انحطاط أميركي مطلق في عالم جديد   
الاثنين 1432/3/26 هـ - الموافق 28/2/2011 م (آخر تحديث) الساعة 20:36 (مكة المكرمة)، 17:36 (غرينتش)
إدارة الرئيس أوباما تواجه صراعا يائسا للتكيف مع أحداث الشرق الأوسط (رويترز-أرشيف)

يرى الكاتب الأميركي توم إنغيلهارت أنه بينما تجرى الآن إعادة صياغة للتاريخ من خلال الأحداث التي تجري في الشرق الأوسط فإن الولايات المتحدة لا تزال غير مدركة للأحداث ومتجاهلة لها، وتواصل خلق مزيد من الاضطرابات في أماكن مختلفة من العالم إلى أن تأكل نفسها حية، معتبرا أن هذا هو التعريف للانحطاط الأميركي المطلق في عالم جديد لم يتوقعه أحد.

وتعليقا على وضع أميركا الدولي الحالي يقول إنغيلهارت مؤلف كتاب "الحرب على الطريقة الأميركية وكيف أصبحت حروب بوش, هي حروب أوباما" -في مقال نشر على الموقع الإلكتروني "ذي نيشن"، ومواقع أخرى- إن هذه لحظة عالمية ليس لها نظير في الذاكرة وربما في التاريخ.

ومضى الكاتب يقول إنه بالإمكان إجراء مقارنات لموجات قوى الشعب التي اجتاحت أوروبا الشرقية لدى انهيار الاتحاد السوفياتي في الفترة من 1989 إلى 1991.
 
وبالنسبة لأولئك الذين يتمتعون بذاكرة بعيدة المدى فربما يتبادر لأذهانهم العام 1968, اللحظة المجهضة حينما خرجت إلى الشوارع جموع حاشدة من الناس في كل من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا واليابان والمكسيك والبرازيل وفي أماكن أخرى بما فيها أوروبا الشرقية الذين استلهموا الإيحاء من بعضهم البعض للإعلان أن ساعة التغيير قادمة.

أما بالنسبة لأولئك الذين يركزون اهتمامهم على الكتب التاريخية, فربما يركزون على العام 1848 حينما امتزج الركود الاقتصادي المروع مع الوسائل المبتكرة من أجل الترويج لقرب موعد اجتياح رياح الحرية لمختلف أنحاء أوروبا.

الكاتب تساءل عن طبيعة هذه الظاهرة التي تهز منطقة الشرق الأوسط (الجزيرة-أرشيف)
وبالطبع, ومع سقوط العدد الكافي من الأنظمة واستمرار تعمق الغليان والاضطرابات, يتم هنا تذكر الثورة الأميركية في العام 1776 والثورة الفرنسية عام 1789 وهما اللتان أوجدتا صدمة في العالم لعقود طويلة بعد ذلك.

لكن الحقيقة أن عليك أن تضنك نفسك من أجل ملائمة هذه اللحظة الحالية في الشرق الأوسط مع أي من نظيراتها السابقة حتى وإن كانت تهدد بالاندلاع في العالم العربي وتنتشر حمّاها عبر مختلف أصقاع المعمورة.

لا تسعفنا الذاكرة بذكر الكثير من الحكام الظالمين الذين يشعرون بالعصبية الشديدة -وربما من المحتمل بفقدان الحيلة والوسيلة (بالرغم من أنهم مسلحون حتى النواجذ)- في مواجهة مواطنين غير مسلحين, وفي هذا وحده متعة وأمل.

لماذا الآن؟
حتى حينه وبدون معرفة ما نواجهه, نلاحظ تدفق أعداد هائلة ومتمايلة من البشر, العديد منهم من الشباب الذين لا يشعرون بالرضا, ممن يجتاحون الشوارع من المغرب وموريتانيا وجيبوتي وعمان والجزائر والأردن والعراق وإيران والسودان واليمن وليبيا، ناهيك عن البحرين وتونس ومصر التي يمكن أن تكون ملهمة لهذه الجماهير.

بالرغم من مواجهة قوات الأمن  لهؤلاء مستخدمة الهري وقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي وأحيانا كثيرة كان يتم استخدام الرصاص الحي (في ليبيا تم استخدام حتى الطائرات والمروحيات) إلا أنهم كانوا يزدادون قوة وهو أمر يصعب تصديقه.

إن اعتبارنا لمطالب العرب واقتناعنا بأنها حق واضح وملك للغرب عامة والولايات المتحدة خاصة, يبعث برسالة تسري برعشة في عظام أي كان. كما أن طبيعة هذه الظاهرة التي تهز العالم تبقى غير معروفة وربما عصية على الفهم في هذه المرحلة.

فهل ستعم الديمقراطية والحرية الجميع؟ وإن كان الأمر كذلك فما الذي سيفهم منها؟ وإن كان الجواب بلا, فما الذي نشاهده الآن؟ وأي مصباح ضوء أشرق بطريقة غير متوقعة على عقول ملايين مستخدمي فيسبوك وتويتر, ولماذا الآن؟

يبقى المستقبل دائما هو مستودع المجهول والذي يمنحنا الأمل, ليس أقله أن الزمر الحاكمة "الملعونة" لا يمكنها امتلاكه بالرغم من أنها تريد ذلك, ومع ذلك يجب توقع أن تقوم طغمة حاكمة تشاهد التطورات التي تزلزل الأرض بإعادة النظر في وضعها كما يجب علينا نحن القيام بذلك.

الكاتب يشير إلى سفه مقولة بوش الشهيرة "إن لم تكن معنا فأنت ضدنا" (رويترز-أرشيف)
الاحتمالات
بعد كل هذا, ما الذي يمكن أن يحصل على هذا الكوكب, إن كانت البشرية تستنهض نفسها بهذه الطريقة في مواجهة القوى المسلحة في دولة تلو الأخرى؟ وما هي الاحتمالات الحقيقية التي يمكن أن تتم في كوكبنا؟ ومن الذي سيعيد النظر في الأساسيات ونحن نرى تكرار تلك المشاهد؟ ومن الذي لا يشعر بالحاجة الملحة لإعادة تصور وتخيل عالمنا؟

دعني أعرض خياري المرشح ليس من الأنظمة اليائسة أو البائدة والمنقرضة من أنظمة الشرق الأوسط, ولكن من واشنطن التي كانت الكثير من تخيلاتها وتصوراتها في السنوات الأخيرة مدعاة للضحك والسخرية حتى قبل اندلاع  الأحداث الأخيرة التي كنست ومسحت تلك التصورات.
 
فما عليك سوى أخذ مصطلح قديم من حقبة وسنوات حكم جورج بوش وهو مصطلحه "إن لم تكن معنا, فأنت ضدنا" لتجد أنه من المدهش مدى ضحالة وسفه ذلك المصطلح في الوقت الحالي.

بالعودة إلى افتراضات واشنطن المغلوطة بشكل كبير, بخصوص الكيفية التي يعمل بها كوكبنا ويتدبر أمره بها, فإن هذه هي اللحظة المناسبة تماما لإبداء بعض التواضع في مواجهة ما لم يتنبأ به أحد.
 
يمكن أن تبدو هذه اللحظة الوقت المناسب لواشنطن -التي ومنذ 12 سبتمبر/أيلول 2001 لم تكن تكترث جديا بما يجري من تطورات حقيقية على هذا الكوكب وأخطأت تقدير طبيعة القوة الشعبية- من أجل التراجع وإعادة الحسابات والتمعن في الأمور.
 
كما يتضح, فلا يوجد دليل على أنها تقوم بذلك, وفي الحقيقة فإن ذلك يبدو أبعد من قدرات واشنطن الحالية بالرغم من مليارات الدولارات التي تضخها على المخابرات.
 
حينما أقول واشنطن, فأنا لا أعني أو أقصد إدارة الرئيس باراك أوباما, أو البنتاغون أو قادتنا العسكريين أو البيروقراطية الواسعة للمخابرات, ولكن أقصد كافة المفكرين وأصحاب المؤسسات الفكرية والبحثية الذين تعج بهم العاصمة وكذلك وسائل الإعلام التي تتناولهم وتغطيهم جميعا في تقاريرها.

ما يحدث في الشرق الأوسط أظهر خطأ التقديرات الأميركية للقوة الشعبية في المنطقة  (رويترز-أرشيف) 
غرفة الصدى
تبدو واشنطن ومن خلال ما يجري من أحداث وكأنها تعيش في غرفة الصدى بحيث لا تسمع سوى حديثها, ونتيجة لذلك فإن واشنطن لا تزال مصممة على العزف على أوتار الحقبة الماضية من خلال تصفحها السريع لكتب التاريخ, حيث لاحظ العديد أن صراع إدارة أوباما التعيس للتكيف مع أحداث الشرق الأوسط ومجاراتها, حتى وهي تتمسك بالجوقة المألوفة من الحكام المستبدين وشيوخ النفط.
 
تصور هذا: لأول مرة في التاريخ تصبح حركة عربية ملهمة للأميركيين في ولاية ويسكونسين وربما في أماكن أخرى, وبكلمات أخرى هناك شيء ما يلوح في الأفق شيء لم نخترعه، إنه ليس ملكنا.
 
وهنا عليك أن تحبس أنفاسك, لم نعد نحن الرجال الطيبين الذين يطالبون بالحرية والديمقراطية في شوارع مدن الشرق الأوسط, بينما عملت أميركا على الإخلال القبيح بالتوازن لصالح طغمة اللصوص وقطاع الطرق في الشرق الأوسط  الذين دعمناهم منذ أمد بعيد.
 
يتم الآن إعادة صياغة التاريخ بهذه الطريقة التي تجعل من الأحداث الرئيسية للسنوات الأخيرة المختصرة من العصر الأميركي الزاهر -الحرب الفيتنامية, نهاية الحرب الباردة وحتى أحداث 11 سبتمبر- ربما تنحني إجلالا لهذه اللحظة الجديدة, وهناك داخل غرفة الصدى في واشنطن, أفكار جديدة ينبلج فجرها ببطء بخصوص مثل تلك التطورات.
 
الانحطاط الأميركي
وفي هذه الأثناء فإن بلادنا المحاصرة والمضطربة والمشوشة ببنيتها التحتية القديمة والمتهالكة, لم تعد هي المثل الذي يتطلع إليه أي كان في أي مكان (رغم أنك لن تعرف ذلك هنا).

من الواضح أن واشنطن -غير مدركة للأحداث ومتجاهلة لها- تنوي الاستمرار في خوض حروبها السرمدية التي لا تنتهي وتتحصن في قواعدها الدائمة وتخلق المزيد من الاضطرابات وزعزعة استقرار المزيد من الأماكن إلى أن تأكل نفسها حية, وهذا هو التعريف للانحطاط الأميركي المطلق في عالم جديد لم يتم توقعه.
 
صحيح أن الأنياب ربما تكون في الأوداج, ولكن من كانت أنيابه في أوداجه, تبقى مفتوحة للتخمينات بغض النظر عما يعتقد به الجنرال ديفد بترايوس.

مع بزوغ الشمس في أفق العالم العربي, فإن الغبار يتساقط على أميركا ويلفها, وفي الخلفية تلعب واشنطن بأوراقها التي لعبتها في الماضي, بعضها من تحت الطاولة حتى في الوقت الذي يغادر فيه اللاعبون الآخرون الساحة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة