طاغور يأخذ الإسبانية إلى "جدار الماء"   
الثلاثاء 1432/7/7 هـ - الموافق 7/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 22:35 (مكة المكرمة)، 19:35 (غرينتش)

الشاعر والفيلسوف الهندي طاغور (يمين) في حديقة منزله في بومباي عام 1912 مع غاندي (الألمانية) 

بمناسبة مرور 150 عاما على ميلاده، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة (يونسكو) سنة 2011 عام طاغور -هذا الشاعر الصوفي المعروف بلحيته البيضاء- حتى تتذكر الإنسانية شاعر الهند في فترة ما قبل الحداثة الذي احتضن شبه القارة بكل زخم تصوفها وعاداتها وتقاليدها دون أن يرفض الثقافة الغربية أو يعاديها.

استغل كل من المترجم الشاعر الهندي سيوهرو باندوباداهايا والشاعرة التشيلية فيوليتا ميدينا هذه المناسبة لخوض تحد جديد وتقريب قراء الإسبانية من الشعر البنغالي الذي ينبع من مايسترو الهند طاغور، وهو شعر لا يكاد توجد ترجمة له على الرغم من أنها لغة يتحدثها 230 مليون وهي اللغة الخامسة التي يتحدثها الناس في العالم.

جاء ديوان "جدار الماء" الصادر عن دار نشر أوليفانت 2011، ليضم أعمال واحد وأربعين شاعرا بنغاليا معاصرا بدءا من أربعينيات القرن الماضي وحتى العقد الحالي، وقد تم تقديم الديوان وعرضه في معرض صوريا (وسط إسبانيا) للشعر وقام بعدها بجولة في العديد من المدن الإسبانية وسيصل في الخريف القادم إلى نصف الكرة الغربي في تشيلي والمكسيك.

وقالت فيوليتا ميدينا إن "جدار الماء" -وهو اسم الديوان- يشير إلى الرياح الموسمية, المناسبة الأكثر تأثيرا في الهند والتي تمنح الحياة والانتعاش, والتي تؤدي إلى تغيير روتين الحياة في الهند، وهذا هو الغرض من هذا العمل "تغيير هذا التصور عن الهند وأكثر تحديدا عن كلكتا".

شعر بنغالي ملصق على حافلة في كلكتا (الألمانية)
الشرق والنمطية
وتؤكد ميدينا أن العمل سيفتح العديد من الأبواب أمام قراء الإسبانية وفي الوقت نفسه سيساعد على كسر القوالب النمطية عن الشرق، ومنها على سبيل المثال مفهوم أنه "كلما ازدادت شدة الفقر انعدمت الثقافة"، ومع ذلك فإن ميدينا تذكر أن ذلك غير صحيح فكلكتا تشهد حياة ثقافية هامة للغاية على الرغم من ارتفاع معدل الأمية بها.

إن الغرب لا يريد أن يرى الهند إلا من وجهة نظره الخاصة التي جعلت شبه القارة مجرد صورة ترتبط بكل ما هو روحي ومقدس وقائم على فلسفة التأمل.

ولكن الأمر ليس كذلك، فعلاوة على الشعر الصوفي فإن الهند بها أيضا شعر ملتزم يعبر عن المجتمع بكافة طوائفه، شعر يقوم على السخرية المعاصرة، وشعراء يستخدمون التشعب (HyperText) ليمكنوا القارئ من الإبحار والاطلاع على الإنترنت لينهل من المعرفة حيث كل كلمة تؤدي إلى وصلة (link)، وهناك شعر المرأة الذي تكتبه السيدات دون علم أزواجهن، بالإضافة إلى شعر الشواذ جنسيا.

تقول ميدينا إنه عمل مختلف للغاية ومع ذلك فإن به شيئا مشتركا يمكن أن يضيفه للقارئ الإسباني واللاتيني، يكمن في أنه ينبع من مخيلة مغايرة ومشاهد تستوحي صورا مختلفة، تعد مرجعيات تعكس نمط حياة يومية مختلفة ومن ثم فإنها لن تتوقف عن إثارة الدهشة لدينا.

سأحطم الحجر وأنفذ خلال الصخور وأفيض على الأرض وأملأها نغما، سأنتقل من قمة إلى قمة ومن تل إلى تل، وأغوص في واد وواد. وسأضحك بملء صدري وأجعل الزمن يسير في ركابي
حضور خفي
تذكر ميدينا أن طاغور حاضر على عدة مستويات مختلفة حيث يرد ذكره بإشارات مباشرة في قصائد عشرات الشعراء الذين ضمهم الكتاب, حتى الحضور الخفي لظل شاعر عبقري ذي بصمة لا تمحى على الرغم من أن الأجيال الجديدة قررت أن تكتب شعرا أكثر بساطة وأن تنفض عن كاهلها تأثير شعر المايسترو وأن تختار أصواتا خاصة بها تعبر عنها.

ورغم ذلك فطاغور لا يزال حاضرا في إشارات وفي صور من خلال شعره الصوفي الأكثر إلحاحا الذي ينبع من الواقع اليومي المعاش.

والمفارقة أن تيار الحداثة ولد في الشعر البنغالي، تلك اللغة التي أصبحت واحدة من بين 28 لغة رسمية تعترف بها الهند، من رحم الثورة على أنماط شعر طاغور ليصبح هذا العالم الشعري غارقا في متناقضات العالم الحديث المليء بالإحباطات.

ويمكن القول إن هذا العمل هو بمثابة تحد، نظرا لأنه يمثل قطرة من بحر الشعر البنغالي العميق الذي يتم نقله إلى اللغة الإسبانية.

يذكر أن الشاعر والفيلسوف الهندي رابندرانت طاغور (1857-1941) الذي تربى في كنف أسرة ميسورة الحال من الجانب البنغالي في كلكتا، كان يقول عن نفسه: "سأحطم الحجر وأنفذ خلال الصخور وأفيض على الأرض وأملأها نغما، سأنتقل من قمة إلى قمة، ومن تل إلى تل، وأغوص في واد وواد. وسأضحك بملء صدري وأجعل الزمن يسير في ركابي".

إنه الشاعر الذي وصف نفسه بأنه "كالبخور لا ينتشر عطره ما لم يحرق وبأنه كالقنديل لا يشع ضوءه ما لم يشعل".

كما يعد طاغور شاعر الطبيعة والروحانيات والجمال الصوفي الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1913 والذي يعد المرجعية الوحيدة للشعر الهندي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة