جميلة غابت عن وداع فيرجيس   
الخميس 1434/10/16 هـ - الموافق 22/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 6:08 (مكة المكرمة)، 3:08 (غرينتش)
وزيرة الثقافة الجزائرية خليدة تومي والمجاهدة الجزائرية زهرة ظريف تقدمان التعازي لالياس فيرجيس (الجزيرة)
فايزة مصطفى - باريس
 
في جو مهيب عج بأصحاب البدلات السوداء، شيع أمس الأول بكنيسة سانت توماس وسط العاصمة الفرنسية باريس المحامي الشهير جاك فيرجيس، الذي توفي الخميس المنصرم عن عمر ناهز 88 عاما.
 
ومثلما كانت حياته مليئة بالتناقضات، جمعت جنازته شخصيات متباينة التوجهات السياسية والفكرية، من اليمين المتطرف إلى أقصى اليسار، بل وحضر العديد من المثقفين والحقوقيين من مختلف الجنسيات، من بينهم أصدقاؤه المدينون له بفضل الدفاع عنهم أو عن ذويهم، بل إن معارضيه ومنتقديه حضروا كلهم لتوديع من كان يعرف بـ "محامي الشيطان" إلى مثواه الأخير .
جنازة المحامي الفرنسي جاك فيرجيس بحضور شخصيات سياسية وإعلامية وثقافية كبيرة (الجزيرة)

وبين هؤلاء وزير الخارجية الأسبق الاشتراكي رولان دوما، و اليميني فريديريك شاتيون والفنان المثير للجدل ديودوني وغيرهم. يتقدمهم شقيقه التوأم ورئيس الحزب الشيوعي في جزيرة لارينيون الفرنسية بول فيرجيس، الذي رافقته فرقة موسيقية عزفت التراتيل الدينية.

الغائب الأول
وألقت رفيقته ماري كرستين دو سولاج -الملقبة بالكونتيسا- كلمة تناولت فيها ملامح إنسانية من حياتهما معا لفترة طويلة، وجوانب من مسيرته النضالية في سبيل أصعب القضايا. وكانت الغائبة الأولى عن الجنازة زوجة فيرجيس السابقة المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، التي انفصلت عنه مطلع السبعينيات، فيما حضر ابنهما إلياس وشقيقته مريم لتلقي التعازي. وتساءل الجميع عن أسباب عزوف التي وصفها فيرجيس بـ"أنها وجه الثورة الجزائرية" عن حضور جنازته، حيث أكد البعض أن غياب أيقونة الثورة الجزائرية سببه تدهور حالتها الصحية في الفترة الأخيرة، بينما رجح البعض أن علاقتهما منقطعة تماما.

ولمع نجم فيرجيس في قضية دفاعه عن جميلة بعد إدانتها سنة1957 بالمشاركة في تفجير أحياء أوروبية في مدينة الجزائر خلال الثورة الجزائرية (1954-1962) وساهم محاميها الفرنسي من أصول تايلندية في تدويل قضيتها التي حركت الرأي العام الدولي، بعد إصداره لكتاب "من أجل جميلة" الذي تضمن نص محاكمتها وتقارير طبية تشهد على وحشية تعذيبها من طرف جنود الاستعمار الفرنسي.

وفي السنوات الأولى للاستقلال تزوج فيرجيس بجميلة، وعملا معا في مجلتي"العالم الثالث" و"الثورة الأفريقية" الصادرتين عن حزب جبهة التحرير الحاكم آنذاك، إلى غاية 1970 حيث غادر الجزائر عائدا إلى فرنسا.

وزير الخارجية الأسبق رولان دوما في الجنازة (الجزيرة)

جورج إبراهيم عبد الله
وقد لفتت باقة الورد التي بعثها الناشط اللبناني جورج إبراهيم عبد الله من سجنه انتباه الحاضرين في القاعة. وأثناء خروج الجثمان هتف الجميع تحية للراحل، مرددين شعارات تثمن مواقفه إزاء قضاياهم، بينما نادى محامون وناشطون بمواصلة النضال الذي أسس له المحامي المتمرد.

ورغم حصول من يلقب بصاحب المعارك الخاسرة على الجنسية الجزائرية، وشهرته بالدفاع عن مناضلي حركة التحرير فإن حضور الجزائريين اقتصر على وزيرة الثقافة الجزائرية خليدة تومي، ونائبة رئيس مجلس الأمة والمجاهدة زهرة ظريف، بينما تعالت الزغاريد من بعض الجزائريات مودعات بطريقتهن أحد المناضلين في سبيل استقلال بلادهم، لينطلق بعدها الموكب الجنائزي نحو مقبرة مونبارناس الشهيرة حيث دفن إلى جوار المطرب الفرنسي سارج غرانسبورغ والفنانة دليدا.

وشاء القدر أن يتوفى أكثر المحامين جدلا وشراسة في بيت المسرحي الشهير فولتير، أشهرا قليلة بعد صدور مذكراته بعنوان "من صميم اعترافاتي : ذكريات وأحلام"، التي وثق فيها نضاله في الحزب الشيوعي قبل أن يغادره، وتجربته القضائية في المحاكم مناضلا ضد القوى الأستعمارية تارة، ومدافعا عن النازيين تارة أخرى، محاميا عن القضية الفلسطينية، مدافعا عن الثائر الفنزويلي كارلوس، وصدام حسين، وحتى عن مجرمي الحرب كقائد لخمير الحمر السابق خيو سامفان. هذا التناقض هو الذي جعل من جاك فيرجيس مدرسة في المحاماة قائمة بذاتها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة