حرب إعلامية ترافق الثورة السورية   
الجمعة 1432/11/11 هـ - الموافق 7/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:23 (مكة المكرمة)، 11:23 (غرينتش)

صور جثث المواطنين السوريين من أهم وقود الحرب الإعلامية بين النظام والمعارضة (الجزيرة)

ما إن بدأت الثورة السورية المطالبة بإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد في منتصف مارس/آذار، وطرد السلطات هناك لوسائل الإعلام الأجنبية، حتى تحول الفضاء الإعلامي العربي والعالمي إلى ساحة لمعركة إعلامية شرسة استخدِمت فيها جميع الوسائل مشروعة كانت أم محرمة.

وقد ميز الثورة السورية عن باقي أخواتها في الربيع العربي، هذا السباق الإعلامي المحموم بين الإعلام الرسمي وشبه الرسمي السوري مدعوما ببعض المحطات اللبنانية والإيرانية، ومقاطع فيديو يلتقطها المحتجون بكاميرات هواتفهم وينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي لتقوم بعد ذلك بعض الفضائيات العربية والعالمية بنشرها.

ورغم عدم التكافؤ بين خصمي السباق إلا أن كل طرف يحاول تحقيق "نصر إعلامي" وتقديم نفسه للغرب على أنه الضحية الذي يحتاج للدعم والمساندة في وجه الآخر.

وقبل الغوص في وقود هذه الحرب لا بد من التطرق إلى رواية كل طرف عن الأحداث، فالنظام يتهم عصابات "مسلحة سلفية إرهابية" بقتل المتظاهرين ورجال الأمن على السواء ومهاجمة المقرات الحكومية واغتيال الأكاديميين والشخصيات الاعتبارية والضباط.

في المقابل، المعارضة تصر على سلمية ثورتها وتنفي هذا الاتهامات جملة وتفصيلا، فالأمن "والشبيحة" -بحسب المعارضة- يقتلون المتظاهرين وضباط وعناصر الأمن الذي يرفضون إطلاق النار على المتظاهرين، في حين لا ينفون حصول مواجهات عسكرية لكن بين الجيش ومنشقين عنه.

صورة بثتها وكالة الأنباء السورية لتشييع ضابط "قتلته العصابات المسلحة" (الفرنسية)
وقود الحرب
أما بالنسبة لوقود هذه الحرب فهو عبارة عن جثث أشخاص يظهرون في مقاطع فيديو تقول المعارضة إنهم "شهداء" سقطوا برصاص الأمن، فيما يظهر الإعلام السوري تشييع جنازات لعناصر وضباط سقطوا "شهداء" برصاص "الجماعات المسلحة"، فضلا عن بعض مقاطع الفيديو تظهر "ممارسات الجماعات المسلحة بحق عناصر حفظ الأمن".

أحدث فصول هذه الحرب الإعلامية، كان بطلته زينب الحصني الشابة التي ظهرت على التلفزيون السوري تكذب خبر مقتلها بعد أن كان الأمن سلم أهلها جثة مقطعة ومشوهة ادعى أنها لابنتهم.

فبعض الخبراء في إعلام الحرب، يرون أنه في حال التأكد من صحة هوية الفتاة التي ظهرت، فإن النظام قد نصب كمينا للمعارضة لتحقيق نصر إعلامي يؤكد مصداقيته ويكذب من روّج بأن "الشبيحة" قطعوا رأس وأوصال زينب التي اعتقلت للضغط على شقيقها الناشط محمد الحصني، الذي سلمته السلطات جثة هامدة لأهله بحسب رواية المعارضة.

ولكن مراقبين آخرين يشيرون إلى أن النظام من حيث يدري أو لا يدري قد ورط نفسه بجثة فتاة أخرى لا أحد يعرف هويتها أو من تكون أو لماذا قطعت وشوهت بهذه الطريقة.

ورغم تأكيد منظمتي العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش -اللتين تبنتا القضية- أن هذه الفتاة هي زينب الحصني (نقلا عن والدتها) وعبرتا عن أسفهما "لعدم الدقة في التعرف" على جثة الشابة، إلا أن والدتها خرجت لتقول بإنها غير متأكدة من أن ابنتها على قيد الحياة.

قوات أمن تقوم بركل متظاهرين
"في مدينة البيضا" (الجزيرة)
الصياصنة والبيضاء
ومن زينب إلى الشيخ أحمد الصياصنة إمام الجامع العمري في درعا، الذي أكد في عدة مقابلات وتسجيلات مصورة معه أن مطالب الشعب هي العدالة والحرية والكرامة وليست خدماتية، وطالب بالدعم العربي والإسلامي للشعب السوري فضلا عن وصفه الإعلام السوري بالكاذب.

لكن الصياصنة خرج بعد أسابيع على الإعلام نفسه ووجه تحية للنظام بل ذهب أكثر من ذلك حيث اعتذر عن "الخطأ" الذي ارتكبه باتهامه النظام والأجهزة الأمنية بقتل المتظاهرين وتأجيج الفتنة الطائفية، مؤكدا ما كان نفاه سابقا عن وجود سلاح ومسلحين يقتلون ويطلقون النار.

وكان ناشطون سوريون أكدوا أن قوات الأمن قتلت نجل الشيخ الصياصنة البالغ من العمر عشرين عاما برصاصة في رأسه، بعد مداهمة منزل الشيخ لإلقاء القبض عليه (اعتقل الشيخ فيما بعد).

وفي البيضا ببانياس احتدم الصراع الإعلامي بعد عرض مواقع التواصل الاجتماعي صورا لعناصر أمنية تدوس على رؤوس أشخاص مكبلين وملقين على الأرض، والاعتداء عليها بالضرب والإهانات.

الإعلام السوري نفى حدوث الواقعة في سوريا، وقال إن العناصر هم من قوات البشمركة الكردية وإن الحادثة وقعت في العراق.

المعارضة ردت بعرض شريط فيديو يظهر شابا (أحمد بياسة) كان من بين الذين اعتدي عليهم في البيضا، تحدث عن تفاصيل ما جرى، وأبدى نشطاء تخوفهم على حياته واعتقادهم بأنه قتل تحت التعذيب، لكن هذه الرواية كذبها بياسة نفسه عندما خرج على التلفزيون السوري ليقول إنه حي يرزق.

حسين هرموش يعلن انشقاقه عن الجيش (الجزيرة) 
عصابات مسلحة وانشقاقات
أما بالنسبة لشهادات "أفراد الجماعات المسلحة" فحدث ولا حرج، لكن أشهرها كانت لشخص يدعى غسان سلواية تحدث بإسهاب عن كيفية تسلم السلاح ومهاجمة قوى الأمن.

لكن المعارضة السورية نشرت "وثائق رسمية" تقول فيها إن سلواية هو شخص مريض عقليا، وقد سُرّح من الخدمة العسكرية لهذا السبب. وأبرزت في فيديو دفتر خدمة العلم الخاص بالمذكور، فضلا عن وثيقة قضائية من الجهات المعنية، ووثيقة أخرى من مستشفى ابن خلدون للأمراض العصبية والعقلية في حلب.

وفي السياق بث الإعلام السوري خبر اعتقال العقيد المنشق رياض الأسعد "قائد الجيش السوري الحر" لكنه نفى الأمر في تصريح لوكالة أنباء الأناضول وقال إنه موجود في تركيا، وهدد بدخول سوريا قريبا وتدمير النظام السوري.

كما ظهر أول ضابط انشق عن الجيش السوري المقدم حسين هرموش ليقول إنه قرر العودة إلى سوريا وإن المعارضة بأغلبية أطيافها اتصلت به وعرض بعضها "المال والسلاح للتحرير"، علما أنه كان أعلن انشقاقه بسبب ما وصفه بقتل متعمد للمدنيين العزل.

وكان أمين عام حزب البعث في مدينة الرستن -التي شهدت عملية أمنية مؤخرا- أعلن انشقاقه عن الحزب في شريط مصور، لكن بعد سيطرة الجيش على المدينة نفى عبر التلفزيون السوري هذا الخبر وتحدث عن عملية اختطافه وإجباره على الإدلاء بهذا التصريح.

هذه الحرب يبدو أنها ستستعر وتشتد أكثر، لأن الطرفين يبدوان غير راغبين في التراجع أو التنازل وطالما أن الثورة السورية مستمرة فإن الحرب الإعلامية متواصلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة