السودان.. سيناريو نهاية سعيدة لرواية تراجيدية   
الأحد 13/10/1424 هـ - الموافق 7/12/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

عثمان كباشي

ما يجري في السودان هذه الأيام من تطورات بشأن اتفاق السلام المتوقع بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان يرفع من وتيرة التفاؤل لدى السودانيين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، بيد أنه يصيب المتابع لهذا الشأن بالدهشة، هذا إن لم نقل بما يشبه الدوار وذلك بسبب تسارعه وتلاحق تطوراته.

فالتحولات في المشهد السياسي السوداني آخذة في التسارع للدرجة التي يصعب معها رصدها وملاحقتها. غير أن الخبر الأكيد الذي يستطيع المراقب أن يعلنه وبكل وثوق هو أن السلام آت إلى السودان لامحالة، وأن سيناريو النهاية السعيدة لتلك الرواية الموغلة بتراجيديتها في فصوله الأخيرة، وأن ما يجري في منتجع نيفاشا بكينيا من مباحثات هذه الأيام ليس سوى لمسات لتجميل ذلك السيناريو.

يوم الأربعاء الماضي (3/12/2003) بدأت الحركة الشعبية التي يتزعمها العقيد جون قرنق نشاطها العلني في الخرطوم وكشفت قبل ذلك عن كوادرها السرية هناك.

ظهر المتحدث باسم الحركة في الخرطوم رمضان محمد عبد الله في بث مباشر من مكتب الجزيرة بالخرطوم ليعلن أن الحركة "ستعمل على تنظيم صفوفها كحزب سياسي وحدوي يعمل من أجل بناء سودان على أسس جديدة"، متوقعا أن يجد ذلك صدى كبيرا في الشمال وليس في الجنوب وحده الذي تنتمي إليه الحركة جهويا وتاريخيا. وقد كان ذلك أمر لو حدث قبل عدة شهور لأدى بأصحابه إلى غياهب المعتقلات على أفضل الفروض.

ويوم الجمعة الذي أعقب ذلك اليوم سارع رئيس التجمع الوطني المعارض محمد عثمان الميرغني ليلحق بقطار الاتفاقات ووقع اتفاقا في جدة بالسعودية مع علي عثمان محمد طه النائب الأول للرئيس السوداني نص -ضمن ما نص من بنود- على ضرورة "التداول السلمي للسلطة ونبذ العنف بكافة أشكاله في العمل السياسي"، وأن يتم ذلك عبر" تبني الديمقراطية نظاما للحكم وإطلاق حرية العمل السياسي لكل القوى والأحزاب".

جانب من مراسم استقبال وفد الحركة الشعبية في الخرطوم
وفي عصر نفس اليوم وصل وفد من الحركة الشعبية إلى الخرطوم في زيارة تاريخية هي الأولى منذ تأسيس الحركة عام 1983. وكان في استقبال الوفد بمطار الخرطوم آلاف المواطنين وبعض الحكوميين. وقد تكون من 12 شخصا يتقدمهم مدير الأمن والاستخبارات العسكرية للحركة إدوراد لينو والمتحدث باسمها ياسر عرمان ورئيس الوفد التفاوضي للحركة في نيفاشا باقان أموم وقائد الحركة في جبال النوبة عبد العزيز الحلو وقائد الحركة بالنيل الأزرق مالك عقار.

وقد أصبحت العاصمة السودانية كخلية نحل، وبنفس الإيقاع المتسارع باشر وفد الحركة لقاءاته مع رموز الحكومة واللاعبين الرئيسيين من القوى السياسية الأخرى.

وفي نفس السياق التقى الرئيس عمر البشير بزعيم حزب الأمة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي، "في إطار المناخ السياسي السائد" بعبارات الأمين العام لحزب الأمة الدكتور عبد النبي على أحمد، ولأن "القوى السياسية الرئيسية عاكفة على صيغة تؤمن السلام العادل والتحول الديمقراطي"، على حد ما ذكر أيضا.

وبالطبع لم تكن تلك التطورات فجائية رغم تسارعها، فقد كانت كل المعطيات -ما ظهر منها وما خفي- تشير إلى أن المحصلة النهائية ستكون كما بدت لوحة المشهد السياسي السوداني.

كل المؤشرات والدلائل تشير إلى أن السلام قادم إلى السودان (بيد السودانيين أنفسهم أو بيد عمرو)، يؤكد ذلك تصريحات الرسميين والمراقبين العليمين ببواطن الأمور. والسلام العادل والتحول الديمقراطي الحقيقي هما ضالة السودانيين في هذه اللحظات التاريخية من عمر البلاد. ويجب الإمساك بهما جيدا من أي جهة جاءا.
_________________
*الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة