القتل الطائفي يدفع العراقيين لتغيير أسمائهم ومساكنهم   
الجمعة 1427/3/16 هـ - الموافق 14/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 1:58 (مكة المكرمة)، 22:58 (غرينتش)

جثث لعراقيين عذبوا ثم قتلوا في البصرة جنوبي البلاد (رويترز)

مع اشتداد وتيرة العنف الطائفي في العراق, بدا للبعض أن أفضل وسيلة للنجاة هي الفرار من البلاد, فيما اشترى آخرون السلاح لحماية أنفسهم, إلا أن قسما ثالثا صار يقف أمام مكاتب السجلات الحكومية لإخراج هوية جديدة يغير فيها اسمه خوفا من القتل بدلالة الأسماء.

 

عمر سامي, وهو طالب جامعي من العرب السنة, يقول "غيرت اسمي إلى عبد الله لأنه اسم محايد قد يكون لسني أو لشيعي, حياتي أغلى من اسمي". وهكذا أصبحت الأسماء -التي يمكن لكثير منها أن تدل بوضوح على الطائفة التي ينتمي إليها صاحبها- مسألة حياة أو موت.

 

وأصبح العراقيون اليوم خائفين على نحو متزايد من أن ولاءهم الطائفي قد يكلفهم حياتهم مع انزلاق البلاد نحو حرب أهلية. وأرغمت التفجيرات في المساجد وعصابات القتل وأعمال الخطف, بعض الناس على أن يتقدموا بطلبات رسمية للحصول على هويات جديدة.

 

فالشيعي المسمى عليا غير اسمه إلى عمر والسني المسمى عثمان يعرف نفسه بحسين أملا في أن ينجو بحياته في الأحياء المختلطة الكثيفة السكان، حيث يقتل ضحايا العنف الطائفي في الشوارع كل أسبوع.

 

وفي بغداد حيث يتعايش الشيعة والسنة جنبا إلى جنب وحيث يتم اعتراض الناس غالبا عند نقاط التفتيش أو عشوائيا على أيدي مسلحين, اختار البعض البديل الأكثر أمنا باختيار أسماء محايدة مثل أحمد أو محمد التي يستخدمها كل من الشيعة والسنة.

 

دماء سالت خارج مسجد براثا ببغداد (الفرنسية)
وقال أيمن العزاوي, وهو سائق سيارة أجرة كان يقف في طابور أمام مكتب السجل, إن نقل الزبائن عبر المناطق الشيعية أو السنية يماثل عبور حقول ألغام طائفية، ومحو الهوية هو الخيار الوحيد, وأضاف "أنا هنا لأحاول تغيير لقبي أو حتى حذفه تماما من بطاقتي الشخصية"، وتابع قائلا "أعيش في بغداد الجديدة حيث قتل كثيرون لمجرد كونهم سنة أو شيعة".

 

وألقاب العراقيين تشير إلى العشيرة التي ينتمون إليها، لذا يجب على من يرغب في الحصول على لقب جديد أن يحصل أولا على موافقة عشيرة جديدة، ثم يذهب إلى مكتب السجل وهو غرفة صغيرة مكتظة بالملفات.

 

ويغير الكثيرون كلا من الاسم واللقب، ويفضل البعض المهمة الأقل تعقيدا بتغيير أسمائهم الأولى، ويكتفي كثيرون آخرون بذكر أسماء غير أسمائهم عندما يعتقدون أن الحكمة تقتضي ذلك.

 

موظف في مكتب السجل رفض الكشف عن اسمه قال إن "أربعين بالمائة ممن يأتون إلى هنا يغيرون أسماءهم لاعتبارات طائفية". ويقول عراقيون إن تغيير الأسماء كان مستحيلا في عهد الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، حيث كانت طلبات تغيير الأسماء هذه تثير على الفور شكوك أجهزة المخابرات.

 

غير أن تغيير الاسم أكثر سهولة في هذه الأيام, ويستغرق شهرا تقريبا. وقال حسن الموسوي, وهو شيعي يملك محلا لبيع الأجهزة الكهربائية المنزلية "من الصعب علي حقا أن أغير اسمي لكن عندي عائلة أتولى رعايتها, سأحذف لقبي من بطاقتي إذا لم أتمكن من تغيير اسمي".

 

وتزايدت مخاوف العراقيين من أن يقتلوا بسبب طائفتهم منذ أن دفع تفجير مزار شيعي في فبراير/شباط الماضي البلاد إلى شفا حرب طائفية شاملة. ويمكن التعرف أيضا على الطائفة التي ينتمي إليها شخص ما من بعض الملابس أو الخواتم، لكن الكثيرين يتخلصون الآن من هذه العلامات حفاظا على سلامتهم.

 

أما أبو علي المالكي, وهو شيعي يبلغ من العمر 52 عاما ويعيش في حي الدورة جنوب بغداد, الذي تسكنه أغلبية سنية. فيقول "نصحت بأن أغير أسماء أبنائي من علي وحسن وفاطمة إلى أسماء سنية، كثيرون من الشيعة والسنة يقتلون بدم بارد بسبب طائفتهم". ويقول سكان الحي إن شيعة يرتدون زي الشرطة يدهمون المنطقة من وقت إلى آخر.

   

ومشكلة نزوح

عراقيون هجروا بيوتهم ليعيشوا في هذه الخيام (رويترز)
تداعيات القتل الطائفي جرت إلى مشكلة أخرى تمثلت في ارتفاع عدد العراقيين الذين
يفرون من منازلهم هربا من ذلك القتل, إثر التدهور الحاد في الوضع الأمني في أنحاء البلاد.

 

ففي خلال أقل من شهر ارتفع عدد نزوح العراقيين إلى مثليه, مع إرغام نحو 11 ألف أسرة أو نحو 60 ألف شخص على النزوح عن منازلهم, بعد أن كان العدد أكثر قليلا من 30 ألف نازح في أواخر مارس/آذار الماضي, كما أكد مسؤول في الحكومة العراقية.

   

وأضاف ستار نوروز المتحدث باسم وزارة الهجرة والمهجرين أن الإرهاب لايزال يستهدف العراقيين في أنحاء البلاد، وأن ذلك هو السبب وراء تضاعف عدد الأسر النازحة. وأضاف أن عدد الأسر النازحة يتزايد وأن الحكومة تتوقع فرار المزيد من الأسر من منازلها.

 

وانتقلت قرابة 3600 أسرة للعيش في بغداد مع أصدقاء أو أقارب أو في مخيمات أو مبان مهجورة، ومن المفارقات أن بغداد تعد أكثر المحافظات العراقية خطورة على الإطلاق. كما فر أكثر من خمسة آلاف أسرة إلى محافظات جنوبية كما فرت قرابة 2500 أسرة إلى الشمال أو الغرب.

 

وأدى العنف بين الشيعة والعرب السنة إلى إعادة رسم خرائط بعض الضواحي، حيث تنتقل الأقليات منها إلى أماكن أخرى تكون فيها جزءا من السكان الأغلبية. وتجوب مليشيات أنحاء البلاد وتهدد أسرا بالمغادرة أو الموت، كما يتم العثور يوميا على عشرات الجثث المشوهة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة