شريفي: الخط العربي لا يعيش أزمة   
الأحد 1437/2/11 هـ - الموافق 22/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 2:16 (مكة المكرمة)، 23:16 (غرينتش)

حاوره/ياسين بودهان-الجزائر

يعتقد الخطاط الجزائري محمد بن سعيد شريفي الفائز مؤخرا بجائزة السلطان قابوس بسلطنة عمان عن فئة الخط العربي أن الخط العربي لا يعيش أزمة مثلما يروج له البعض، وعلى العكس من ذلك يرى أن هذا الفن على غرار باقي الفنون الإسلامية حاضر وبقوة.

وفي حوار خص به "الجزيرة نت" تحدث شريفي عن أولى بداياته في تعلم هذا الفن، وعن تجربته في كتابة المصحف الشريف برواية ورش لأول مرة بخط النسخ بعد أن كان يكتب بالخط المغربي.

ويعد محمد بن سعيد شريفي المولود عام 1935 أحد أشهر الخطاطين في الجزائر والعالم العربي، فقد عرف بكتابته للمصحف الشريف، وبتصميم العملات النقدية الجزائرية، وتتلمذ على أيدي كبار الخطاطين المصريين والأتراك، وحاز العديد من الجوائز والتكريمات محليا وعربيا.. وفي ما يلي نص الحوار:

 بداية دكتور.. نهنئكم بفوزكم بجائزة السلطان قابوس عن فئة الخط العربي، ماذا يعني بالنسبة لكم هذا الفوز؟

الجائزة شارك فيها خطاطون من دول عربية عديدة، والفائز بها يحس أنه قدم عملا جليلا لمحبي هذا الفن في العالمين العربي والإسلامي، والحمد لله على ذلك.

 نريد أن نعرف القارئ الكريم ببداياتكم الأولى، وعلى يد من تتلمذتم وأخذتم أصول وجماليات هذا الخط؟

ميولي لجماليات الخط برزت مبكرا، وتحديدا حينما كنت طالبا في الصف الثاني الابتدائي، حينها تأثرت بجمال خط معلمي في السبورة، لكني كنت أكتب باليد اليسرى، وحينما سافرت إلى القاهرة وجهني أستاذي قائلا إن الخط يكتب باليمين، وهي الملاحظة التي وجهها لي قبل ذلك أستاذي الشيخ ناصر مرموري الذي قال لي إن البركة لا تكون إلا في اليمين.

هذه الملاحظات كانت سببا كافيا لأن أتحول إلى الكتابة باليمين، لكن ذلك لم يكن بالأمر الهين، ووجدت في أولى بداياتي وأنا في عمر 24 عاما حرجا كبيرا في تعلم ذلك، وكان القلم يرمى مرات ومرات في الدواة دون أن يمد بالمدار (الحبر)، لكن بفضل الله وتوفيقه تمكنت من تجاوز المشكلة، ونجحت في مسابقة الدخول إلى مدرسة تحسين الخطوط العربية بالقاهرة، حيث حصلت على الشهادة الأولى في الخط العربي كخطاط، وكان ترتيبي الثاني على مستوى مصر.

ورغم أننا نحن -الجزائريين خصوصا- والمغاربة عموما لا نكتب خط الرقعة المنتشر على نطاق واسع بالمشرق فقد نصحني أستاذ بتعلم الرقعة من الخطاط التركي المشهور أثر محمد عزت، وبالفعل نلت المركز الأول في خطي الرقعة والثلث على مستوى جمهورية مصر.

 كتابة المصحف الشريف ربما تعد من أبرز محطاتكم، كيف عشتم هذه التجربة، وماذا يميزها؟

في الحقيقة أمنية كل خطاط عربي ومسلم هي كتابة المصحف الشريف أولا لنيل البركة، وثانيا لتقديم شيء لهذا الدين، والقرآن عندما يكتب بخط جميل يكون نورا على نور.

وقد راودتني الفكرة حينما كنت طالبا، حينها كلما أتصفح القرآن الكريم المكتوب لدينا بالخط المغربي أتساءل لماذا لا يكتب المصحف لدينا بخط النسخ الذي يتفوق لأسباب عديدة بجماله على الخط المغربي؟

كما أن خط النسخ بات مألوفا، كونه الخط المستعمل في الكتب وفي الصحف اليومية، هذا التساؤل كان الدافع الأبرز لي في أن أقرر كتابة أول مصحف كامل برواية ورش بخط النسخ.

ومن أجل إخراجه بأبهى حلة اضطررت للتواصل مع علماء الأزهر الشريف الذين تواصلوا بدورهم مع مفتي الجزائر آنذاك الشيخ بابا عمر لمدة تجاوزت العامين حتى توصلنا إلى طريقة كتابة مصحف كامل برواية ورش بخط النسخ، ويمكنني القول إن خط النسخ مكن القارئ في منطقة المغرب العربي من التواصل بشكل أكبر مع المصحف الشريف. 
إحدى لوحات الخطاط الجزائري محمد بن سعيد شريفي (الجزيرة)

 وكم استغرقت مدة كتابة المصحف كاملا؟

في الحقيقة كتابة المصحف تتباين من خطاط لآخر، وذلك حسب الوقت الممنوح لكتابته وسرعة الخطاط في عملية التنفيذ، والخطاط الذي يمنح كل وقته لذلك ينجز ذلك في عام ونصف أو عامين، لكن ذلك يبقى كما قلت رهينا لوقت ومدى سرعة الخطاط في عملية الكتابة، لكن العبرة بالنهاية في جمال الخط وإتقانه، وليس المدة الزمنية التي يكتب فيها.

 وما هي الأشياء التي ساعدتك في كتابة المصحف الشريف؟

من الأشياء التي ساعدتني على كتابته مشروعي في رسالة الدكتوراه الأولى والتي كانت حول خطوط المصاحف لدى المشارقة والمغاربة، وهي تجربة ساعدتني كثيرا على الاطلاع على نماذج للمصاحف في خط النسخ خلال القرنين الرابع والعاشر الهجريين، وقد أخذ ذلك مني وقتا طويلا تجاوز السبع سنوات.

 ألا تعتقد أن كتابة المصحف بخط النسخ قضت على الخط المغربي وأصبحت المصاحف المكتوبة بهذا الخط نادرة، الأمر الذي أثر على تطور الخط المغربي؟

نعم أثر إلى حد ما، ورغم أن الخط المغربي لديه خصوصيات وجماليات لكن تنقصه بعض الفنيات لكي يرتقي إلى الخطوط الأخرى، وحتى لا نظلم أحدا فخطوط المشارقة تضافرت عليها جهود بلدان عربية كثيرة، وكانت الخلافة قديما تشجع الخطاطين لذلك تفوق هذا الخط، وزاد تطورا حينما وصل إلى الأتراك الذين أبدعوا فيه وابتكروا خطوطا جديدة.

لكن في منطقة المغرب العربي هناك دول قليلة، وكانت قديما دويلات لم تعرف الاستقرار، وغياب الاستقرار أثر على كل الفنون وليس الخط العربي فقط، فالاستقرار هو الذي يولد الإبداع وليس العكس.

 لكن هناك من يقول إن الخط العربي في عمومه -المشرقي كما المغربي- يعاني أزمة، وإنه تراجع مقارنة بالفنون الإسلامية الأخرى؟

لا بالعكس، هناك مسابقات دولية مثل مسابقة أرسيكا التركية ساهمت في ظهور الخط وبلوغه مستويات عالية جدا، كما أن الوسائل الحديثة ساهمت في تطور وانتشار هذا الفن، والجوائز التي تعطى للمتسابقين في دول عديدة ساهمت في خلق جو تنافسي كبير.

 باعتبارك مخضرما عايشت الجيل القديم من الخطاطين وتعايش الجيل الجديد، هل ترى أن الخط العربي شهدا تطورا بين الأمس واليوم في مناهجه وجمالياته؟

في الحقيقة الجيل القديم تفوق علينا كثيرا بفضل تخصصه في هذا الإبداع، مع ذلك أقول اليوم هناك شباب سواء في المشرق أو المغرب ينهجون منهجا واعدا بحول الله. 

لوحة للخطاط الجزائري محمد بن سعيد شريفي (الجزيرة)

 بالحديث عن أثر التكنولوجيا على هذا الفن هناك برامج حاسوب ومواقع إلكترونية تعلم هذا الخط، هل تعتقد أن هذه الوسائط ساهمت في تطور هذا الفن وحافظت على جمالياته وتقنياته؟
أكيد ساهمت في تطويره، خاصة في الجانب الإبداعي من خلال تسهيل تنفيذ اللوحات، لكن بالمقابل خلقت مشكلة كبيرة تتعلق بسطو بعض الخطاطين على أعمال غيرهم، وهو أمر غير جائز ومناف للأخلاق، لذلك المفروض في المسابقات أن الخطاط يكتب أمام اللجنة حتى لا يكون هناك أي مجال للغش.

 كيف تقيمون واقع الخط العربي في الجزائر؟

الخط في الجزائر والحمد لله خطا خطوة كبيرة وسريعة، بعد حصولنا نحن الأوائل على تعليمه في بلدان عربية عديدة رجعنا إلى بلدنا الأم وعلمنا أجيالا عديدة هذا الفن، كما أن إدخال هذه المادة في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة ساهم في تفوق شباب كثيرين، حيث نجحوا في الدرجات الأولى بمسابقات عالمية عدة.

 وجود معهد عال مستقل يعتبره البعض ضرورة للحفاظ على هذا الفن وهو الأمر الغائب بالجزائر؟

بالتأكيد عندما تكون هناك مدرسة متخصصة لفن من الفنون يكون حاله أفضل، وأجدر بالارتقاء.

 وهل هناك جهود يقوم بها خطاطون لتحقيق هذا الفكرة من خلال تقديم مقترح مثلا في هذا الشأن لوزارة الثقافة؟

حاليا الأمر مجرد أمانٍ، ولا شيء أكثر من ذلك، لأن وجود فرع للخط العربي في المدرسة العليا للفنون الجميلة عوض غياب معهد متخصص، لكن نتمنى أن يتحقق ذلك مستقبلا بحول الله.

 هناك مقولة تقول إن الخطاطين لا يأكلون إلا من مآقي عيونهم، امتهان هذا الفن في وقتنا الحاضر حسب البعض لم يعد كما في السابق مصدر رزق للفنان؟

فعلا، المستوى البيئي والاجتماعي -خاصة في الجزائر- لا يشجع على الإبداع أو تنفيذ اللوحات، في بعض الدول الخليجية مثلا يشجعون الخطاطين، وتقام لهم المعارض وتشترى لوحاتهم، هناك الخطاط يمكن أن يعيش بما ينتج من لوحات، بينما نحن للأسف لم نبلغ هذا المستوى.

ومن المفترض أن تزين الوزارات ومؤسسات الدولة وأثرياء المجتمع مكاتبهم وجدران بيوتهم باللوحات الخطية، أولا لأن فيها العبرة، وثانيا تشجيعا للفن.

وأنا شخصيا أحببت هذا الفن حينما جلب والدي من رحلته للمشرق لوحات لمشايخ عدة، أهمهم عبد العزيز الرفاعي الذي أثرت فيّ لوحاته، وكانت سببا في عشقي لهذا الفن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة