أتؤدي استقالة صالح لإصلاح ديمقراطي؟   
الأربعاء 1432/5/4 هـ - الموافق 6/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 19:21 (مكة المكرمة)، 16:21 (غرينتش)

الثورة الشعبية اليمنية تكبدت العديد من القتلى والجرحى على  أيدي السلطات (الفرنسية)

يتساءل الكاتب الأميركي أبريل لونغلي أليه عما إذا كانت استقالة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح ستؤدي إلى إصلاحات ديمقراطية في البلاد؟ ويقول إنه حتى لو نجحت اليمن في تحاشي حرب أهلية, فإن التحديات الأمنية والاقتصادية ربما ستقوض الإصلاح الديمقراطي.

وفي مقال نشرته له مجلة فورين أفيرز الأميركية يتساءل الكاتب وهو كبير محللي شؤون شبه الجزيرة العربية في مجموعة الأزمات الدولية- بشأن مدى إمكانية تفوق حركات المعارضة اليمنية المتباينة في أدائها على سلطات البلاد الحالية، ويمضي بالقول:

بإلهام من الانتفاضات التي جرت في الشرق الأوسط, بدأ نشطاء المعارضة في اليمن في مواجهة النظام في الشوارع, فهل تستطيع فصائل المعارضة المختلفة أن تجد لغة مشتركة فيما بينها؟ وهل ستصغي حكومة صالح لها؟

ومع اندلاع المعركة السياسية بشأن مستقبل اليمن, فإن التحدي الأكثر إلحاحا هو تحاشي وقوع حرب أهلية عن طريق انتقال سلمي للسلطة, فمن سيخلف صالح سيواجه أزمة اقتصادية خانقة وتوترات إقليمية ملتهبة, علاوة على بيئة أمنية غير مستقرة, هذا فضلا عن أنه ومع محاورة الرئيس للنخب في العاصمة, فإن المجموعات القبلية المتنفذة ومصالح الجماعات الدينية ربما تذهب إلى أبعد مما يطالب به المتظاهرون من الشباب والمجتمع المدني بمطالباتهم بإصلاحات ديمقراطية أبعد مدى.

المجموعات المتحالفة الحالية تشكل مجموعة مختلفة من جماعات من العسير أن تتحالف سوية, فالشباب ونشطاء المجتمع المدني هم من أطلق شرارة الاحتجاجات المناوئة للنظام وثبتوا على وضعهم ورمزيتهم

شرارة الاحتجاج
إن المجموعات المتحالفة الحالية تشكل مجموعة مختلفة من جماعات من العسير أن تتحالف سوية, فالشباب ونشطاء المجتمع المدني هم من أطلق شرارة الاحتجاجات المناوئة للنظام وثبتوا على وضعهم ورمزيتهم.

غير أنه ومع مرور الوقت ولأسباب مختلفة -بما فيها الدعم الحقيقي للتغيير الديمقراطي والاعتراض على سياسة القبضة الحديدية التي انتهجها صالح ردا على الاحتجاجات وبسبب الانتهازية السياسية من الأحزاب القائمة- فإن الثوار الحوثيين وبعض الانفصاليين الجنوبيين والزعماء الدينيين وشيوخ القبائل البارزين ورجال الأعمال وقادة الجيش كلهم بادروا إلى الانضمام إلى المحتجين.

ورغم ترحيب الشباب ونشطاء المجتمع المدني بالمنضمين الجدد من أجل الإطاحة بصالح, يشكك البعض في الدور الذي ربما ستلعبه بعض تلك القوى في المستقبل.

ومن بين من انضم مؤخرا إلى الشباب معسكر المعارضة الرئيسي وهو مجموعة أحزاب اللقاء المشترك بمن فيهم حزب المعارضة الرئيسية، والإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني، ورغم أن أحزاب اللقاء المشترك انضموا إلى المتظاهرين ويطالبون برحيل الرئيس صالح الفوري, يقيم بعض أعضائه خاصة زعامة حزب الإصلاح, علاقات شخصية حميمية, وعلاقات مالية وصلات سياسية مع النظام الحالي.

وهذه الصلات تثير تساؤلات بشأن قدرة أو رغبة أحزاب اللقاء المشترك للتفاوض بالنيابة عن الذين يتظاهرون في الشوارع, كما أن الليبراليين اليمنيين ينتابهم هاجس قوي بشأن الدور المستقبلي للجناح السلفي في حزب الإصلاح بزعامة رجل الدين القوي عبد المجيد الزنداني.

ولعل الأكثر أهمية هو أن حركة الاحتجاج أضحت ساحة للمعركة بين القوى المتنفذة في أوساط تجمع أو ائتلاف قبائل حاشد التي ينتسب إليها صالح, فأبناء الفقيد الراحل عبد الله بن حسين الأحمر أضحوا معارضين علنا وبشكل خاص لصالح.

فمنذ سنوات والشيخ حامد الأحمر -وهو عضو من حزب الإصلاح ورجل أعمال قوي- يطالب برحيل صالح, وكان الأول من بين أفراد أسرته من يجاهر بدعم الحركة الاحتجاجية, وأما أخوه حسين الذي لحق به بعد فترة وجيزة فقد استقال من حزب صالح وحشد أنصارا قبليين يمموا شطر العاصمة للانضمام إلى المتظاهرين، وذلك إثر مقتل 52 من المتظاهرين يوم 18 مارس/آذار في العاصمة اليمنية صنعاء, وأما أخوهم الأكبر صادق الزعيم الحالي لقبائل حاشد فقد ضم صوته إلى أصوات المنادين بتنحي صالح.

ثم جاء يوم 22 مارس/آذار, حيث انشق علي محسن الأحمر -وهو قائد عسكري قوي وعضو في قبيلة صالح الذي يتمتع بنفوذ يجعل منه الرجل القوي الثاني في البلاد- وانضم إلى المحتجين, موجها ضربة قوية إلى صالح, فأبناء الشيخ العبد الله وغيرهم من الأفراد مثل محسن شعروا بالتهميش بشكل متزايد عن طريق تركيز السلطة والثروة في أيدي ابن صالح أحمد وأبناء إخوته, وهم عن طريق انشقاقهم تمكنوا من نقل النفوذ في قبيلة حاشد من أسرة صالح إليهم.

فهل سيهيمن الصراع والحفاظ على المصالح على حقبة انتقال السلطة بعد صالح؟ وهل سينتهي الأمر في اليمن بوجود نظام شبيه بشكل كبير بنظام صالح؟ فقد سلط انضمام محسن الضوء على إمكانية حدوث صراع أوسع بحيث يتسبب في انشقاق عشرات من قيادات الجيش بمن فيهم قائد الفرقة العسكرية الشرقية الذي يسيطر على محطات تصدير النفط والغاز الطبيعي في جنوب شرق اليمن.

ورغم تلك الانشقاقات, فلدى صالح ما يكفي من التأييد لإبعاد خطر الحركة الاحتجاجية حتى اللحظة على الأقل عنه, فرغم أن الجيش النظامي يؤيد المتظاهرين على نطاق واسع بعد انشقاق محسن, يبقى الحرس الجمهوري -وهو قوة عسكرية من الصفوة بقيادة نجل صالح- وقوات الأمن المركزي بقيادة أبناء إخوته وغيرهم من المستشارين المقربين موالون للنظام.

وأما قوات محسن فاتخذت مواقع دفاعية لحماية المحتجين في ساحة التغيير في صنعاء, بينما زاد الحرس الجمهوري وجوده حول القصر الرئاسي والبنك المركزي وغيرها من المباني الحكومية الرئيسية, حيث تمكن الطرفان من تحاشي الاشتباك رغم ما ذكر عن وقوع مناوشات بين الطرفين في الميناء الجنوبي الشرقي للمكلا, ولكن القبائل الموالية لعلي محسن هاجمت مواقع الحرس الجمهوري في محافظة الجوف الشمالية.

الأوضاع الأمنية تتدهور سريعا خارج العاصمة, فقد أصبح الريف تحت زعامة الزعماء القبليين أو اللجان الشعبية, مما يتيح للقاعدة بالتغلغل, حيث عززت مجموعات مسلحة سيطرتها على أجزاء من الشمال, في الوقت الذي يسيطر فيه الثوار الحوثيون تماما على صعدة

تدهور الأوضاع
ومع إرسال كلا الطرفين لقواتهما استعدادا للمواجهة الكبيرة, تتدهور الأوضاع الأمنية سريعا خارج العاصمة, فقد أصبح الريف تحت زعامة الزعماء القبليين أو اللجان الشعبية, مما يتيح للقاعدة بالتغلغل في أجزاء من البلاد.

وفي الحقيقة ذكر أن مليشيات مسلحة سيطرت على العديد من البلدات في محافظات أبين، حيث توجد مجموعات تدعم استقلال جنوب اليمن, وعززت مجموعات مسلحة من سيطرتها على أجزاء من الشمال, في الوقت الذي يسيطر فيه الثوار الحوثيون تماما على صعدة.

كما تسبب قرار محسن بالانضمام إلى المحتجين إلى سلسلة من المفاوضات الواعدة شملت صالح وزعماء أحزاب اللقاء المشترك ومحسن نفسه, فقد أعلن صالح يوم 23 مارس/آذار أنه يمكن أن يقبل بخطة النقاط الخمس التي اقترحت في وقت سابق من الشهر من جانب أحزاب اللقاء المشترك، التي تدعو من بين أمور أخرى إلى تنحيه مع نهاية العام الحالي, ولكن ودون معرفة الأسباب, فقد انهارت المفاوضات خلف الكواليس بعد فترة وجيزة وأصرت المعارضة على تنحي صالح فورا.

ومنذ ذلك الحين شدد كلا الطرفين من مواقفهما وانخرطا في لعبة حافة المواجهة الخطيرة, مرسلين إشارات مختلطة, حيث وعد صالح أمام حشود كبيرة من أنصاره يوم 25 مارس/آذار بأنه مستعد لنقل السلطة، ولكن "لأيد قادرة" ذلك في نفس اليوم الذي أعلن فيه الحزب الحاكم أن الرئيس صالح سيمضي فترة رئاسته بالكامل التي تنتهي في آخر العام 2013، وبعد يومين من ذلك قال صالح إنه لن يقدم تنازلات أخرى للمعارضة، كما أن كلا من الطرفين أنحى باللائمة على الآخر بسبب انفجار مصنع الذخيرة في محافظة أبين الجنوبية الذي أدى إلى مصرع 150 شخصا.

ورغم كون الخطاب المتبادل بين صالح والمعارضة خطابا ناريا تبقى خطوط الاتصال مفتوحة, فالولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وعدد من الوسطاء اليمنيين بمن فيهم زعماء كبار داخل قبيلة صالح يستمرون في بذل الجهود لتسهيل الحوار, حيث قال المطلعون على المفاوضات إن هناك ملامح اتفاق لخطة انتقالية, فأي تسوية يمكن أن تشتمل على تسليم صالح السلطة إلى حكومة انتقالية ستعد مسؤولة عن تعديل الدستور وعن سن قوانين جديدة من أجل إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.

المصالح الشخصية إذا ما سيطرت على حقبة ما بعد تسليم صالح السلطة لفترة انتقالية, فإن اليمنيين سيجدون أنفسهم أمام نظام شبيه بنظام صالح، حيث تؤول السلطة إلى زعماء قبليين أقوياء من تجمع قبائل حاشد في الشمال بالتحالف مع إسلاميين سنة, مما يثير حفيظة الجنوبيين ويذكي التوترات في أقصى شمال البلاد حيث الشيعة الزيديون المناوئون الذين عانوا طويلا من تسلط السلفية وهدر حقوقهم
ولكن يبقى هناك خلاف كبير بشأن الوقت الذي يتنحى فيه صالح، وكذلك بشأن ما يتعلق بابنه وأبناء إخوته, فأنصار صالح يرون أنه يجب أن يمضي فترة رئاسته, في حين تريد المعارضة منه التنحي في فترة شهور على الأكثر, كما يصر أنصار صالح على ضرورة تنحي إخوة الأحمر في حال تنحى نجل صالح وأبناء إخوته، كما أن من بين الاقتراحات تغيير أو تنحي أربعة مقابل أربعة, بحيث يستقيل أربعة من معسكر صالح هم ابنه وثلاثة من أبرز أبناء إخوته مقابل إخوة الأحمر الأربعة، وهي اتفاقية تحول دون بقاء أي من هؤلاء في البلاد في الفترة الانتقالية والانتخابات الجديدة.

زعماء قبليون
إن كان بمقدور النخبة السياسية اليمنية التفاوض على فترة انتقالية سلمية ومشرفة للرئيس صالح وأقاربه, فهذا سيجنب البلاد خطر اندلاع حرب أهلية, ولكن حقبة ما بعد تنحي صالح ستكون بنفس القدر من الأهمية, فالشباب ومجموعات المجتمع المدني وأنصار الديمقراطية من الإصلاحيين هم في حالة من الضعف المؤسساتي.

وإذا ما سيطرت المصالح الشخصية على حقبة ما بعد تسليم صالح السلطة لفترة انتقالية, فسيجد اليمنيون أنفسهم أمام نظام شبيه بنظام صالح حيث تؤول السلطة إلى زعماء قبليين أقوياء من تجمع قبائل حاشد في الشمال بالتحالف مع إسلاميين سنة, وهذا من شأنه أن يثير حفيظة الجنوبيين الذين يشكون جراء تهميشهم سياسيا واقتصاديا في ظل النظام الحالي, كما أنه قد يذكي التوترات في أقصى شمال البلاد حيث الشيعة الزيديون المناوئون الذين عانوا طويلا من تسلط السلفية وهدر حقوقهم.

وربما فتحت حركة الاحتجاجات الباب أمام تغيير النظام, ولكنها سرعت كذلك من اندلاع معركة داخلية بين النخبة الذين لا تعنيهم التغييرات الديمقراطية, بينما يبذلون قصارى جهدهم من أجل إبقاء مصالحهم ونفوذهم إلى الأبد.

إن إعادة الزخم إلى الوراء أمر صعب ولكن من الممكن تحقيقه, وأيا كانت نتائج المفاوضات فإنه من الضروري بشكل مطلق أن تقوم الحكومة بتمثيل الشباب ومجموعات المجتمع المدني والتجمعات الإقليمية في أي فترة انتقالية بشكل مناسب, كما أن على الأحزاب السياسية اليمنية أن تسارع من جهودها لضم الشباب ضمن بنيتها القيادية, وفي الختام فإن على أنصار الديمقراطية من مختلف الطيف السياسي أن يوجدوا آلية من أجل مساءلة أي حكومة مستقبلية بشأن الإصلاحات الموعودة.

وأما القرار الأكثر حسما وأهمية فيبقى بيد الرئيس صالح، ويتمثل في إما المواجهة والقتال وإما الإصلاح, ومع تصاعد التوتر غيرت حتى الولايات المتحدة من موقفها بهدوء، وهي تشجع نقل السلطة من خلال المفاوضات, وما زال خيار نقل السلطة بسرعة وبكرامة ممكنا وربما يمكنه إنقاذ وإصلاح تركة صالح, ولكن الباب أمام الفرص يغلق خاصة إن استمرت حصيلة القتلى في الارتفاع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة