"محاضرات نوبل".. الإبداع بعيون صانعيه   
الخميس 1434/2/13 هـ - الموافق 27/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 12:55 (مكة المكرمة)، 9:55 (غرينتش)
غلاف كتاب محاضرات الحائزين على جائزة نوبل للأدب (1985-1999) (الجزيرة)
أحمد الشريقي-الدوحة
 
في بداية شهر ديسمبر/كانون الأول من كل عام يقف الفائز بأرفع جائزة عالمية في الأدب هي (جائزة نوبل)، ليقدم محاضرة بين يدي الأكاديمية السويدية تمثل خلاصة لمسيرته الإبداعية، وآرائه في الحياة، وتحولاته كأديب ونتاج حكمته ومكابدته مع الكتابة والتأليف، لتشكل هي نفسها نصا إبداعيا يستحق النشر والقراءة.

وضم كتاب "محاضرات الحائزين على جائزة نوبل للأدب (1985-1999)" الصادر عن وزارة الثقافة والتراث والفنون القطرية ومن ترجمة عبد الودود العمراني ومراجعة وفاء التومي، تلك المحاضرات أو الشهادات الإبداعية في "الحياة والكتابة" للفائزين بالجائزة الأدبية المرموقة خلال تلك الفترة.

وفي هذا الجزء -الذي سبقه كتاب أول ضم محاضرات لفائزين بين (2000-2010)- قائمة أخرى من الأدباء المتوجين بأرفع جائزة أدبية عالمية وهم: غونتر غراس (ألمانيا) وخوسيه ساراماغو (البرتغال) وداريو فو (إيطاليا) وفيسوافا شيمبورسكا (بولندا) وسيموس هيني (إيرلندا) وكنزا بورو أوي (اليابان) وتوني موريسون (الولايات المتحدة) وديريك والكوت (الولايات المتحدة) ونادين غوديمير (جنوب أفريقيا) وأكتافيو باث (المكسيك) وكاميلو خوسيه سيلا (إسبانا) ونجيب محفوظ (مصر) وجوزيف بروديسكي (روسيا) وول سونيكا (نيجيريا) وكلود سيمون (فرنسا).

خوسيه ساراماغو: أصحاب السلطة في العالم يهينون يوميا الكرامة الإنسانية، وأن الكذبة الكونية أخذت مكان الحقائق المتعددة

حفريات الذاكرة
يقدم الأديب الألماني غونتر غراس صاحب "طبل الصفيح" شهادته على أدبه، ويذهب بعيدا في حفريات للذاكرة عن بدايات علاقته مع الكتابة وإلى الدور الذي لعبته الصحافة في نشر الأعمال الروائية، مشيرا إلى كلمة (يتبع) وهي الكلمة التي كان ينتهي بها كل فصل من روايات القرن التاسع عشر، ولفت إلى روايات تولستوي (آنا كارنينا) وبلزاك وغيرهم ممن عرفت الصحافة الأدبية برواياتهم، مشيرا إلى الأثر الذي لعبه السرد الشفاهي في كتاباته كغيره من الروائيين.

ويقول صاحب القصيدة التي أثارت حفيظة الإسرائيليين مؤخرا في قراءته لعلاقة السلطة بالمثقفين الحقيقييين "إن المزاج المتعكر لأصحاب السلطة أجبر سقراط على احتساء كوب السم حتى الثمالة، وأرسل أوفيد إلى المنفى، وجعل سينيكا يفتح عروقه وينزف حتى الموت".

وفي الكتاب يستذكر البرتغالي خوسيه ساراماغو بواكير علاقته بالأدب، عازيا الفضل لجدين عجوزين، فهما أكثر الناس حكمة في حياته، رغم عدم قدرتهما على القراءة والكتابة، على أن العجوزين كانا من بين عشرات الأشخاص الذين حولهم ساراماغو إلى شخصيات حية تملأ رواياته، وهم بحسبه أساتذته في الحياة الذين علموه بطريقة مكثفة ما تتطلبه من عمل جاد.

ويرى صاحب "العمى" أن أصحاب السلطة في العالم يهينون يوميا الكرامة الإنسانية، وأن الكذبة الكونية أخذت مكان الحقائق المتعددة، وأن الإنسان توقف عن احترام نفسه عندما فقد احترامه لأشباهه من المخلوقات".

وفي شهادتها تعبر الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبوريسكا عن الإلهام لدى الشعراء مذكرة أنه ليس امتيازا حصريا للشعراء والفنانين، فهو دائما منبثق من الإقرار المستمر بأنني "لا أعلم".

في ثنايا الكتاب شهادات أدبية وإنسانية كثيرة لمن وصلوا ذروة الأدب الإنساني، وهي تضيء جوانب مهمة من حياة أصحاب نوبل ورؤاهم في الأدب والسياسة والتاريخ والفن

نجيب محفوظ
وبين كوكبة نوبل أخذ نجيب محفوظ مكانه اسما عربيا وحيدا حتى الآن، وعندما أعلن اسمه لم يعرفه كثيرون هناك في الأكاديمية السويدية، وساد صمت وتساءل كثيرون عمن يكون، وفي محاضرته قدم الروائي المصري تعريفا بالقادم من "العالم الثالث" فهو -بحسبه- سليل حضارتين عظيمتين إحداهما تمتد إلى سبعة آلاف عام، والأخرى الحضارة العربية الإسلامية حضارة التسامح، وهما الحضارتان اللتان تزوجتا بحسب محفوظ زواجا موفقا.

وخاطب محفوظ -الحائز على نوبل العام 1988 والراحل عن الدنيا عام 2006- بقوله "أنا قادم من عالم ينوء بالديون حتى ليهدده سدادها بالمجاعة فيهلك منه أقوام في آسيا وفي أفريقيا من المجاعات".

ولم ينس محفوظ أن يذكر بمحاضرته التي مضى عليها أكثر من عشرين عاما بمأساة فلسطين وشعبها بقوله "وفي الضفة وفي غزة أقوام ضائعون رغم أنهم يعيشون فوق أرض أجدادهم وأجداد أجدادهم هبوا يطالبون بأول مطلب حققه الإنسان البدائي وهو أن يكون لهم موضع يعرف بهم، فكان جزاء ثباتهم -رجالا ونساء وأطفالا- تكسير العظام وقتلا بالرصاص وهدما للمنازل".

ويختم صاحب أولاد حارتنا بأعجوبته هو، إذ كيف يمكن لرجل قادم من كل هذا العالم بكل مآسيه أن يكتب قصصا، ولكن من حسن الحظ أن الفن كريم وعطوف، وكما أنه يعايش السعداء فإنه لا يتخلى عن التعساء ويهب كل فريق وسيلة مناسبة للتعبير عن ما يجيش بصدره، كما يقول.

وفي ثنايا الكتاب تأتي شهادات أدبية وإنسانية كثيرة لمن وصلوا ذروة الأدب الإنساني، وهي كتابات تضيء جوانب مهمة من حياة أصحاب نوبل ورؤاهم في الأدب والسياسة والتاريخ والفن، وتمكن القارئ من التعرف أكثر على مكابدة التأليف وسحر الإبداع لدى تلك الصفوة من الناس.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة