كيف وجدت الكلمات العربية طريقها للألمانية؟   
السبت 1434/11/2 هـ - الموافق 7/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 5:40 (مكة المكرمة)، 2:40 (غرينتش)
يُفاجأ بعض الألمان عندما يكتشفون أثناء تعلمهم العربية أن لغتهم الأم تتضمن كلمات ذات أصل عربي (الجزيرة)
تزايد في السنوات الأخيرة اهتمام الألمان بتعلم اللغة العربية. وسرعان ما يُفاجأ بعضهم عندما يكتشف أثناء الدروس أن لغته الأم تتضمن العديد من الكلمات ذات الأصل العربي، فكيف وجدت كلمات لغة الضاد طريقها إلى لغة غوته؟

قلة هم من يعرفون أن اللغة الألمانية قد استقت أيضا من اللغة العربية عددا من الكلمات والمصطلحات في عدة مجالات، سواء تعلق الأمر بالرياضيات أو بأسماء النباتات وغيرها. وقد اندمجت هذه الكلمات في اللغة الألمانية ودخلت القواميس إلى درجة أنه أصبح من الصعب التكهن بأصولها العربية.

وحسب الباحث الألماني المتخصص في علم اللغات المقارن أندرياس أونغار، فإن عدد الكلمات ذات الأصل العربي المتداولة في اللغة الألمانية -مثل سكر وقهوة وكحول وجبر- يتجاوز مائة كلمة.

ويوضح أونغار -الذي وثق كيفية دخول الكلمات العربية إلى اللغة الألمانية في كتابه الصادر حديثا "من الجبر إلى السكر.. الكلمات العربية في اللغة الألمانية"- أن تاريخ انتقال المفردات العربية إلى الألمانية يعود إلى القرون الوسطى.

أندرياس أونغار:
عدد الكلمات ذات الأصل العربي المتداولة في اللغة الألمانية -مثل سكر، قهوة، كحول، جبر- يتجاوز مائة كلمة

واسطة لاتينية
ويقول أونغار -في حوار مع DW عربية أجراه عبد الرحمن عمار- إن "الكلمات العربية انتقلت إلى الألمانية عبر الإسبانية والفرنسية والإيطالية بالأساس، وهي لغات شعوب البحر الأبيض المتوسط التي كانت تتواصل عن قرب مع العرب خصوصا في الأندلس، أو إبان الحروب الصليبية أو أثناء عمليات التبادل التجاري".

ورغم أن اللغة اللاتينية كانت في تلك الحقبة التاريخية لغة العلوم والنخب المثقفة في أوروبا، فإنه كانت هناك لغات أخرى متداولة بين عموم الناس تطورت فيما بعد إلى الفرنسية والإيطالية والإسبانية، وهي التي انتقلت الكلمات العربية إليها من اللاتينية.

من جهته، يرى بسام الصباغ -وهو مدرس للغة العربية في ألمانيا وباحث في علم اللغات- أن العديد من الكلمات العربية "انتقلت في حقبة ما قبل الإسلام إلى اللغة اليونانية ومنها إلى اللغات الجرمانية، التي تطورت منها فيما بعد الألمانية وعدد من اللغات الأوروبية الأخرى".

وأضاف صباغ أن الآراء مختلفة في تاريخ وكيفية انتقال الكلمات العربية إلى اللغة الألمانية، إلا أن الأكيد هو أن التطور العلمي والتقني الذي شهده العالم الإسلامي في القرون الوسطى قد ساهم في انتشار هذه المفردات في أوروبا.

تغير وثبات
وأوضح أونغار أن تبوء المسلمين مكانةً متقدمة في جميع المجالات العلمية في القرون الوسطى، "بهر الغرب المسيحي ودفعه إلى استيراد المنتجات الزراعية والتقنية وأسماء النباتات والأعشاب، إضافة إلى النظريات العلمية التي طورها العرب".

واحتفظ الغرب -ومن بينهم الألمان- بالأسماء العربية الأصلية للعديد من المنتجات والآلات التي أدخلها العرب إلى أوروبا عبر الأندلس، على غرار القطن والجبس والقهوة والسكر وآلة العود الموسيقية وغيرها من الكلمات.

بسام الصباغ:
العديد من الرموز الرياضية هي ذات أصل عربي رغم أنها لا تبدو كذلك، مثل الحرف "x" (في السابق xei) في الرياضيات الذي يرجح أن يكون أصله كلمة "شيء"

أما المعاني الأصلية لبعض الكلمات العربية الأخرى فقد تغيرت وأصبحت لها معان أخرى، مثل كلمة "صفر" التي يقصد بها في الألمانية "رقم"، أو "الكحول" التي يقصد بها في الألمانية "الخمر ومادة الكحول المستعملة في الكيمياء"، ولم تعد يقصد بها المادة السوداء التي تستخدم لتزيين العيون، كما يشير إلى ذلك أونغار.

في المقابل، يشير الباحث بسام الصباغ إلى أن العديد من الرموز الرياضية ذات أصل عربي رغم أنها لا تبدو كذلك، مُستشهدا بالحرف اللاتيني "x" (في السابق xei) في الرياضيات الذي يرجح أن يكون أصله كلمة "شيء". كما أن علم الجبر -الذي طوره العرب- يعد مادة رئيسية في علم الرياضيات بالمدارس الألمانية.

كلمات جديدة
وقد وجدت كلمات عربية أخرى -عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001- طريقها إلى اللغة الألمانية خاصة عبر الصحف ووسائل الإعلام، على غرار "الجهاد"، "الجهاديون"، "السلفية"، وهي كلمات اقترنت بمعان سلبية، وغالبا ما يربطها الناس في ألمانيا بـ"الإرهاب".

وهو ما يتأسف له العديد من المسلمين العرب الذين يعيشون بألمانيا مثل طالب علوم التربية في جامعة بامبرغ الألمانية عبد الغني اليازيدي الذي يقول إن "هناك صحفيين يستخدمون الكلمات العربية للعديد من الظواهر السلبية لإعطاء القارئ الانطباع بأن ذلك من صلب الثقافة العربية"، وهو ما يعطي هذه الكلمات صورة سلبية لكونها "مرتبطة بالعنف".

وينتقد عبد الغني ما يصفه بـ"تجاهل ذكر الحقب المشرقة والمزدهرة في العالم الإسلامي التي كان لها فضل كبير فيما وصلت إليه أوروبا"، لافتا في هذا السياق إلى ما استفاد منه الأوروبيون من خلال نقلهم وتطوريهم لما توصل إليه العرب من تقدم في عدة مجالات علمية.

أما أندرياس أونغار فيؤكد ضرورة ألا ينسى الألمان أن "الجذور العربية تمثل جزءا -ولو كان صغيرا- في الثقافة الألمانية".
_______________
التقرير ينشر ضمن برنامج نشر مشترك بين الجزيرة نت ودويتشه فيلله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة