البوسنة.. اختبار التعددية في أوروبا   
الأربعاء 1435/6/24 هـ - الموافق 23/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 2:05 (مكة المكرمة)، 23:05 (غرينتش)

محمد طارق-سراييفو

أسئلة كثيرة يطرحها البوسنيون حول مستقبل بلادهم في المنظومة الأوروبية، ومدى صدقية الادعاءات الأوروبية عن التعددية الثقافية والدينية والإثنية، خاصة بعد حرب البلقان قبل نحو عقدين من الزمن.

فقد أثارت الحرب أسئلة كثيرة حول مدى قبول أوروبا بدولة مسلمة صغيرة في وسطها، ونكأت جراحا سببها النزاع التاريخي بين الشرق والغرب, وسعي المعسكرين الشرقي والغربي في القرن العشرين لتوسيع مناطق نفوذهما.

يقول حارث سيلاديتش السياسي المخضرم والمؤرخ ووزير خارجية البوسنة بين عامي 1990 و1993 ورئيس وزرائها بين عامي 1993 و1996 "إنه لا يمكن فهم ما جرى في البوسنة إلا من خلال فهم تاريخها"، فقد كانت وما زالت مركزا لصراع أوروبي تاريخي منذ ترك العثمانيون المنطقة, وحتى قبل ذلك.

سيلاديتش يتساءل: هل التعددية هي فعلا
خيار أوروبي؟ 
(الجزيرة نت)

ويرى سيلاديتش الصراع في البوسنة في هذا الإطار, ويقول إن الصراع مستمر بين المعسكرين الشرقي والغربي رغم انتهاء الحرب الباردة، مستشهدا بتجدد هذه الحرب في أوكرانيا وسوريا.

ويؤكد في حديثه للجزيرة نت أن "فلسطين والبوسنة مؤشران مهمان لفهم ما يجري في إطار هذا الصراع". وبسؤاله عن مستقبل البوسنة في أوروبا, يجيب "هل التعددية هي فعلا خيار أوروبي؟"، ويضيف أن "الجواب في البوسنة".

واقع جديد
الواقع الجديد الذي فرضته معاهدة دايتون للسلام عبر اتحاد ثلاثي بين صربسكا أو جمهورية صرب البوسنة وكرواتيا والبوسنة في رأي الكثيرين، عقبة في طريق التغيير إلى الأفضل. كما يرى كثيرون أن المعاهدة كافأت الصرب بإعطائهم جمهورية داخل البوسنة.

لكن ورغم الصعوبات السياسية التي تواجهها البلاد بسبب هيكل الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك الذي يتكون من ثلاثة أعضاء بوسني وصربي وكرواتي، لا حل سوى التكاتف للتغلب على المشكلات القائمة لتحقيق الهدف الأكبر وهو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كما حدث مع عدد من جيران البوسنة، وتنحية الأحقاد والإثنية جانبا، مع المحافظة على هوية كل طرف. هذا ما يراه سند شيبيتش عضو مجلس النواب ونائب رئيس حزب العمل الديمقراطي.

وينحي شيبيتش -وهو في الثلاثينيات من عمره- التاريخ جانبا، ويريد أن يرى بلاده عضوا في الاتحاد الأوروبي، ويقول إن "من أهم المشكلات التي تواجه البلاد الوضع الاقتصادي والفساد وافتقار النخبة السياسية وقادة الأحزاب إلى رؤية كاملة حول المستقبل".

شيبيتش يرى ضرورة تغيير المناخ السياسي في البوسنة (الجزيرة نت)

ويفخر بأن الأحزاب السياسية الخمسة في البوسنة وقعت أخيرا على إعلان -كان أحد المشاركين في صياغته- يتعهد بالعمل سويا من أجل تنفيذ شروط الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالفساد وتطبيق نظام السوق المفتوحة. ويضيف "علينا أن نغير المناخ السياسي السائد حاليا".

ويعتقد شيبيتش أن ذلك هو الطريق أيضا نحو تغيير الدستور القائم، وهو الدستور الذي فرضته معاهدة دايتون.

ويرى أملا كبيرا في تعاون البوسنيين من أجل تغيير الواقع، مستشهدا بأن "إعداد كرواتيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي استغرق عشر سنوات، وأن البوسنة قد تحتاج لنفس الفترة من الاستعداد".

كما يرى أن وضع بلاده يختلف كثيرا عن وضع تركيا بنفوذها وحجمها الذي قد يغير تركيبة البرلمان الأوروبي، وهو ما سبب تأخرها في الانضمام إلى الاتحاد.

بوسنة التعايش
يأمل العديد من الشباب البوسنيين الذين يواجهون صعوبات كبيرة في إيجاد وظائف دائمة، أن تستطيع بلادهم التغلب على هذه الصعوبات، ويرون أن بالإمكان انصهار الإثنيات والديانات المختلفة في بلادهم.

ويقول نهاد كريشفلياكوفيتش الذي يدير مسرحا أنشأته الحكومة عام 1992 لتعزيز الحركة المسرحية والتواصل بين فئات المجتمع البوسني وقت الحرب -ولذلك سمي مسرح حرب سراييفو- إن التعايش بين الأديان في البوسنة ممكن، وإن دور المسرح الذي يديره هو تعزيز التواصل بين فئات المجتمع المختلفة.

كريشفلياكوفيتش: على البوسنيين الاستمرار في السعي للالتحاق بأوروبا (الجزيرة نت)

ويؤكد أن "السياسيين باختلافاتهم وفسادهم سيذهبون وأن ما يسجله فنه سيبقى"، لذا على البوسنيين الاستمرار في السعي لكسب عضوية الاتحاد الأوروبي التي يراها ضرورية بسبب موقع بلاده الجغرافي وعلاقاتها التاريخية بأوروبا.

وتشاطره الرؤية ذاتها أميلا ترزيمهيتش (في العشرينيات من العمر) التي تعمل ممثلة بصفة غير دائمة في المسرح، وتقول إن "العمل الذي تقوم به هو تحدٍّ لما يواجهه الشباب في بلادها لمواجهة البطالة".

وترى أن التواصل الذي يقوم به هذا المسرح وأنشطته في بلاد أوروبية كثيرة أخرى يعزز من صلات بلادها بأوروبا في فترة أصبحت فيها حرب البوسنة من الماضي.

ولدى حارث باسوفيتش مدير الإخراج المسرحي في مؤسسة "مركز الشرق والغرب" التي تموّلها الحكومة الاتحادية البوسنية جزئيا- رؤية مماثلة، ويقول إنه "يجب تغيير الدستور البوسني قبل الإعداد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي".

ويضيف أن بلاده على مر العصور استطاعت أن تكون حاضنة للديانات والإثنيات المتعددة، مستشهدا بأن كثيرين من الصرب والكروات على السواء من سكان سراييفو عانوا أثناء الحصار ما عاناه المسلمون فيها، ورفضوا مغادرتها.

ويرى باسوفيتش أن "وجود البوسنة وسط أوروبا يفرض عليها التعايش مع الآخر، وأن يقبل الآخر بمثل هذا التعايش", مؤكدا أن "التعددية قدر أوروبا".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة