محاولة للبحث عن مبررات بقاء قوات سورية في لبنان   
الاثنين 1426/1/13 هـ - الموافق 21/2/2005 م (آخر تحديث) الساعة 19:48 (مكة المكرمة)، 16:48 (غرينتش)


وجود 15 ألف جندي سوري يشعل أزمة بين دمشق وبيروت (رويترز)

 رانيا الزعبي

يتجاوز عمر أزمة الوجود السوري في لبنان بسنوات طويلة عمر تلك التي تسببت بها جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في بيروت الأسبوع الماضي، ولكن من الممكن القول إن هذه الجريمة –بغض النظر عمن ارتكبها- أخرجت أزمة الوجود السوري إلى سطح الحياة السياسية، ووسعت حجم القاعدة التي تطالب بوضع حد لها بعد أن كان الأمر مقتصرا على بعض الأحزاب والسياسيين المحسوبين على تيارات المعارضة اللبنانية.

ومع أن سوريا كانت قد أعادت انتشار قواتها الموجودة في لبنان خلال السنوات الماضية عدة مرات، وكانت قد قلصت حجم هذه القوات لدرجة أنه لم يعد يتعدى الـ 15 ألف جندي فقط، فإنها لا زالت تصر على البقاء، متحملة في سبيل ذلك كل الضغوطات الدولية التي مورست ضدها وكان آخرها القرار 1559 الذي تبناه مجلس الأمن، كما تحملت الضجة التي أثيرت حولها بعد حادثة مقتل الحريري.

إصرار سوري
يقول المحلل السياسي السوري الدكتور عماد الشعيبي إن الوجود السوري في لبنان لم يعد ضروريا في اللحظة السياسية الراهنة بالنسبة لسوريا بالمعنى الشخصي، مؤكدا أن دمشق بودها ألا تبقي قواتها يوما آخر في لبنان.

لكن الشعيبي يبرر الإصرار السوري على البقاء بالرغبة في حماية المصالح اللبنانية قبل السورية، موضحا في تصريحاته للجزيرة نت أن هذا الوجود هو مسألة سياسية عسكرية رمزية لاعتبارات تفاوضية، الغاية منها جعل إسرائيل تدرك مدى تلازم المسارين السوري واللبناني فيما يتعلق بالمفاوضات السلمية.

وحسب وجهة النظر السورية فإن الغاية من الضجة الأخيرة، هي الرغبة في إجبارها على سحب قواتها، تمهيدا للاستفراد بلبنان، ومن ثم إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي بالمنطقة بناء على سياسة الأمر الواقع، كما حدث عندما أبرم اتفاق فرساي الذي أدى لقيام حرب عالمية ثانية، ولذلك فإن سوريا تريد أن تجنب الجميع هذا الخطر.

سوريا تخشى على لبنان من توطين الفلسطينيين الموجودين به (الفرنسية-أرشيف)
الوجود الفلسطيني
وسيؤدي انسحاب القوات السورية من لبنان (حسب وجهة النظر السورية) لتوطين الفلسطينيين الموجودين فيه، وهو الأمر الذي سيقود لا محالة لحرب أهلية بذلك البلد، لأن التوطين سيعني إخلال الديمغرافية الطائفية هناك.

التدويل والسيادة
ويرفض الشعيبي تماما مبررات المعارضة اللبنانية التي تقول إن لبنان سوف يستعيد سيادته بسحب القوات السورية منه ويصبح سيد نفسه، مؤكدا أن السيادة بالنسبة للبنانيين "مفهوم ليس له ما سبق" أي أنه مثل المستحيلات الثلاث الغول والعنقاء والخل الوفي، على حد تعبيره.

فعلى حد رأي الشعيبي فإنه منذ بداية التاريخ اللبناني كان الرئيس اللبناني يعين بقرار فرنسي أو بتوافق فرنسي أميركي، وبعد ذلك جاء النفوذ السوري الذي رافقه أيضا نفوذ فرنسي "حتى أن البعض يرفع العلم الفرنسي بدلا من اللبناني على مكاتبه ومؤسساته".

ولذلك فإن الشعيبي يؤكد أن "السيادة اللبنانية" حق يراد به باطل، والباطل هنا هو تدويل لبنان، وإيقاعه تحت النفوذ الغربي بمجرد انتهاء النفوذ السوري، محذرا من أن وجود سوريا بلبنان هو وجود "جغرافي إستراتيجي" لكن النفوذ الغربي سيكون "جغرافيا سياسيا" مشددا على الاختلاف الكبير بين النفوذين وغايتهما.

ومن الناحية الاقتصادية فإن سوريا تؤكد أن لبنان هو المستفيد الأول من خصوصية العلاقة والتداخل بين البلدين، وإن سوريا تعتبر رئته الاقتصادية، خاصة أنها تعتبر الممر البري الوحيد بالنسبة إليه، كما أن الاستثمارات السورية فيه تقدر بمليارات الدولارات.

ويؤكد الشعيبي أن النفوذ السوري السياسي بلبنان يفوق بمرات عديدة حجم وجودها فيه، مشيرا إلى أن الشارع اللبناني منقسم الآن حول قضية الوجود السوري، وأن هناك أعدادا وشرائح لا يستهان بها تطالب بالإبقاء على هذا الوجود، وهو الأمر الذي يهدد بحرب أهلية بلبنان، خاصة إذا ما تدخلت الدولة اللبنانية الرسمية، وإذا ما تدخل الجيش(المنقسم على ذاته حول هذه القضية حسب الشعيبي) لحل الأزمة.

المعارضة تتهم سوريا باستخدام الفلسطينيين ذريعة للبقاء بلبنان (الفرنسية-أرشيف)
رفض لبناني
المعارضة اللبنانية من جانبها رفضت كل المبررات السورية، وأصرت على سحب القوات السورية من لبنان، وإقامة علاقات دبلوماسية مميزة بين البلدين على أساس دولتين مستقلتين كاملتي السيادة.

ويؤكد وزير الثقافة اللبناني غازي العريضي الذي استقال احتجاجا على التمديد للرئيس إميل لحود أنه لا توجد مخاوف لبنانية من التوطين للفلسطينيين، موضحا أنه إذا سارت عملية السلام قدما، فإن ذلك سيعني قيام دولة فلسطينية مهما كان شكلها، الأمر الذي سيمهد لعودة عدد من الفلسطينيين الموجودين في لبنان، بغض النظر عن عددهم، فيما سيمنح البقية هويات فلسطينية، وهو ما سيحول دون توطينهم بلبنان.

ويرد المعارض اللبناني في المنفى العماد ميشيل عون على المخاوف السورية من فصل المسارين السوري واللبناني بتأكيده أن اللبنانيين سيكونون آخر الموقعين على السلام مع إسرائيل، فيما يؤكد رئيس حركة الجبهة الديمقراطية إنطوان لحد أن سوريا هي التي تسعى للسلام مع إسرائيل وليس لبنان، بدليل المفاوضات الثنائية السرية التي عقدت بين الجانبين.

وأشار الوزير اللبناني السابق إلى أن سوريا والحكومة اللبنانية تحاولان أن تجعلا من المخيمات الفلسطينية بلبنان ورقة ضغط ورعب على اللبنانيين، وذلك من خلال رفضهما سحب الأسلحة من هذه المخيمات، رغم أن قسما كبيرا من الفلسطينيين يطالبون بعدم عسكرة الانتفاضة، كما أن المقاومة الفلسطينية بالداخل -على حد قول العريضي- أكدت أن المقاومة المسلحة داخل الأراضي الفلسطينية هي التي ألحقت الضرر بالإسرائيليين وليست المقاومة المسلحة من الخارج.

وأوضح العريضي للجزيرة نت "لكنهم لا يريدون أن يسحبوا هذه الأسلحة، لأنهم يريدون أن يجعلوا منها مبررا للإبقاء على الوجود السوري بلبنان، بحجة حماية اللبنانيين من الخطر الفلسطيني، وكذلك لإثارة الفتن الطائفية والإقليمية بالبلاد".

وفيما يتعلق بالمخاوف السورية من تدويل لبنان وإخضاعها للنفوذ الغربي، شدد العريضي على أن اللبنانيين لن يسمحوا لأي طرف أن يستخدم لبنان ليؤذي سوريا، مشيرا إلى العلاقة التاريخية والدور الكبير الذي لعبته سوريا بإعادة الهدوء للبنان، وإعادة أعماره.

وأجمع عون والعريضي ولحد في تصريحاتهم للجزيرة نت على أن الإصرار السوري للوجود بلبنان يعود لحماية بعض المصالح الشخصية لضباط مخابرات سوريين ولبنانيين، وأكد عون أن تحقيقات الفساد التي ستفتح بالمستقبل ستكشف عن حجم الفساد الذي ارتكبه أفراد المخابرات السورية بمعاونة ضباط لبنانيين خلال السنوات الماضية.
_____________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة