سوق البخارية.. والنهوض بعد الحريق   
الأربعاء 1430/8/21 هـ - الموافق 12/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:09 (مكة المكرمة)، 13:09 (غرينتش)
أكثر رواد سوق البخارية الذي تأسس قبل أكثر من سبعين عاماً من السياح (الجزيرة نت)

محمد النجار-عمان
 
بنظراته التي لا تخلو من الحزن، كان أبو فادي يراقب ما تبقى من أسواق البخارية والبلابسة وفيلادلفيا في الوسط القديم لمدينة عمان والتي التهم حريق نهاية الأسبوع الماضي غالبية محالها القديمة.

يقول أبو فادي والغضب يتملكه "هذا حريق لتاريخ المدينة، القصة ليست حريق محال تجارية ونكبة لأصحابها فقط، بل حريق لذاكرة عمان القديمة".

وتقع الأسواق المحترقة في الوسط القديم للعاصمة عمان، أو ما يعرف بـ "وسط البلد" وتقابل المسجد الحسيني الكبير الذي يعود تأسيسه لعشرينيات القرن الماضي، بعد سنوات من تأسيس إمارة شرقي الأردن سنة 1921.

وعلى ذات الشارع يقع المدرج الروماني، وبالقرب منه جبل القلعة وأماكن تراثية يعود تاريخها لعصور حكم الرومان لبلاد الشام قبل أن تؤول لحكم الدولة الإسلامية.

أشهر هذه الأسواق هو سوق البخارية الذي أسسه كمال الدين البخاري عام 1934 في الساحة الشرقية للمسجد الحسيني، قبل أن يتعرض ذات السوق لحريق عام 1937 وينتقل إلى مقره الحالي مقابل المسجد الحسيني.

السوق يقع مقابل المسجد الحسيني أقدم مساجد عمان (الجزيرة نت)
وتحدث محمد عبده، حفيد البخاري، في وقت سابق للجزيرة نت أن جده حضر من أوزبكستان في رحلة حج مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، وزار القدس كعادة الحجاج في ذلك الزمان، واختار أن يستقر في عمان، ويؤسس السوق الذي تخصص بالمهن التقليدية.

وأتى حريق الخميس الفائت على 74 محلا غالبيتها في سوق "البلابسة" الذي يجاور سوق البخارية، والذي تخصص هو الآخر بالمهن التقليدية وبيع الأقمشة والملابس لاسيما التقليدية منها.

وقدرت مصادر تجارية خسائر المحال المحترقة بأكثر من سبعة ملايين دولار، بينما تحدث تجار وعاملون في السوق للجزيرة نت عن خسائر تتعدى الثلاثين مليون دولار.

الحفاظ على التراث
ولعل أكثر ما يهم المتخصصين بشؤون التراث والحفاظ على الشكل التاريخي للعاصمة الأردنية، هو الإبقاء على الشكل القديم للأسواق التي يرون فيها "ذاكرة مكان ترتبط بذاكرة الناس"، كما يقول المهندس مهند الخطيب.

ويرى الخطيب –وهو خبير في ترميم الآثار في دائرة الآثار الأردنية- أن سوق البخارية وما يجاوره من أسواق له أهمية معمارية كبرى كونه يحافظ على هوية العاصمة ونمطها المعماري.

محال في السوق تلمم ما تبقى بعد الحريق (الجزيرة نت)
ولفت الخطيب للجزيرة نت إلى أن أكثر رواد السوق هم من السياح، إضافة للأجيال التي تعاقبت على التسوق من هذه المحال، مشيراً إلى أن لدى دائرة الآثار دراسات حول "أهمية المحافظة على المكان والشكل التراثي القديم لمنطقة وسط البلد".

وتابع "أهمية سوق البخارية وبقية الأسواق التي تشكلت حوله أنها ترتبط بتاريخ تأسيس المملكة، إضافة لكونها أسواقا شعبية لا زال زوارها يترددون عليه رغم بناء الأسواق الكبرى وفق النمط الحديث".

ويشتهر سوق البخارية ببيع السبحات، كما يصنع العاملون فيه الأواني القديمة وحلي النساء والآلات الموسيقية التراثية لاسيما "الربابة البدوية" إضافة إلى بيع التحف التقليدية والملابس التراثية والعطور والبهارات.

ويحذر رئيس جمعية المعماريين الأردنيين خالد زعبلاوي من أي خطط لإعادة بناء الأسواق القديمة التي التهمتها النرات الأسبوع الماضي، مشدداً للجزيرة نت على ضرورة "إعادة ترميم الأسواق وتدعيمها معماريا وعدم اللجوء لإعادة بنائها".

وقال "هذه الأماكن جزء هام من تاريخ الناس في تلك المنطقة وإزالتها ستؤدي لخلل في ذاكرتهم وفي شكل المكان الذي يتوجه إليه السياح وأبناء البلد نظرا لعراقته".

وتابع "المعادلة المعمارية التي نفضلها في إعادة ترميم هذه الأماكن هي ربط الماضي بالحاضر انطلاقا للمستقبل". وزاد "حتى يكون مستقبلنا أفضل يجب أن يكون ارتباطنا بماضينا أكثر".

وبرغم إقراره بعدم وجود "معايير جمالية" في الأسواق المحترقة، إلا أن زعبلاوي شدد على أن هذه الأماكن تتحدث عن تاريخ سينتهي بانتهاء شكلها القديم.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة