صحوة روسية لاستعادة دور الكنيسة   
الاثنين 23/10/1422 هـ - الموافق 7/1/2002 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

موسكو - علي الصالح
طغت احتفالات الكنيسة الأرثوذكسية بعيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام الموافق اليوم السابع من يناير/ كانون الثاني وفق التقويم الشرقي على عناوين وافتتاحيات الصحف الروسية التي اعتبرته بما يشبه الإجماع مناسبة أخرى لاستعادة دور وهيبة الكنيسة الروسية في المجتمع الروسي بل واستعادة الكنيسة الروسية للقب "روما الثالثة", إلى جانب تقويمات متنوعة لنتائج العام الماضي ومستقبل العلاقات مع أميركا على ضوء المتغيرات الجيوسياسية في منطقة آسيا الوسطى والشرقية.

الحب والإيمان
تحت عناوين متنوعة منها "الحب والإيمان" و"افتحوا النافذة لنجمة الميلاد" و"الله والوطن", نشرت الصحف الروسية القليلة التي استأنفت الصدور بعد أعياد رأس السنة رسالة غبطة بطريرك موسكو وعموم روسيا أليكسي الثاني إلى المسيحيين الأرثوذكس في روسيا والعالم.

فقد أبرزت صحيفة برلامنتسكايا (البرلمانية) دعوته المسيحيين لمقاومة الشر بحزم وجرأة أينما كان وقوله "لا يحق لنا السكوت عندما يفسدون أطفالنا, ويروجون للفسق والإدمان, ويشرعون مفاهيم الخدعة والسرقة" وعلى كل مسيحي أن يقاوم عدوانية الشر ويروج لمثل الخير. ولم يعد يحق لنا تجاهل الخطر والتقوقع في سبات وخمول".


إقبال الأطفال على الكنيسة وصلوات آلاف الحجاج في عيد الميلاد دليل بليغ على أن روح الشعب الأرثوذكسي تنبض بالحياة وأن انبعاثها بعزتها السابقة بات وشيكا

روسيسكايا غازيتا

وأبرزت روسيسكايا غازيتا دعوته إلى الصحوة واستنهاض الهمم "أن إقبال الأطفال على الكنيسة وصلوات آلاف الحجاج في عيد الميلاد لدليل بليغ على أن روح الشعب الأرثوذكسي تنبض بالحياة وأن انبعاثها بعزتها السابقة بات وشيكا".

أما مجلة روسكي دوم فقد كرست معظم صفحاتها لدور الكنيسة الأرثوذكسية في تاريخ روسيا وصحوتها المقبلة وفي افتتاحية المجلة تحت عنوان "الله والوطن" يرى المحرر أن الكنيسة هي التي منحت روسيا تفردها فهي دولة أوراسية لكنها ليست أوروبا ولا آسيا وهي تتقبل منجزات الثقافة الغربية وتقنياتها لكنها تعارض ما جاءت به من ظواهر التحلل الخلقي وصنمية المال والجسد وتدمير ثقافات الآخرين. وهي تدرك عمق العالم الروحي للشرق. وتعلمت العيش بسلام مع الإسلام لكنها تلفظ تطرف الشرق الذي يدفع بأبنائه إلى الموت دون رحمة".

وبعد عرض مسهب للصلات الأخوية التي تربط الكنيسة الروسية بالكنيسة الشرقية وخاصة منها السورية يخلص كاتب المقال إلى استنتاج "أن مصير روسيا والعالم لن يقرره حكماء صهيون, بل هو مرتبط كليا بإرادة الباري عز وجل، وعلينا أن نتذكر دائما أن كل ما عاناه شعبنا سيذهب هدرا إذا لم نستخلص الدروس اللازمة من تلك التجربة المريرة التي كلفت شعبنا ثمنا باهظا يصعب تعويضه".

مثالب وإيجابيات
وفي مقال بعنوان "العام الثاني من ولاية الرئيس بوتين" حاول المحلل السياسي نيكولاي ليونوف في صحيفة روسكي دوم الوقوف على نتائج سياسة الرئيس بوتين من خلال وضعها في ميزان السلب والإيجاب فخرج بالنتائج التالية:

على صعيد الإيجابيات يدرج في كفة حكم الرئيس بوتين تعزيز البنية الهيكلية للسلطة الفدرالية, واستعادة هيبة الدولة في شركة "غاز بروم" أكبر احتكارية طبيعية توازي ميزانيتها ميزانية الدولة الروسية, وانتزاع قناة "إن.تي.في." التلفزيونية من أيدي المليارديرين اليهوديين غوسينسكي وبيريزوفسكي, وانتشال الغواصة "كورسك" النووية "كاسحة حاملات الطائرات" ومفخرة الأسطول الروسي من قاع بحر البارنتس في عملية غير مسبوقة, وتطبيع الوضع في جمهورية الشيشان "بسحب البساط تدريجيا من تحت أرجل المقاتلين الشيشان حيث يتم بناء البيوت السكنية في غروزني على قدم وساق ويمارس التعليم في 400 مدرسة وثلاث جامعات ومد خطوط الكهرباء في أكثر من ثلثي المدن والقرى الشيشانية".


السلطة السياسية في عهد الرئيس بوتين أصبحت منقطعة عن القاعدة الاقتصادية المالية في البلاد وبالتالي باتت عاجزة عن التأثير على مصير البلاد

روسكي دوم

أما في ما يخص كفة السلبيات فتبدو معالجات المحلل غاية في الخصوصية وفي تفاصيلها أن "السلطة السياسية في عهد الرئيس بوتين أصبحت منقطعة عن القاعدة الاقتصادية المالية في البلاد وبالتالي باتت عاجزة عن التأثير على مصير البلاد بدليل استمرار تهريب مبالغ تتراوح بين عشرين إلى ثلاثين مليار دولار من روسيا سنويا" وعدا عن ذلك "يبدو أن الرئيس بوتين لا يأخذ في الحسبان أن نسبة 85% من مجمل الاقتصاد الروسي انتقلت كنتيجة لسياسة الخصخصة إلى أيدي أشخاص من غير الروس عرقيا ووثائقيا (من حيث جوازات سفرهم الأجنبية على الأقل) ممن لا تحدوهم الرغبة ببناء وتطوير روسيا". والأنكى من ذلك أن شريحة المسؤولين وموظفي الدولة "تعامل سكان روسيا معاملة إدارة احتلال لسكان أرض تم اغتصابها بالقوة".

حوار جنرالات
وتفردت مجلة روسكي دوم أيضا بنشر حوار بين ثلاثة من كبار جنرالات سابقين في الجيش السوفياتي والروسي هم الفريق نيكولاي ليونوف منظم الحوار والفريقين ليونيد إيفاشوف وليونيد شيبارشين رئيس الاستخبارات العسكرية سابقا. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الحوار المنشور بعنوان "روسيا + أميركا وماذا بعد؟" هو آراء الفريق شيبارشين. فهو مقتنع بأن "روسيا هي التي أوصلت أميركا إلى الذروة التي ارتقت إليها الآن، إذ انتشلتها من مأساة الضحايا الإنسانية ومأساة فقدان الهيبة بتراجعها عن المطالبة بعالم متعدد الأقطاب".


القوة الهائلة التي دخلت أفغانستان لا تستهدف بن لادن الذي لا يحتاجه أحد بقدر ما تعني بداية نضوج مواجهة بين أميركا والصين قد لا تكون بعيدة زمنيا

روسكي دوم

ويرى شيبارشين أن أميركا وزعت قواعدها في أفغانستان وآسيا الوسطى بحيث تتمكن من السيطرة على منابع الطاقة في المنطقة خاصة أنها تزمع تعزيز وجودها العسكري في أذربيجان وجورجيا المطلتين على حوض بحر قزوين".

وفي اعتقاد شيبارشين فإن الوجود العسكري المكثف للتحالف الغربي في أفغانستان بعد أن أشرفت العملية العسكرية ضد طالبان على الانتهاء يندرج في إطار الإعداد لعمليات أخرى لاحقة قد تمس إيران. وقد لا تقتصر على القصف الجوي وحده، ذلك أن زيادة نفوذ التحالف الغربي في أفغانستان سيعني بالضرورة إقامة تحالفات مع البعض وتهديد مصالح البعض الآخر ونسف وتدمير البعض الثالث".

وأشد ما يدعو شيبارشين للاستغراب هو تكتيك وإستراتيجية طالبان إذ توقع كثيرون أنهم سيبدون مقاومة عنيفة في كل مدينة وبلدة وقرية مما كان سيعني تدمير جل قواهم من قبل القوات الأميركية. وبالتالي فإذا كان انسحابهم تم بخطة إستراتيجية فهذا يعني بدون شك وجود عقول ذكية بين صفوفهم أفلحت في الحفاظ على قواهم لمتابعة الحرب.

وفي قناعة شيبارشين فإن القوة الهائلة التي دخلت أفغانستان لا تستهدف بن لادن الذي لا يحتاجه أحد بقدر ما تعني بداية نضوج مواجهة بين أميركا والصين قد لا تكون بعيدة زمنيا. والعالم الآن يشهد بداية "لعبة إستراتيجية هائلة وطويلة الأمد، وبالتالي يتعين على روسيا اتخاذ موقف الحياد وتجنب الوقوع بين كفي الرحى الذي قد يكون من أخطر التحديات التي ستواجهها مستقبلا".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة