أحياء الصفيح بالجزائر.. مواطن الخيبة والفقر   
الأحد 20/8/1436 هـ - الموافق 7/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 21:32 (مكة المكرمة)، 18:32 (غرينتش)

ياسين بودهان-الجزائر

في حي الوئام الصفيحي ولد بلال وترعرع، وتزوج بعد ذلك وكون أسرة لكن حلمه لم يتحقق في الحصول على سكن لائق يحفظ كرامته. ويضم الحي ما يقارب خمسمئة بيت صفيحي ويقطنه نحو ثلاثة آلاف شخص يتقاسمون أوجها عديدة من المعاناة.

غياب النظافة وانعدام قنوات الصرف الصحي والمرافق العمومية وتكدس الأشخاص في بيوت ضيقة جدا، كلها عوامل حولت حياة تلك العائلات لجحيم يومي.

ويوجد في العاصمة الجزائرية العديد من أحياء الصفيح. ورغم سعي الحكومة المتكرر من أجل وضع حد لهذه الأحياء فإن جهودها باءت بالفشل، بسبب سياسة الإسكان التي يعتبرها البعض فاشلة "لعدم وجود عدالة في توزيع المساكن".

ويقول بلال للجزيرة نت إنه غير قادر على إيجار منزل يحفظ له كرامته لأنه يتقاضى أجرا شهريا لا يتجاوز 150 دولارا.

ورغم أنه أودع منذ عشر سنوات ملف الحصول على سكن، فإنه لم يحصل عليه بعد "رغم الوعود المتكررة من طرف المسؤولين".

ويخشى بلال من أن تكون تصريحات وزير السكان مثل الوعود السابقة. وتابع "أخشى أن تتكرر معاناتي مع أطفالي، أنا ولدت وترعرت في هذا الحي، ولا أريد لأبنائي أن يعيشوا نفس المأساة".

أحياء الصفيح في العاصمة الجزائرية تفتقر لمقومات العيش الكريم (الجزيرة نت)

خطط حكومية
وكان وزير السكن والعمران عبد المجيد تبون أعلن مؤخرا عزم الحكومة جعل الجزائر أول عاصمة في أفريقيا والمغرب العربي خالية من أحياء الصفيح.

ومن المرتقب -حسب الوزير- أن تنتهي العملية مع نهاية العام الجاري، أو خلال الشهرين الأولين من العام القادم.

وتعد الأزمة الأمنية -التي عرفتها البلاد خلال التسعينيات-السبب المباشر في نزيف السكان من الأرياف نحو العاصمة هروبا من العنف، مما جعل الطلب على السكن يفوق العرض بعشرين مرة.

وقد تم تكليف مكاتب دراسات بتحليل مخطط تم تسليمه لـ57 بلدية منتشرة في العاصمة لأخذ وجهات نظر المنتخبين المحليين بشأن سبل القضاء على أحياء الصفيح.

كريم بنور -رئيس المجلس الشعبي الولائي للعاصمة (برلمان محلي)- أوضح أن "المخطط الخاص بتهيئة وتعمير العاصمة في طور الإنجاز، وستتم المصادقة عليه خلال أسابيع فقط".

وتسعى الحكومة لإنجاز أكثر من 250 ألف سكن مع نهاية العام الجاري، وتطمح لاستئصال أزمة السكن مع حلول 2019. ووفقا لإحصائيات تعود لعام 2007 فإن عدد العائلات التي تقطن أحياء الصفيح يتجاوز 25 ألفا.

بالمقابل يشكك خبراء اقتصاد في مدى قدرة الحكومة على القضاء على هذه الأحياء. وحسب الخبير الاقتصادي والمالي فارس مسدور فإن الإستراتيجية التي تتحدث عنها الحكومة كان بالإمكان تبنيها قبل عشرين عاما من الآن، وليس بعد أن أصبحت البلاد على مشارف أزمة مالية واقتصادية خانقة.

وكان الوزير الأول الجزائري عبد المالك سلال دعا المواطنين إلى التضامن مع الحكومة بسبب تراجع مداخيل البلاد من المحروقات.

وتوقع حدوث تراجع حاد في احتياطي الصرف بحلول 2019 في حال استمرار أسعار النفط كما هي الآن.

مسدور دعا لتشجيع البناء الريفي وتكريس مبدأ الاقتصاد الجهوي (الجزيرة نت)

إستراتيجية انتقائية
واعتبر مسدور -في حديث للجزيرة نت- أن الحديث عن القضاء على هذه الأحياء على مستوى العاصمة فقط أمر يدخل في سياق إستراتيجية انتقائية.

وكان الواجب برأيه أن يتم القضاء على هذه الأحياء المنتشرة بشكل غير عادي في أغلب الولايات.

ويعتقد أن الحكومة يجب أن تبني مدنا جديدة ومتكاملة بدل الحديث عن مسكنات قد تتحول لأزمة اجتماعية.

وفي رأيه فإن أفضل حل لهذه الظاهرة يكمن في تشجيع البناء الريفي وتكريس مبدأ الاقتصاد الجهوي، لأن أغلب من يقطن هذه الأحياء جاؤوا هروبا من العنف في التسعينيات، ومن غياب مقومات العيش الكريم.

من جانبه، قلل رئيس حزب "جيل جديد" المعارض جيلالي سفيان من قيمة تصريحات وزير السكن. واعتبر أن حديث الحكومة في هذا الشأن محاولة لإغراء الرأي العام بوعود زائفة، ومحاولة لإخماد الاحتجاجات الاجتماعية المتكررة.

وانتقد في حديث للجزيرة نت "غياب سياسة راشدة للمدينة". وقال إن ما تريده الحكومة لن يتحقق في أشهر وإنما عبر مخطط طويل يشمل عدة جوانب بيئية ومالية وقانونية.

ووصف كلام وزير الإسكان بالديماغوجي. وقال إن "الحكومة تتحدث عن القضاء على هذه الأحياء "بينما هي تنتشر كالنباتات الطفيلية".

وفي تقريرها الصادر نهاية العام الماضي، اعتبرت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان انتشار الأحياء الصفيحية أحد أهم مظاهر الفقر في البلاد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة