.

ورغم تشابه البشر في 99.1% من تركيبتهم الجينية فإن النسبة القليلة الباقية تكفل تباينهم شعوبا وجماعات وفرادى. فمن الـ0.9% الباقية يتميز الصيني والرومي والهندي ومنها يتميز الأخوان. فهذه النسبة أهم من مظاهر التشابه الكثيرة إذ بها تكون أنت إياك وأكون أنا إياي. بها يكون كل شخص وحيدا ومختلفا عن غيره ومتميزا عن سواه. بها تتباين الخرائط الجينية للناس.

ونظرا لتباين الخرائط الجينية لبني آدم فليس غريبا أن يستجيب جسم هذا المريض لدواء معين فيتماثل للشفاء في حين لا ينفع أخاه المصاب بالمرض ذاته. ومن هنا بدأت شركات الصيدلة الكبرى في إرفاق مسبار للاستجابة الدوائية مع بعض أدوية السرطان ليتمكن المريض والطبيب معا من اختبار فعالية الدواء قبل استعماله فيتجنب الجميع تضييع الوقت والمال في محاولات لا طائل من ورائها.

نظرا لتباين الخرائط الجينية لبني آدم فليس غريبا أن يستجيب جسم هذا المريض لدواء معين فيتماثل للشفاء في حين لا ينفع أخاه المصاب بالمرض ذاته

والواقع أن أفضل الأدوية هو ما يحفز الجسم على إنتاج أجسام مضادة تقضي على مسبب المرض، فهذه الطريقة تشجع الجسم على المقاومة الطبيعية للداء والقضاء عليه. وتأتي في المرتبة الثانية العقاقير التي تسابق خلايا الجسم إلى التفاعل مع الكائن الغريب فتسبقها وترتبط به فتشل نشاطه وتحوله إلى فضلة يتخلص منها الجسم.

ولكن ما يميز شخصنة العلاج (Personalized Medicine) عن التداوي التقليدي أن شخصنة العلاج تستشرف ما يمكن أن يتعرض له هذا الشخص بالذات من مرض انطلاقا من خريطته الجينية وكذلك تتوقع طبيعة استجابته للأدوية فتساعد في تصميم درع تقيه المرض قبل وقوعه، أو ترشد إلى أنجع دواء حال الإصابة، كما تحذر من تضييع الوقت والمال في تجريب أدوية لا يستجيب لها جسم الشخص. ولعله في يوم ما سيتاح رسم الخريطة الجينية لكل مولود جديد فتشكل أساس ملفه الصحي ونبراس الأطباء لرعايته بشكل سليم.

أما التداوي التقليدي فلا يبدأ إلا بعد ظهور أعراض المرض حيث تبدأ رحلة التشخيص بالتحاليل المخبرية التي قد تطول وتقصر وينتهي الأمر بوصفة دوائية يرسو عليها اجتهاد الطبيب ضمن قائمة من الخيارات. وبعد فترة من استعمال الدواء إن شفي المريض فبها ونعمت وإلا تبدأ الحلقة من جديد.

موقع الوطن العربي
ورغم حداثة فن شخصنة العلاج (ظهر أول استعمال للمصطلح الإنجليزي سنة 1999) فإن له جذورا في التاريخ ليس هذا محل الحديث عنها.  ولكن سؤالنا عن مدى وجود شخصنة العلاج بالمعنى الذي بيّنا في الوطن العربي. ونستبعد الشركات التجارية الوسيطة التي تسوق خدمات شركات كبرى في الغرب. فما نقصده هو ما يقام على الأرض العربية وبخبرة وطنية في هذا الميدان.

والحقيقة أن دولا عربية معدودة لها هيئات وطنية تحمل عبارة (Personalized Medicine) بشكل أو بآخر في جزء من تسميتها. وبسبب شح الإنفاق على البحث العلمي في كثير من الدول العربية تظل هذه الأسماء بلا مسميات. وبما أن شخصنة العلاج فرع عن الخريطة الجينية فبديهي أن غياب الجينوم العربي يعني غياب شخصنة العلاج.

إذا اكتمل مشروع الجينوم العربي فإن ثمرته ستكون خاما جيدا للمجتمعات العربية بشكل عام تقربها من اكتشاف نفسها على المستوى الجزيئي فتتقمص ثوبها أو ثوب أختها بدلا من ثياب الجيران

غير أن جهودا طموحة ظهرت في الآونة الأخيرة كانطلاق مشروع الجينوم السعودي ومثيله القطري. فمشروع الجينوم السعودي يهدف إلى تحليل الحمض النووي لمائة ألف شخص خلال خمس سنوات. وهذا رقم طموح جدا في رأينا. ولتقدير ذلك نذكر للقارئ الكريم أن بريطانيا -مهد الحمض النووي واكتشافاته- بتاريخها العلمي الطويل وخبرتها التراكمية تطمح لنفس الرقم في المدة ذاتها!

والجينوم العربي بات ضرورة ملحة اليوم من أجل صحة أفضل للأجيال القادمة. فالمعايير الصحية المعمول بها في الوطن العربي، من تشخيص وعلاج، كلها مستوردة من الغرب وكلها مفصلة على مقاس الروم. ومن الأمثلة الشاهدة على ذلك حالات عديدة من التليف الكيسي (systic fibrosis) في السعودية أرسلت إلى مؤسسة مايو كلينيك الشهيرة لتشخيصها فيؤكد نفي المرض حتى أقيم التشخيص بمستشفى الملك فيصل التخصصي فظهر أن سبب عدم التشخيص هو غياب طفرة خاصة بالبيض، يعتمدها مايو كلينيك في التشخيص.

وإذا اكتمل هذا المشروع ودرس مائة ألف تركيبة جينية موزعة توزيعا إحصائيا شاملا للبيئة الجغرافية وفئات الأعمار وغالب الحالات المرضية والطبقات الاجتماعية وأنماط الغذاء وأساليب الحياة، فإن ثمرة الدراسة ستكون خاما جيدا للمجتمعات العربية بشكل عام تقربها من اكتشاف نفسها على المستوى الجزيئي فتتقمص ثوبها أو ثوب أختها بدلا من ثياب الجيران.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة