البوليساريو: لا حل للمشكلة الصحراوية إلا بالاستفتاء   
الثلاثاء 1430/5/25 هـ - الموافق 19/5/2009 م (آخر تحديث) الساعة 19:41 (مكة المكرمة)، 16:41 (غرينتش)
عبد العزيز: لا يمكن إيجاد حل خارج عن المواثيق الدولية واحترام حق تقرير المصير
(الجزيرة نت) 

أجرى الحوار: أحمد فال
 
أكد رئيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو) محمد عبد العزيز أن الاستفتاء على حق تقرير المصير هو الحل الوحيد لحل مشكلة الصحراء الغربية، وذلك في لقاء أجرته الجزيرة نت معه في جوهانسبرغ على هامش مشاركته في مراسم تنصيب جاكوب زوما رئيسا لجنوب أفريقيا، هذا نصه:
 

 

 

ما هي وضعية المفاوضات غير المباشرة بينكم وبين المغرب هذه الأيام؟

في الظرف الحالي ليست هناك مفاوضات غير مباشرة. فمنذ 1996 ومنذ قام وزير الخارجية الأميركي السابق جيمس بيكر بتبنى الملف الصحراوي بصفة شخصية ودخول الأمين العام للأم المتحدة على الخط، تم تجاوز مرحلة  المفاوضات غير مباشرة مع المملكة المغربية ودخلنا في مفاوضات مباشرة تحت مظلة الأمم المتحدة.

كانت المفاوضات مباشرة في لشبونة ولندن وهيوستن وبرلين وجنيف في عهد بيكر، وحصل انقطاع بهذه المفاوضات ليبدأ تفاوض مباشر أيضا بيننا والمغرب تحت إشراف المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة منذ العام 2007.

نظمنا أربع جولات من المفاوضات المباشرة بالولايات المتحدة بين طرفي النزاع. أما الآن فقد أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا في أبريل/ نيسان الماضي يدعو فيه إلى دخول الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة من أجل التوصل لحل سياسي يضمن حق الشعب الصحراوي في حق تقرير المصير.

المغرب اقترح حكما ذاتيا موسعا وأنتم لا ترضون بغير الاستفتاء، ما هو الحل غير العادي الذي يمكن أن تقترحه اليوم؟

المشكلة أننا نحتاج إلى تسوية إرث استعماري لا يمكن أن يحل إلا عن طريق تراض عالمي تدون بنوده بملفات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وحركة عدم الانحياز استنادا إلى احترام مبدأ حق تقرير المصير.

هذه هي الطريقة الوحيدة التي اتفق العالم على إمكانية حل صراعات الإرث الاستعماري بواسطتها. وعليه فلا يمكن إيجاد حل متفق عليه خارج عن المواثيق الدولية واحترم حق تقرير المصير باعتبار الصحراء الغربية هي قضية تصفية استعمار. أما فيما يتعلق بما يسمى المقترح المغربي أو الحكم الذاتي فهو شيء غير وارد.

لماذا؟

اللهم إلا إذا جاء نتيجة قرار من طرف الشعب الصحراوي في استفتاء لتقرير المصير، تكون فيه عدة خيارات من ضمنها الاستقلال ومنها كذلك الحكم الذاتي، لأن المغرب الآن لا يملك السيادة على الصحراء الغربية حتى يمنحها "حكما ذاتيا". فمالك السيادة الوحيد من وجهة نظر القانون الدولي على الصحراء الغربية هو الشعب الصحراوي.

إذن، تعطى الكلمة للشعب الصحراوي لكي يقرر هل يمسك السيادة لنفسه أم يتنازل عنها لفائدة الحكومة المغربية. هذا هو الحل الوحيد. وعليه فإن ما يسمى الحل المغربي سابق لأوانه تماما.

لقد طالبنا باسم جبهة البوليساريو والجمهورية الصحراوية بالصحراء الغربية كدولة مستقلة تسمى الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، والمملكة المغربية طالبت بالسيادة على الصحراء الغربية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من المملكة المغربية.

هذان موقفان متباعدان متناقضان. لكن لابد من حل وسط بين الموقفين، هذا الحل الوسط هو إعطاء الكلمة للشعب الصحراوي في استفتاء شعبي، على أن تطرح كل الخيارات أمامه ليختار ما يشاء. نخيّر الشعب في هذا الاستفتاء بين: الاستقلال التام، أو الانضمام للمملكة المغربية، أو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وعندما يختار الشعب الصحراوي في إطار استفتاء حر ديمقراطي بإشراف الأمم المتحدة، يتعين على كل الأطراف الالتزام بالخيار النهائي للشعب الصحراوي.

لو وقف العالم اليوم وقال لكم إن هذا الصراع يجب أن ينتهي وعلى كل طرف أن يقدم تنازلا نوعيا، ما هو التنازل الذي يمكن أن تقدموه؟

لا نملك ولا المغرب يملك ولا الأمم المتحدة تملك ولا المراقبون الدوليون يملكون الحق في التصرف في السيادة على الصحراء الغربية. فالشعب الصحراوي يملك هذا الحق حصريا. الصراع على السيادة وليس على أي أمر آخر، والسيادة ملك حصري للشعب الصحراوي. وعليه فلا بد من إعطاء الكلمة الفصل في البداية لأصحابها وهم المواطنون الصحراويون، وحتى نحن في جبهة البوليساريو وفي الجمهورية الصحراوية لا نملك هذا الحق.

المواطن العربي المتابع لهذا الصراع قد يقول ما هي حاجتنا لميلاد دولة عربية جديدة فنحن نحتاج إلى الاتحاد أكثر من حاجتنا للتفرق، كيف تنظرون لهذا الموقف؟

نقبل هذه الحجة وتقنعنا لو أن كل العرب بمن فيهم الكويتيون قالوا مرحبا باجتياح الكويت من طرف العراق وقالوا نحن لا نحتاج دولة إضافية. أما الإيمان بنصف الآية والكفر بنصفها الآخر فهو أمر غير مقبول.

لو أن إسبانيا وفت بالتزامها للشعب الصحراوي واعترفت بنا قبل اتفاقها مع الحكومة المغربية وحكومة ولد داداه الموريتانية على تقسيم الصحراء وقدمت ملفنا للعالم مع أميركا وفرنسا، لصفق العالم كله لاستقلالنا بما فيه العالم العربي. أما أن يقرر الشعب الصحراوي التشبث بحقوقه المشروعة رغم أنف  الاستعمار والعالم الغربي فهنا لا نسمع صوت هذا الشعب لأن إسبانيا وأميركا قالتا لا.

نحن ندعو إخواننا وأهلنا وعمقنا الإستراتيجي والأبدي في العالم العربي إلى مراجعة هذه النظرة. ونقول لهم إن هناك بلدا عربيا، أرضا عربية، يسكنها شعب عربي بدوي أصيل يؤمن بالحرية والوحدة أكثر من أي بلد آخر في العالم العربي. يؤمن بقيام الدولة العربية الواحدة ويؤمن بأن الأصول واحدة والمستقبل واحد لكنه متشبث إلى الموت بالدفاع عن الحرية والكرامة ولا يقبل الإهانة ولا الاستسلام، لا يقبل أن يكون قطيعا من العبيد في الوقت الذي انتهت فيه العبودية إلى الأبد.

هناك من يرى أن جبهة البوليساريو إنما هي أداة بيد الجزائر إن ارتفعت أسهم الخارجية الجزائرية ازدهرتم وإن تأثرت تأثرتم، هل هذا التشخيص للحالة دقيق؟

لا، جبهة البوليساريو حركة تحرير وطنية أصيلة أنشأها الشعب الصحراوي للدفاع عن حقه المشروع في الحرية وتقرير المصير والاستقلال. قاومت ضد الاستعمار الإسباني في الوقت الذي كان فيه المغرب وموريتانيا في عهد المختار ولد داداه يذهبان إلى الأمم المتحدة وتقولان إنهما مع حق تقرير المصير.

نحن قاومنا من أجل تقرير المصير، وعندما انسحبت إسبانيا استمرت مقاومتنا من أجل نفس الهدف وعشنا في كل المراحل مقاومين. فقد عشنا العالم بقطبين وبقطب واحد. عشناه متصارعا على أساس أيديولوجي وعلى أساس ديني، وبقينا صامدين واقفين ولم نكن أداة في يد أي أحد. لم يستعملنا أحد ولن يستعملنا أحد ضد آخر، إنما ندافع من أجل مبدأ دافعت عنه كل الشعوب. دافع عنه الموريتانيون والجزائريون والشعب المغربي. نريد تصفية إرث الاستعمار والسيادة الكاملة على أراضينا.

مخطئ من ينتظر استسلام الشعب الصحراوي أو جبهة البوليساريو. قيل عنا إننا صنيعة بترول بومدين وعندما ينتهي سننتهي. مات أبو مدين رحمه الله وبقي الشعب الصحراوي صامدا وبقيت جبهة البوليساريو. قالوا إننا امتداد للقذافي وتحول القذافي إلى المغرب ووقعوا "اتفاقية وجدة" وبقي الشعب الصحراوي واقفا.

قالوا إننا امتداد للاتحاد السوفياتي واللون الأحمر، انتهت الشيوعية وبقي الشعب الصحراوي واقفا. هذه قضية تصفية إرث استعمار تحل عن طريق احترام مبدأ تقرير المصير، وهذه آخر مستعمرة في أفريقيا.

لكن الناس يعيشون بالمخيمات منذ 35 سنة في ظروف صعبة، إلى متى المعاناة؟ لماذا لا تبحثون عن حلول ولو من باب إمساك العصا من الوسط؟ وهل يمكن أن تعيش دولة كاملة في مخيمات؟

المعاناة التي يعيشها الشعب الصحراوي منذ 1975 إلى يومنا هذا أكبر مما ذكرت ومما تتصور. معاناة حقيقة، تشريد وتشتيت وتقتيل بالمروحيات. تقتيل في السجون، محاولة إبادة حقيقية من طرف المملكة المغربية. جزء هام من مواطنينا يعيشون في مخيمات في ظروف قاسية لا يتساقط فيها المطر ولا يوجد فيها كلأ وتندر فيها المياه.

كأن الناس يعيشون في سجن جماعي خلف حزام الذل والعار الذي تقيمه المملكة المغربية على تراب الصحراء الغربية. هذا واقع.

لكن، هل الحل في الاستسلام؟ لا يمكن. فشعب جنوب أفريقيا أسس حزب المؤتمر الوطني الأفريقي عام 1912، ولم ينتصر إلا في التسعينيات. وعندما يتخيل الإنسان ما كنا عليه في الثمانينيات والسبعينيات لا يتصور المرء أن حزب المؤتمر سيقود جنوب أفريقيا بهذه الطريقة الديمقراطية.

ورغم كل الظلم انتصر الحق وانتصر حق تقرير المصير، ونفس الشيء في منطقتنا: قرن ونصف القرن من الاستعمار والمقاومة ومليون ونصف المليون من الشهداء، وفي النهاية انتصر حق تقرير المصير، وانتصرت الحرية والكرامة. وعليه فالشعب الصحراوي مؤمن وموحد أكثر من أي وقت مضى على حقه، وعلى أنه مس في كبريائه وأنه عومل كرغيف خبز قطع بموس كقطيع حيوانات، لكنه يرفض هذه المعاملة وهذه الرؤية وسيقاوم حتى يستعيد حقوقه، ولنا في تجارب الزمن الحافز والملهم على الاستمرار حتى الاستقلال الوطني إن شاء الله.

ليس معنى هذا أن هناك عداء أبديا للشعب المغربي أو نظامه، بل على العكس فنحن نعتبرهم إخوانا وجيرانا، وسيأتي اليوم الذي نبني فيه المستقبل يدا بيد لكن في ظل الاحترام المتبادل والتعاون البناء.

نسمع دائما أن أفرادا خرجوا من عباءة البوليساريو وذهبوا إلى المغرب، وأن آخرين نازعوكم السلطة نتيجة خلاف داخلي أو ملل من هذا الصراع. ما حقيقة ذلك؟

 هناك أمر مهم وهو أنه سنة 1991 وعدتنا الأمم المتحدة أنها ستنظم استفتاء حول تقرير المصير في ظرف ثمانية أشهر. قالوا لنا يومها "أعطونا وقف إطلاق النار نعطيكم استفتاء" وقالها ملك المغرب الحسن الثاني رحمه الله والتزم التزام شرف بما قال.

فتوقعنا أن المشكلة ستحل بسرعة. في 21 مايو/ أيار 2005 سئم الصحراويون هذا الانتظار، وشعروا بنوع من التلاعب بهم خاصة في ظل السلطة الجديدة بالمغرب حيث شعروا أنه في ظل السلطة الجديدة وبعد وفاة الحسن الثاني تم التراجع عن التزامات كثيرة من بينها استفتاء حق تقرير المصير.

بدأنا بنوع جديد من المقاومة السلمية سماها أهلنا الانتفاضة. هذه الانتفاضة ما تزال مستمرة يشارك فيها النساء والأطفال والرجال. المفاجئ أن المتتبع، حتى لو كان مغربيا، سيلاحظ أن قادة هذه الانتفاضة هم الأطفال الذي ولدوا تحت الاحتلال المغربي.

أطفال لم يعرفوا إلا العلم المغربي والتعليم المغربي والإعلام المغربي، لكنهم متشبثون باستقلالهم تحت جبهة البوليساريو، لذلك ترى الأطفال اليوم في عمر خمس وست سنوات داخل خط السيطرة المغربية يكررون "لا بديل لا بديل غير حق تقرير المصير.. عاشت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب".

أما الادعاءات التي ذكرت فلا تهمنا كثيرا. كل ما نقوله دعوا الاستفتاء ينظم رغم شروطه الكثيرة التي في صالح المغرب، والتي تنص على أن ينظم بحضور خمسة وستين ألف جندي مغربي وإدارة مغربية.

رغم كل ذلك دعوا الناس يصوتون، وإذا كانت جبهة البوليساريو لا تحظى بدعم الصحراويين سيصوت الناس للمغرب. لا أنفي لك أن أشخاصا يتساقطون، تعبوا، اشترتهم المخابرات المغربية لكن ليس لهم من الأمر الشيء، فالقضية أكبر منهم ومني ومن أي أحد لأنها قضية شعب يحرسها الطفل والمرأة والشيخ الهرم.

هل أفهم من كلامكم أن تعاطي الحسن الثاني مع قضيتكم كان أكثر عدلا برأيكم من محمد السادس؟

لا أريد الغوص في تقييم أشخاص خاصة إذا تعلق الأمر بزعماء دول. لكن ما أقوله إن الحسن الثاني سنة 1981 نادى باستفتاء لتقرير المصير، وإنه ذهب معنا وتفاوض في إطار الأمم المتحدة حتى اتفقنا على خطة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء.

الحسن الثاني اتفق معنا على أن تكون صيغة السؤال كالتالي "هل تريدون الاستقلال أم تريدون الانضمام للمغرب" ووقع معنا كل الاتفاقيات، وكنا نسير ببطء لكننا كنا نتقدم.

مع وفاته (رحمه الله) وقع تراجع مؤسف لا يساهم في الحل ولا في تجاوز العقبات، وتركتنا السياسة المغربية التوسعية في هذا الواقع منذ سنة 1956. ففي البداية طالبوا بموريتانيا ثم بأجزاء هامة من الجزائر، وبعد ذلك جاء دور الصحراء الغربية.

كيف تقيمون تعاطي الحكومات والشعوب العربية مع قضيتكم؟

نعترف أن الدولة المغربية بمكوناتها سبقتنا للساحة العربية، وهذا أمر طبيعي لأنهم أكبر منا واستقلوا قبلنا وشوهونا منذ البداية. وعندما بدأنا سنة 1975 ندق الأبواب العربية وجدنا وجهة النظر المغربية مسيطرة مما صعب مهمتنا في اختراق عمقنا وبعدنا الإستراتيجي المتمثل في العالم العربي. رغم ذلك فإن الزمن في صالحنا والصورة تتضح شيئا فشيئا، وهناك تفهم أكثر وهناك تفاوت في نظرة الدول العربية لقضيتنا، والموقف العربي الرسمي يقول "نحن في حياد ونترك الأمر للأمم المتحدة" ونحن نعتبر هذا موقفا إيجابيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة