تساؤلات بشأن "السينما المستقلة" في مصر   
الجمعة 12/6/1435 هـ - الموافق 11/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:37 (مكة المكرمة)، 10:37 (غرينتش)

* أمير العمري

يكثر الحديث منذ سنوات عما يطلق عليه "السينما المستقلة"، دون تحديد واضح -في معظم الأحيان- لماهية هذه السينما، وما إذا كانت تمثل شكلا "ثوريا"، يتمرد على التقاليد العتيقة للسينما "التقليدية"، وهل تمتلك أصلا مشروعا فكريا وجماليا مشتركا، يطرح بديلا لما هو سائد؟

إن أول ما نلاحظه في هذا المجال غياب ارتباط صناع الأفلام "المستقلة" بحركة نقد سينمائي تمتلك القدرة على وضع أساس نظري أو حتى تسعى بشكل حقيقي إلى الدخول في جدل حقيقي نقدي مع الأفلام الجديدة التي تظهر ومحاولة تقويمها بعيدا عن اللغة الاحتفالية المغالى فيها التي تغلب للأسف، على ما يكتب من نقد في هذا المجال، خصوصا مع إغراء فكرة حصول بعض هذه الأفلام على جوائز المهرجانات المحلية والدولية، الأمر الذي يعده هؤلاء انتصارا وطنيا.

كثير من أفلام المستقلين تبدو متأثرة تأثرا يقترب من النقل أحيانا، بتجارب سينمائية في بلدان أخرى شديدة الاختلاف
"

الملمح الثاني المهم أن هناك خلطا كبيرا في المفاهيم يسود ما يطرح على استحياء أحيانا، سواء من خلال ما يكتب من نقد، أو من خلال أحاديث مخرجي هذا النوع من الأفلام، وهم يقدمون أفلامهم في الإعلام أو في المهرجانات التي أصبحت تتهافت على إبراز أي فيلم يقال إنه ينتمي لـ"السينما المستقلة" للتباهي بدعم الجديد المختلف، وفي كثير من الأحيان بغض النظر عن مستواه الفني، وهي بالطبع مشكلة أخرى.

هناك أولا خلط بين الاستقلال عن التقاليد العتيقة التي تخضع لها "أفلام السوق" التجارية المصرية التي تصنع بهدف التسلية وتحقيق الأرباح فقط (أفلام الحدوتة والمغامرة المفتعلة والقصص الهزلية) ولا تسمح لصانعيها بالبحث عن أسلوب جديد أو بهامش من "التجريب"، وبين الاستقلال عن نظام الإنتاج والتوزيع السائد، وبمعنى ما، الاستغناء أيضا عن السوق، بما يعني في النهاية -عمليا- الاستغناء عن الجمهور.

فهل الاستقلال عن السوق الذي يفرض نظاما للنجوم لترويج الفيلم وضمان درجة ما من الإقبال الجماهيري عليه هو عيب في حد ذاته؟ أم من الممكن الاستفادة منه في دعم تجارب السينما المستقلة، ودعم وجود نوع آخر من الممثل الذي لا يتمتع بالنجومية إلى جانب الممثل النجم صاحب الجاذبية؟

من قراءتي لمعظم ما كتب عن "السينما المستقلة" أكاد لا أعثر على شيء يتجاوز ما سبق أن طرحته "جماعة السينما الجديدة" في مصر في أواخر الستينيات من القرن الماضي.

ربما يكون الجيل الحالي من صناع هذا النوع من الأفلام أسعد حظا بوجود كاميرا الديجيتال الرقمي، لكن كبار السينمائيين (في هوليود أيضا) يستخدمون اليوم كاميرا الديجيتال في تصوير أفلامهم دون أن يقال إنها مستقلة عن هوليود لأنها تخلصت من عبء وتكاليف الكاميرا السينمائية.

قد يكون هناك ما يجمع بين الأفلام "المستقلة" التي ظهرت خلال السنوات العشر الأخيرة في مصر، من إخراج مجموعة من شباب السينمائيين يتمثل هذا أولا في فكرة محاولة تقديم قراءة سينمائية جديدة للواقع ولو عن طريق صنع "واقع آخر بديل"، وتصوير الفقر وسكان الهوامش والشباب المتمرد والمحبط.

وثانيا استخدام كاميرا الديجيتال لتحرير "الصنعة" وبالتالي التجرؤ على اقتحام أماكن وعوالم لم يكن ممكنا لهم اقتحامها، ولكن أساس استخدام "الديجيتال" (في العالم كله في الحقيقة) يظل هو العنصر المالي الذي يرتبط بخفض التكاليف.

ولكن هل الاعتماد على ميزانية صغيرة هدف في حد ذاته؟ ألم تظهر شركات نجحت في العثور على "صيغة" للتمويل من الخارج تكفل تغطية التكاليف قبل بدء التصوير من أجل تحقيق "سمعة جيدة" لهذه الأفلام في مهرجانات السينما (التي تقام في الخليج) والتي خلقت إطارات للتمويل أيضا؟

إن مشكلة السينما المستقلة لا تكمن فقط في غياب الرؤية أو المشروع النقدي النظري الذي يقدم إطارا نظريا متماسكا لها، بل غياب منهج واضح في التعامل مع الصورة، مع الفيلم كشكل، كلغة تعبير، كأسلوب يستند إلى ثقافة مجتمع ذي ملامح خاصة مختلفة عن غيرها.

فكثير من أفلام المستقلين تبدو متأثرة تأثرا يقترب من النقل أحيانا، بتجارب سينمائية في بلدان أخرى شديدة الاختلاف: في اللغة التي يتحدث بها الناس، في العلاقة العضوية بين الأفراد والمجاميع، في طريقة النظر والحديث وإيقاع الحركة.

يجب أن تشكل هذه الأفلام تجارب حقيقية لتجمعات السينمائيين الشباب أنفسهم، لا أن تكون "غنيمة" لمنتج "شاطر" يستغل حاجة مجموعة من السينمائيين الشباب لصنع أفلامهم الأولى

فهل يتحدث الإنسان الروسي ابن الطبقة الوسطى مثلا، كما يتحدث المصري من الطبقة نفسها؟ وهل يتحرك الناس في الشوارع بنفس الإيقاع كما يتحرك سكان فنلندا مثلا (كما نشاهد في أفلام المخرج أكي كوريسماكي)؟

وهل يفكرون أكثر مما يتحدثون، وهل كفوا عن التحديق في الآخرين، وفي استخدام أيديهم بكثرة ملفتة أثناء الحديث، وهل يجلس المصري داخل بيته منعزلا مكتئبا معظم الوقت، لا يتحدث مع أحد بل يكتفي بالتحديق في الفراغ، أم يعبر عن نفسه بالصراخ وعن غضبه بالعنف؟

هذه الملامح هي التي نصفها بأنها أولا: تصنع واقعا فنيا على الشاشة فقط، لكنه مرتبط برؤية ما، لكنه يساهم في تغريب الفيلم عن محيطه، وهذه الإشكالية وحدها أراها جديرة بالبحث والمناقشة الجادة بين النقاد والسينمائيين الشباب.

هل يمكن الانفصال عن الإيقاع الخاص المحدد لشعب ما، والقول بعد ذلك، بواقعية الفيلم؟ وهل الواقعية هدف في حد ذاته ترتبط فقط بتصوير الفقر والتخلف وحياة المهمشين ردا على تيار في السينما التجارية يصور نفس الأجواء ولكن بشكل نمطي ويجعل الفيلم مليئا بالمبالغات الفظة؟

وهل إغواء العرض في المهرجانات السينمائية التي أصبح متاحا لأي صاحب فيلم يعرف كيف يستخدم الإنترنت، هو بديل كاف يغني عن الوصول إلى الجمهور الحقيقي خارج نطاق دائرة الأصدقاء المحدودة في منتديات وسط العاصمة؟

وهل الاحتفاء المبالغ فيه من جانب الكثيرين ممن يكتبون عن الأفلام، بكل ما ينتج من أفلام "مستقلة" حتى لو كان الفيلم شديد التواضع فنيا، يدعم السينما الفنية ويساند مفهوم الفيلم البديل ضمن ثقافة المجتمع؟ أم يساهم في صنع أساطير "باطلة" لدى معظم المشاهدين أصحاب الوعي السينمائي المتوسط، وبالتالي يساهم في إضافة عامل آخر لعزلة هذه الأفلام عن الجمهور؟

وهل الانحياز يكون أساسا، للفيلم الجيد حتى لو كان "تقليديا" في بنائه، أو يعتمد على النجوم أو على ميزانية كبيرة نسبيا، أم للفيلم "المستقل" حتى لو كان رديئا؟

السينما لكي تكون مستقلة يجب أن تستند على علاقات عمل جديدة مشتركة، وعلى شكل إنتاجي راسخ واتجاهات فكرية وهموم حقيقية تشغل بال أصحابها

هناك فيلم تنطبق عليه كل "مواصفات" الفيلم المستقل هو فيلم "الغابة"، وهو عمل ضعيف فنيا بكل المقاييس، فرغم اعتماده على عناصر تعود للسينما المستقلة إلا أنه يعاني من طغيان المبالغات الميلودرامية والاستطرادات والحوارات المرهقة العقيمة.

كما يعاني من النمطية في بناء الشخصيات والمغالاة في تصوير مظاهر التدني الاجتماعي على طريقة "أفلام الأكشن"، الأمر الذي لا يجعله يختلف كثيرا عن الأفلام التجارية التقليدية السائدة مثل "الألماني" و"عبده موتة" و"قلب الأسد" وغيرها.

من جهة أخرى كان فيلم مثل "رسائل البحر" الذي يعد عملا من أعمال سينما الشركات الكبيرة (إنتاجا وتوزيعا) فيلما بديعا جريئا سواء في أسلوبه أو في موضوعه وطريقة صياغته وتعبيره عن فكر "مؤلفه" ومبدعه داود عبد السيد.

إن السينما لكي تكون مستقلة يجب أن تستند على علاقات عمل جديدة مشتركة، وعلى شكل إنتاجي راسخ واتجاهات فكرية وهموم حقيقية تشغل بال أصحابها، تدفعها الرغبة في اكتشاف أساليب جديدة تنبع من البيئة الواقعية، لا يتم استيرادها من أفلام نوري بيلج سيلان وتاركوفسكي وكياروستامي.

كما يجب أن تشكل هذه الأفلام تجارب حقيقية لتجمعات السينمائيين الشباب أنفسهم، لا أن تكون "غنيمة" لمنتج "شاطر" يستغل حاجة مجموعة من السينمائيين الشباب لصنع أفلامهم الأولى، لكي يقوم بتسويقها عبر شبكة علاقاته "الخاصة" في منتديات التمويل الخليجية، ثم يروج لها في المهرجانات الأوروبية بحيث تنتفي الحاجة إلى عرضها في "السوق" المحلية.

وبعد أن تنتهي دورة الفيلم في المهرجانات يرقد للأبد في الأدراج. إن هذه الوسيلة الإنتاجية تضر بقضية السينما المستقلة بل تخنقها وتحولها فقط إلى "سلعة" رخيصة التكاليف.
_______________
* ناقد سينمائي مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة