باول يعود بخفي شارون!   
الخميس 1423/2/6 هـ - الموافق 18/4/2002 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)


باريس - وليد عباس
احتلت بعض الموضوعات الداخلية الخاصة بعالم التلفزيون الفرنسي العناوين الرئيسية في أغلب الصحف الفرنسية الصادرة اليوم إلى جانب عناوين رئيسية أخرى أشارت فيها إلى فشل مهمة وزير الخارجية الأميركي كولن باول في الشرق الأوسط أمام تصميم رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون على مواصلة هجومه واحتلاله للمدن الفلسطينية.

فشل الدبلوماسية الأميركية

باول يغادر المنطقة خالي الوفاض دون التوصل إلى وقف لإطلاق النار، بعد أن أعلن قبل البدء في مهمته أنه يريد الحصول من أرييل شارون على انسحاب إسرائيلي من الأراضي الفلسطينية

الفيجارو

قالت صحيفة الفيغارو في عنوانها الرئيسي "في الشرق الأوسط، باول يفشل وشارون يصمم"، وركزت الصحيفة على أن الوزير الأميركي يغادر المنطقة خالي الوفاض دون التوصل إلى وقف لإطلاق النار، بعد أن أعلن قبل البدء في مهمته أنه يريد الحصول من أرييل شارون على انسحاب إسرائيلي من الأراضي الفلسطينية، ومن ياسر عرفات على إدانة علنية وواضحة لما أسماه بالإرهاب.

وأشارت صحيفة ليبراسيون إلى أن وزير الخارجية الأميركي اضطر في النهاية لأن يعرب عن ارتياحه بعد أن حصل من شارون على جدول زمني لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية، باستثناء رام الله وبيت لحم، حيث يصمم رئيس الحكومة الإسرائيلية على اعتقال عدد من معاوني عرفات في المدينة الأولى، واعتقال الفلسطينيين المحاصرين في كنيسة المهد في المدينة الثانية.

الصقور في واشنطن
أشارت صحيفة الفيغارو إلى أن الرئيس الأميركي جورج بوش خرج من صمته بعد عشرة أيام، واعتبرت الصحيفة أن تعثر الدبلوماسية الأميركية ورفض إسرائيل لمطلب بوش بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية، دفعا برئيس الولايات المتحدة إلى الصمت بحيث يلقي مسؤولية الفشل الأميركي في المنطقة على كاهل وزيره كولن باول، ورأت الصحيفة أن الأمر يتعلق أساسا بقضايا داخلية مع اقتراب الانتخابات التشريعية الأميركية، وضرورة أن يختار بوش بين موقف "الحمائم" بقيادة وزير الخارجية، ويدعو إلى التزام الرئيس الأميركي شخصيا في مبادرة من أجل السلام، وبين موقف "الصقور" بزعامة نائب الرئيس ديك تشيني، الذي يعتبر أن التعثر الأميركي في الشرق الأوسط يتناقض مع الانتصار السريع الذي حققه البنتاغون في أفغانستان، وأن الحوار مع عرفات يشوش على شعارات الإدارة الأميركية بشأن الحرب الشاملة ضد الإرهاب، ونقلت الصحيفة عن المحلل المحافظ جورج ويل قوله في النيوزويك "إن الرئيس بحاجة إلى سياسة جديدة، وربما كان بحاجة إلى وزير خارجية جديد".

وركزت صحيفة ليبراسيون على مواقف اليمين الأميركي، وتحديدا "اليمين المسيحي الذي أصبح بشكل جذري مؤيدا لإسرائيل لأسباب دينية، حيث يعتقدون أن ما يحدث في المنطقة هو مرحلة من عملية تاريخية تنتهي بعودة المسيح"، وسياسيا بدأ المحافظون يدينون ما يصفونه بغياب "الوضوح الأخلاقي" في السياسة الخارجية الأميركية، حتى إن بيل بينت وزير خارجية رونالد ريغان أكد أن سياسة بوش تثير الغضب الشديد لدى قاعدته السياسية.

وأشارت الصحيفة إلى أن وزير الخارجية كولن باول يدفع منذ فترة لإنهاء حالة الجمود والغياب للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وتكمن المفارقة في أن ما دفع بالرئيس الأميركي للإدلاء بتصريحاته الأخيرة حول ضرورة انسحاب إسرائيل لم تكن مواقف باول، وإنما مستشاريه الذين سادهم الخوف -إثر الاطلاع على تقرير مدير المخابرات المركزية جورج تينيت- من إضعاف موقف الأنظمة العربية المعتدلة، وبالتالي، تعزيز موقف العراق، حتى إن مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي كوندوليزا رايس هي التي نظمت وعلقت بالشرح على تصريحات بوش حول انسحاب القوات الإسرائيلية من المدن الفلسطينية.

مؤتمر الوهم



شارون يحاول استبعاد الأوروبيين لإجماعهم على ضرورة تغيير سياسة الحكومة الإسرائيلية، ولكنه لن يتمكن من فرض مواقفه على العالم أجمع

فيدرين-لوموند

وأوضح وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين في حديث لصحيفة لوموند، أن الأوروبيين ركزوا في الأيام الماضية على "تقديم الدعم الكامل لكولن باول في مهمته، وفي مواجهة من ينتقدونه، وخصوصا في الولايات المتحدة"، وحول اقتراح أرييل شارون بعقد مؤتمر دولي من أجل السلام في الشرق الأوسط دون الإشارة لمشاركة أوروبية ومع استبعاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، رأى وزير الخارجية الفرنسي أن "الفكرة من حيث المبدأ جيدة"، ولكنه تساءل عن أهداف شارون من طرح هذا الاقتراح، وعما إذا كان كل ما يريده هو تخفيف الضغط الأميركي الذي كان قد بدأ على سياسته، أو مجرد كسب الوقت.

وحول تجاهل المشاركة الأوروبية في مثل هذا المؤتمر اعتبر فيدرين أن "شارون يحاول استبعاد الأوروبيين لإجماعهم على ضرورة تغيير سياسة الحكومة الإسرائيلية، ولكنه لن يتمكن من فرض مواقفه على العالم أجمع"، وبالنسبة لاستبعاد عرفات، قال الوزير الفرنسي "إن التفكير في إمكانية عقد مؤتمر يستطيع تحقيق نتائج ما والتوصل إلى نتيجة من دون عرفات، هو مجرد وهم". وأوضح هوبير فيدرين أن ما يثير القلق في السياسة الإسرائيلية الحالية هي الحكومة التي تتولى تطبيقها، نظرا لأنها تضم قوى اليمين المتطرف، الرافض لأي اتفاق سياسي مع الفلسطينيين، أو الانسحاب من المستوطنات، بل ويؤيد بعض أعضاء هذه الحكومة طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية.

الحوار والعودة إلى الأصول
انعكست المرحلة الدقيقة والمفصلية التي يمر بها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بعد فشل مهمة كولن باول، بوضوح في طبيعة المواد التي نشرتها الصحف الفرنسية الصادرة اليوم، حيث لم تقتصر على الأخبار والتحليلات الإخبارية، وإنما احتل الحوار والتعليق بأقلام كتاب وأساتذة جامعيين صفحات كثيرة، وأفردت صحيفة لوموند ملحقا خاصا تحت عنوان "السلام الهارب في الشرق الأوسط"، عادت فيه بالتفصيل حول أحداث 11 عاما من مفاوضات السلام، والكارثة التي يعاني منها الفلسطينيون على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، والمواجهة داخل إسرائيل بين المستوطنين وأنصار السلام، والخيارات الإستراتيجية لأرييل شارون.


الطريق الوحيد للوصول إلى الأمن هو تطبيق القانون الدولي، خصوصا بعد أن وافق الفلسطينيون على الاستغناء عن 78% من وطنهم مقابل السلام

لوموند

كما نشرت الصحيفة، في قسم الحوار، آراء متباينة لعدد من الشخصيات مثل المحامي آرنو كلارسفلد المؤيد لسياسة إسرائيل، والذي دعا إلى الموافقة على ما وصفه بـ"حق إسرائيل الشرعي في الدفاع عن نفسها"، والأستاذ الجامعي أرمان بوكريس الذي اعتبر أن الإعلام الفرنسي لا يمنح الأوضاع في الشيشان الاهتمام الذي يوليه لأزمة الشرق الأوسط، مؤكدا على شرعية مطالب الفلسطينيين والشيشانيين في الوقت نفسه، ونشرت الصحيفة مقالا قصيرا وقع عليه 36 شخصية من الكتاب والسينمائيين والمؤرخين والمحامين وعلماء الاجتماع والفلسفة، ومن بينهم اثنان حاصلان على جائزة نوبل للسلام، ويؤكد هذا المقال على أن الطريق الوحيد للوصول إلى الأمن هو تطبيق القانون الدولي، خصوصا بعد أن "وافق الفلسطينيون الذين يعيشون كلاجئين أو تحت الاحتلال، الاستغناء عن 78% من وطنهم مقابل السلام، ووقعوا اتفاقيات تقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية وفق جدول زمني لم تحترمه خمس حكومات إسرائيلية متعاقبة".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة