أدب إسكندنافي   
الاثنين 1436/9/13 هـ - الموافق 29/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:35 (مكة المكرمة)، 14:35 (غرينتش)

أمير تاج السر*

اطلعت مؤخرا على رواية "المئوي الذي هبط من النافذة واختفى" للكاتب السويدي يوناس يونسون، وكانت من الروايات التي صادفت هوى لدى القراء في مختلف أنحاء العالم، وصدرت ترجمتها العربية من دار المنى، في سعيها الحثيث للتعريف بالأدب الإسكندنافي، ولا بد من الإشارة إلى رواية "عالم صوفي" الشهيرة، للنرويجي جوستاين غارنر، التي أتاحتها لنا دار المنى أيضا في ترجمة عربية.

رواية يوناس، تبدو ذكية في اختيارها لبطل عاش مئة عام بخيرها وشرها، وفر من نافذة بيت المسنين وهم يجهزون ليحتفلوا بعيد ميلاده المئة، بحضور زملائه المسنين، وإدارة البيت، ومسؤولين من السلطة المحلية لمقاطعته.

رواية معرفية
فعبر بطل بهذا العمر الوارف، يمكن للكاتب أن يتنفس بعمق في كل سطر وكل صفحة، كما يمكنه أن يكتب الأحداث الكبيرة والصغيرة، أن يكتب الزلازل والعواصف والفيضانات، إن حدثت، ولا بد وأنها حدثت في سنة ما من تلك المئة، وأيضا يكتب أشياء صغيرة مثل الابتسامات على الشفاه، والدموع على العيون، والخطوات المكسرة وهي تبحث عن درب.

الرواية مليئة بالمعرفة، التصقت فيها حياة ألن المئوي بمئات الحوادث، وفيها ما غيّر وجه التاريخ، مثل الثورات الروسية ضد حكم القياصرة، وظهور الاشتراكية اللينينية والحرب الكورية و الحرب العالمية الثانية

ولأن الرواية مشهورة بشدة وقرأها الملايين حول العالم، وبلغات بلغت الخمسين، فقد توقعت أن أحظى فيها بمتعة كبيرة، وأحصل على معرفة لم تكن عندي.

الرواية مليئة بالمعرفة، التصقت فيها حياة ألن المئوي بمئات الحوادث، وفيها ما غيّر وجه التاريخ، مثل الثورات الروسية ضد حكم القياصرة، وظهور الاشتراكية اللينينية، والحرب الكورية، والحرب العالمية الثانية، وحتى حرب الشرق الأوسط.

ولم يترك المؤلف شخصية رئيسة أو ثانوية، إلا دخل في أعماق تفاصيلها، وخرج بشيء كتبه.

ففي حين كان ألن -الذي عمل في صباه المبكر في شركة ديناميت، ثم أنشأ معمله الخاص لصناعة الديناميت- منهمكا في حياته السابقة والحالية، بعد أن فر من النافذة واختفى، نعثر على حياة كاملة لأبيه الذي فُصل من العمل بسكة الحديد بسبب عنفه، ثم هاجر إلى روسيا لينخرط في الاشتراكية، وبعدها يموت بسبب استيلائه على قطعة أرض سماها جمهوريته الخاصة، وأعلن استقلالها عن روسيا.

كما نجد حياة أمه التي كافحت لتعوله بعد سفر والده، وماتت بالسل تاركة ديونا لدى تاجر في المقاطعة، ثم نقرأ عن حيوات كثيرة لرجال ونساء يظهرون ويختفون، ولدرجة أن التفاصيل المتعلقة بحياة كل داخل في النص وخارج منه تغدو -مع مرور الوقت- عبئا قد يحاول القارئ تجاوزه بالفرار من بعض الصفحات.

لقد قيل عن هذه الرواية إنها كتبت بطريقة الكوميديا السوداء، أي كتابة المأساة بقلم ضاحك، وقراءتها بعيون تضحك أو تبتسم، ولذلك سيجد القارئ نفسه منساقا وراءها حاملا ابتسامته إلى نهايتها.

وبالرغم من أنني قرأت النص العربي، إلا أن المترجم كان -كما يبدو- بارعا في نقل بهارات النص التي كتبت باللغة الأصلية، فهناك مئات الجمل التي تثير الدهشة والإعجاب في حوارات ألن والذين يصادفهم، أو في السرد نفسه، واللغة جيدة بما يكفي ليردد القارئ في النهاية أنه استمتع بهذا النص، ويود أن يقرأ لهذا الكاتب مرة أخرى.

واقعية سحرية
شيء آخر أعتبره من ضمن مخصصات أسلوب الواقعية السحرية، وهو كتابة الدهشة كأنها لا دهشة، أي كتابة مفارقة ما بوصفها شيئا حادثا ومبررا، وهو الأسلوب الذي أعشقه شخصيا، وأعتمد عليه في كثير من كتاباتي.

فحين يجد القارئ بطلا مثل ألن يعيش في إحدى مقاطعات السويد، مسؤولا عن صراع بين الاشتراكية والرأسمالية، مثلا، أو اندلاع حرب قبلية في مكان ما، فلا بد أن يندهش، لكنّ صيغة الكتابة تحيل الدهشة غير المصدقة إلى دهشة مصدقة لكل حرف قيل.

"المئوي الذي هبط من النافذة واختفى" تضيف كثيرا لمكتبة الرواية العالمية، وبوصفها أدبا إسكندنافيا، تؤكد على ثبات ذلك الأدب ومنهجيته، واحتلاله مكانة جيدة في نفوس القراء

"المئوي الذي هبط من النافذة واختفى" تضيف كثيرا لمكتبة الرواية العالمية، وبوصفها أدبا إسكندنافيا، تؤكد على ثبات ذلك الأدب ومنهجيته، واحتلاله مكانة جيدة في نفوس القراء.

لقد كانت "عالم صوفي" المكتوبة عام 1991 مدخلا ممتازا ليتعرف القارئ البعيد على أدب أوروبي غير متداول كثيرا، وقد حكت حوارات الطفلة صوفي والمفكر الذي يراسلها، كل تاريخ الفلسفة تقريبا، ودخلت في مجال روايات المعرفة المهمة، وكانت ممتعة برغم تعرضها لمادة خالية تقريبا من الإمتاع.

وظهرت أيضا عام ٢٠٠٥ أولى روايات الصحفي السويدي الراحل إستيغ لارسن، من ثلاثيته "ثلاثية القرن"، بعنوان "الفتاة ذات وشم التنين"، بعد وفاته بعام، وكان قد كتب تلك الروايات ولم ينشرها في حياته، لتصبح وبسرعة كبيرة، أهم روايات الإثارة في العالم، وكانت بوابة كبرى اقتحم بها الأدب الإسكندنافي حصون الآداب العالمية، ثم تعاقب نشر الثلاثية، وحظيت بنفس الحظ، وتحولت إلى أعمال سينمائية، ذات جمهور عريض.

وقد قرأت العام الماضي إحدى هذه الروايات الثلاث، وكانت كما يجب أن يتوقع القارئ لكاتب يحكي عن الجريمة. والآن ومن منشورات دار المنى أيضا توجد رواية اسمها "تعال لنسرق الخيول"، حاصلة على جوائز عدة، وتبدو مغرية بالقراءة.

كنت عبّرت منذ فترة عن اقتناعي بأن الآداب في العالم جميعها تتشابه، بمعنى أن الفكرة التي قد تخطر لكاتب عربي في بلد عربي، يمكن في نفس اللحظة أن تخطر على بال كاتب أميركي أو مكسيكي.

فالذي يحب فتاة في رواية مصرية تتعطر بعطر كوكو شانيل، سيكون هناك ثمة شبيه له في فنزويلا، يحب فتاة بنفس مقاييس الجمال تضع العطر ذاته.

والذي تخطر له فكرة انتحار سائق عربة أجرة في الخرطوم بسبب أن امرأة جميلة حدثته عن الحب وإمكانية أن تحبه شخصيا، سيجد من كتب هذه الفكرة عند سائق عربة أجرة، في كوالالمبور، مثلا.

لكن ومع توغلي في بعض الآداب الجديدة علي، مثل الأدب الإسكندنافي والإندونيسي بعد قراءتي لرواية "عساكر قوس قزح"، بدأت ألاحظ فروقات ما، ربما هي ما يمنح تلك الآداب سمعة كبيرة.
________________ 

* كاتب وروائي سوداني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة