جهادي ليبي يتحدث عن السجناء العرب بالعراق   
السبت 18/7/1435 هـ - الموافق 17/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 5:07 (مكة المكرمة)، 2:07 (غرينتش)

حاوره/خالد المهير-بنغازي

منذ رجوعه إلى ليبيا عام 2012 يأخذ الجهادي الليبي فرج القبائلي على عاتقه مهمة إيصال قضية الليبيين والعرب الأجانب في السجون العراقية إلى الإعلام الدولي والمؤسسات العالمية.

وبدأت فكرة تأسيس جمعية "سجناء بلا حدود" تراود القبائلي وهو بسجن أبو غريب عام 2005، أي بعد عدة شهور على دخوله العراق وقتاله للقوات الأميركية مع عرب من تونس ومصر واليمن والسعودية والسودان.

وفي هذا الحوار يتحدث القبائلي عن سجون العراق وأوضاع العرب والأجانب فيها، وأول بصيص أمل حينما نشرت الجزيرة نت أول تقرير عنهم نهاية العام 2008، كما يروي جانبا من معاناته مع ما يسميه القمع في ظل النظام الليبي السابق وحرمانه من العمل وقتل شقيقه في مجزرة بوسليم.

كيف خرجت من ليبيا وقد كنت تحت مراقبة المخابرات؟

بكل صدق كنت أبحث عن أي وسيلة تخرجني من ليبيا، كنت محروما من العمل وفي كل مناسبة أبحث فيها عن وظيفة تغلق الأبواب في وجهي، لكن تيسر لنا مع مجموعة من الشباب السفر إلى العراق عام 2005، عمليات التنسيق كانت مع شباب ليبيين في سوريا، تواصلنا معهم وخرجنا، وكانت تكاليف السفر بسيطة.

ولكن كيف خرجت وأنت مراقب؟

الأمن الداخلي كان يتجاهل تحركاتنا وكأنه يسهل لنا الخروج، المهم أن تبقى بعيدا عن ليبيا، حتى أن بعض الشباب المقيدين في سفرهم استدعتهم أجهزة الأمن وسلمت لهم جوازات سفرهم بشرط حلق لحاهم.

وماذا عن دخولكم سوريا؟

في سوريا المخابرات هناك كانت لا تهتم بعبورنا، قد نضطر إلى دفع رشوة مائة دولار لعقيد في المخابرات السورية يسهل علينا المرور عبر أماكن سرية، وبالتالي وصلنا بسهولة للعراق.

لماذا لم تجاهدوا ضد القذافي هنا؟

كنت أتمنى رفع السلاح ضد القذافي، الشخصيات التي تأثرت بها مثل محمد الحامي (قتل في مواجهات مسلحة مع قوات القذافي في التسعينيات من القرن الماضي) تمكنت من الحصول على الدعم والسلاح، نحن لم نجد من يأخذ بأيدينا حتى أن فقهاء المساجد في بنغازي لم يردوا على أسئلتنا الفقهية، لقد كانوا جبناء، في العراق عندما شاهدت لأول مرة كميات السلاح كنت أتمنى ذلك في ليبيا.

 صف لنا أول معركة خضتها ضد القوات الأميركية؟

تعلمت بمجرد وصولي إلى الأنبار فك وتركيب بندقية الكلاشنكوف، وتوسلت الآمر العراقي المشاركة في المعارك، الليبي لا يفكر في الرجوع إلى المكان عندما يذهب للمعركة، في الحقيقة وجدت نفسي وجها لوجه مع جنود أميركا، كانوا جبناء في المعارك، بالتكبير والتهليل تجد الأميركي يرمي سلاحه ويرفع يديه، ازدادت ثقتي بشخصيتي ومن ثم ذهبت إلى معارك الموصل عقب سقوط الأنبار بيد المجاهدين.

القوات الأميركية كانت تجرد النساء العراقيات من ملابسهن بالقوة بحضور عرب من السعودية والكويت وليبيا، وتسمع صراخ العراقيات وأنت تدخل بوابة السجن

الموصل كانت أرضا ساخنة وشهدت معارك يومية مع القوات الأميركية، جئنا للموت في العراق ولم نكن نود البقاء بالبيوت، لكن المشكلة التي واجهتنا هي لواء الذئب العراقي الذي كان يقاتل إلى جانب القوات الأميركية.

نود أن تحدثنا عن يوم أسرك؟

عندما كنا في الموصل في أغسطس/آب 2005 حاصرتنا قوة كبيرة أميركية وعراقية بالدبابات وطائرة مروحية وكلاب في بستان، وكان عددنا قليلا: مقاتل تونسي وسعودي وأنا، نفدت ذخيرتنا بعد أن قتلنا منهم عددا كبيرا، ولأن القوات الأميركية لديها فكرة مسبقة عن الجهاديين العرب بأنهم يفخخون أجسادهم وبيوتهم لذلك لم تقترب منا، بل أطلقت علينا قذائف غاز لم نعد بعدها نرى شيئا، قتلت السعودي وبعدها قتلت التونسي رغم كبر سنه وقيدتني بعد معرفتها بهويتي الليبية.

أين ذهبوا بك بعد اعتقالك؟

اعتقلوني في مطار الموصل وعندما دخلت جردوني من ملابسي، كنت أخشى من هتك عرضي، تقريبا عند أول مساء بالمطار سكبوا علينا مع مجموعة من المعتقلين المياه وخرجت علينا مجموعة تعذيب للحصول على معلومات، بعد وجبة تعذيب طويلة رمت لي بدلة سجن برتقالية مع السب والشتم والإهانة، وبقيت هناك سبعة أيام.

السجن لم يكن تحت سلطة العراق، جاء أمر بنقلي إلى سجن كروبر في بغداد، وهذا السجن اسمه المحاجر السود أو صناديق الموت، وهو أسوأ سجون العراق ويقع بالقرب من مطار بغداد.

لماذا وصفته بأسوأ سجون العراق؟

لون الزنزانة أسود وحائطها يشبه الشوك، نزلت من الطائرة العسكرية معصوب العينين ومقيد اليدين، وفي السجن رجال ونساء عراقيات، تجد سبعة رجال وسبع نساء على الجدار بدون ملابس. والله إني شاهدت هذا بأم عيني القوات الأميركية تجرد ملابس النساء بالقوة، والغريب أن مع القوات الأميركية عربا من السعودية والكويت وليبيا، تسمع صراخ العراقيات بقوة وأنت تدخل بوابة السجن.

قاموا بتصويرنا وارتدينا ملابس زرقاء، المترجم قال لي عندما تريد الحمام اطرق الباب ثلاث مرات، وعندما طلبت مصحفا في الزنزانة جاءت به مجندة أميركية وهي تضحك وتسخر مني. رفضوا خروجنا للصلاة وأجبرونا على مشاهدة الأفلام الإباحية، إذا كنت عربيا فأنت في نظرهم إرهابي.

وما هي الوجهة التالية؟

إلى أبو غريب مع خمسين معتقلا عربيا، أبو غريب بساتين وخيام، في أبو غريب تجد سجناء من الشيعة والسنة، ارتحت من عذاب صناديق الموت قليلا وأصبحت عبارة عن رقم، كان رقمي في أبو غريب 175812، اعتقلت في خيمة بها خمسة سجناء واستقبلني أخ من ليبيا دخل العراق عام 2003.

حققت معي المخابرات الأميركية والعراقية والإيرانية، بعد ذلك قررت ترحيلي إلى سجن بوكا على الحدود مع الكويت، الخبز الساخن كان يأتينا من الكويت.

هل يختلف بوكا عن السجون السابقة؟

 لا يختلف بوكا عن السجون السابقة، يأخذونني من الزنزانة إلى الحمام بدون ملابس الساعة الثالثة ليلا، وأحيانا تدخل قوة أميركية أثناء العشاء وترمي القنابل الصوتية، أو يأتي إليك المترجم أحيانا بقائمة اتهامات تشعرك بأنك في الطريق للإعدام.

في إحدى المرات رجعوا بنا إلى أبو غريب وعندما استغربت وسألت المترجم قال لي إن وفدا من المخابرات الليبية سوف يقابلنا.

هل يعني أن هناك اتصالات بين المخابرات الأميركية والليبية وقتها؟

نعم، وكانت قوية، أميركا كانت تستخدم مخابرات الدول العربية التي ينتمي إليها العرب الأجانب لإثبات الأدلة علينا بأننا إرهابيون، كنا 25 ليبيا أغلبنا من بنغازي ودرنة، وجاء دوري عن الساعة الواحدة ظهرا لمقابلة المخابرات الليبية.

وجدت اثنين من المخابرات، أحدهما يضع صورة القذافي على صدره وزجاجا أسود، وجدت أمامي كل ما لذ وطاب: الشاي والفستق والزيتون والفاكهة، حتى أنني سخرت منهم وطلبت منهم "الكسكسي"، وهي أكلة شعبية ليبية.

ماذا دار بينكم أثناء الجلسة؟

 انتهى التحقيق بمشكلة بيني وبينهم، اتهمت الضابط بالتهديد لأنه قال لي: لا نريد المعلومات العامة نحن ليبيون ونعرف بعضنا، اعتبرت هذا تهديدا وخرجت وطلبت من الجهات الأميركية عدم إرجاعي إلى ليبيا من جديد، أخبر الضابط الليبي المخابرات الأميركية أن أسرتي إرهابية وأني مطلوب في ليبيا وهذه وشاية كاذبة.

البدوي العراقي أصبح حاقدا على أميركا والشيعة، وفي سجن بوكا بدأت أولى بوادر الطائفية في العراق

هل أنت نادم على الذهاب للعراق؟

لم أندم، وكنت قررت العودة للعراق لقتال الأميركيين لو أرجعوني لليبيا، أميركا كانت تصنع الإرهاب في السجن، يأتون برجل عراقي بدوي كبير في العمر راعي أغنام ويقومون بتجريده من ملابسه، وعندما يخرج من السجن يتعهد بقتال القوات الأميركية.

سجن بوكا  كان يحتضن سبعين ألف سجين عراقي جلست مع آلاف منهم باعتباري محفظا للقرآن الكريم وعرفت أسباب تغير أفكارهم، البدوي العراقي أصبح حاقدا على أميركا والشيعة، في سجن بوكا بدأت أولى بوادر الطائفية في العراق وهذه حقيقة.

وكيف كانت محاكمتك؟

كانت صورية مجرد تداول أقوال وتم النطق بالحكم بعد أسبوعين، حضر المحاكمة جندي أميركي وقاضٍ أميركي وكاتبة جلسة أميركية، وجه لي قاضٍ عراقي تهمة حمل السلاح فسألته: وأنت ماذا تقول وأنا قادم لبلدك؟

قال لي القاضي رد في حدود السؤال، أنكرت التهم الموجهة لي، وقلت لهم إن القوات الأميركية قبضت علينا خارج البستان، جاؤوا بشاهد عبر الدائرة المغلقة، وهو آمر الفرقة الأميركية وأكد إلقاء القبض علينا داخل البستان، لكن شاهدا أميركيا آخر تردد في شهادته ضدنا، وكان التردد لصالحنا فقضت المحكمة بحبسي لمدة 15 عاما لتجاوز الحدود.

ماذا تتذكر من محاكمتك؟

المحامية العراقية المكلفة بالدفاع عني طلبت إنزال أقسى العقوبات بي دون أن تعرفني أو تتعرف على قضيتي، لم يكن هذا دفاعا بل ادعاء نيابة عامة.

أين قضيت بقية العقوبة؟

في سجن الشعبة الخامسة ببغداد: تعذيب يومي وحرمان من الاتصالات حتى انتشر بيننا مرض السل، ثم نقلت إلى كردستان العراق ولم يتعرفوا علينا حتى عام 2009.

هل تتذكرون إثارة الجزيرة نت قضيتكم؟

أول تقرير عن قضيتنا في الجزيرة نت كان نقلة نوعية بالنسبة لنا، رأينا أن قضيتنا خرجت إلى العلن، جاء مدير السجن إلينا وعندما سلم لي التقرير قلت له إن هذه تصريحات عائلاتنا في ليبيا، عاقبنا بالحرمان من الاتصالات.

بعد التقرير الثاني عن السجناء العرب انهالت علينا قوة عراقية بالضرب، وجاءت المخابرات العراقية تحقق في الاتصالات مع موقع الجزيرة نت، لكن بعد انتهاء الأزمة حصلت على هاتف نقال وأجريت عدة اتصالات بالعالم وبدأت أبحث عن قضيتنا في محرك البحث غوغل لنجد قضيتنا فقط على الجزيرة نت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة