تونس تحتفي بميلاد ابن خلدون   
الأربعاء 1433/7/3 هـ - الموافق 23/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 18:46 (مكة المكرمة)، 15:46 (غرينتش)
تمثال ابن خلدون بالعاصمة تونس (الجزيرة نت)

خميس بن بريك-تونس 

في شارع الحبيب بورقيبة الذي يشق العاصمة تونس، ويعتبر الساحة الرمزية للثورة، يقف النصب التذكاري للمؤرخ العظيم ابن خلدون شاهدا على العصر، شامخا، رافعا رأسه وبين يديه كتاب. 

وتمثال العلامة التونسي ابن خلدون يعتبر أحد أبرز المعالم التذكارية بالعاصمة. ونحت الرسام الراحل زبير التركي عام 1978 النصب التذكاري لابن خلدون، بطلب من الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، إجلالا لسعة معارفه وفكره.

ويستهوي هذا المشهد كل يوم عددا من السياح القادمين من أوروبا، لالتقاط الصور مع تمثال ابن خلدون ذائع الصيت لدى أهل المعرفة بالغرب، حيث تفطن المؤرخون الفرنسيون والبريطانيون في القرن الثامن عشر لإشعاعه الفكري وفلسفته العميقة للتاريخ والحضارة البشرية، قبل العرب. 

ومع إشراقة الشمس في 27 مايو/أيار الجاري، سيحتفى بمرور 680 عاما على ذكرى ميلاد ابن خلدون (عام 1332) بمدينة تونس، حيث نشأ وترعرع في فترة حكم الدولة الحفصية، ليبلغ سن العشرين، ثم يشدّ رحاله إلى مدينة فاس المغربية طلبا للعلم والدراسة. 

وعن حياته، يقول الدكتور إبراهيم جدلة، المتخصص في التاريخ الإسلامي، إن ابن خلدون ترك أثرا عن سيرته في كتابه "التعريف بابن خلدون في رحلاته شرقا وغربا"، مشيرا إلى أنه ولد بمدينة تونس في عائلة أندلسية تمتلك نواصي العلم، كانت قد هاجرت من إشبيلية في الأندلس بعد غزو النصارى لتلك البلدة. 

ويقول للجزيرة نت "لقد ولد ابن خلدون في أسرة أندلسية مرموقة ومتعلّمة وهذا الوسط الأسري، الذي عاش وترعرع فيه ساهم في تطوير معارفه رغم صغر سنه". 

وتعلم ابن خلدون في جامع الزيتونة، القريب من منزله بتربة الباي بالعاصمة، اللغة العربية والنحو والصرف والتلاوة والفقه، لكن مشايخه "لم يكونوا من كبار الفقهاء"، حسب جدلة، الذي يقول إن ابن خلدون "كان فقيها مثل أقرانه الذين عاش معهم في تلك الفترة من حياته". 

ولما احتل السلطان أبو الحسن المريني أواسط القرن 13 تونس قادما من مدينة فاس بالمغرب، جلب معه نخبة من العلماء، الذين انبهر بهم ابن خلدون وأتم معهم علومه العقلية في المنطق والفلسفة وغير ذلك. 

إبراهيم جدلة: الوسط الأسري ساهم في تطوير معارف ابن خلدون رغم صغر سنه (الجزيرة نت)

المغرب والجزائر
وفي سن العشرين، هاجر ابن خلدون مع العلماء المرينيين إلى مدينة فاس، بعدما مني أبو الحسن الماريني بهزيمة في معركته مع القبائل البدوية في مدينة القيروان (جنوب تونس)، وتابع تعليمه هناك. 

ويقول إبراهيم جدلة "لقد واصل ابن خلدون مرحلة مهمة في تعليمه بفاس على شيوخ تلمسان، مثل العلامة أحمد المقري وابن البنا، الذين كانوا يتقنون العلوم العقلية مثل الفلسفة والمنطق وبعض العلوم الأخرى القريبة من العلوم الصحيحة (...) وهذا جعله يتلقى تكوينا أكاديميا يتجاوز التعليم الذي حصل عليه في تونس". 

وساعدت العلاقات، التي وثقها ابن خلدون منذ ذلك العهد مع العلماء المرينيين على أن يشغل المناصب الرفيعة في البلاط الفاسي، لكن "حياته السياسية منيت بالفشل" حسب قول إبراهيم جدلة، فرحل إلى غرناطة بالأندلس عام 1362، ومنها إلى قلعة ابن سلامة بمدينة وهران الجزائرية، حيث تفرغ هناك للكتابة ونعم بالهدوء والاستقرار. 

وعن أبرز مؤلفاته، يقول إبراهيم جدلة "أهم ما كتبه هو كتاب العِبر"، الذي يقع في سبع مجلدات ويتصدرها كتاب "المقدمة". وتميّزت هذه المجلدات بموسوعيتها واحتوائها على عدة نظريات علمية عن الكون والدولة والاقتصاد والعمران (...) جعلت الباحثين يعتبرون الرجل أول مؤسسي علم الاجتماع الحديث. 

ويمضي قائلا "لقد كان ابن خلدون مطّلعا على الآثار والكتب السابقة وحاول أن يستنتج من ذلك فكرا تأليفيا يشرح به التاريخ البشري بطريقة منطقية، وهو ما جعل ابن خلدون يبقى خالدا". 

ولما أنهى ابن خلدون عزلته في الكتابة عاد إلى تونس، لكن "التنافس" بينه وبين وابن عرفة الذي كان إماما بجامع الزيتونة ورجل دين قويا، على حد وصف إبراهيم جدلة، دفع بالرجل إلى الرحيل باتجاه مصر، حيث أنهى حياته فيها وتوفي في 19 مارس/آذار 1406. 

 منيرة الرمالي: ابن خلدون بنى أسسا جديدة للتاريخ (الجزيرة نت)

رحلته إلى الشرق
ولابن خلدون مكانة مرموقة في مصر، إذ تقول الأستاذة منيرة شابوتو الرمالي، المتخصصة في التاريخ الوسيط (وتحديدا مصر والشام في العهد المملوكي)، إن فترة انتقاله إلى هناك عام 1382 تزامنت مع صعود حكم الملك برقوق في دولة المماليك الجراكسة، القادمين من شمال البحر الأسود.

وتقول للجزيرة نت "ابن خلدون عاش في حكم سلطان برقوق الذي سماه قاضي قضاة المذهب المالكي في تلك الفترة"، التي تميّزت كأي فترة من فترات الحكم بالحسد والغيرة والصراعات على المناصب، وفق قولها. 

وتضيف منيرة أن ابن خلدون انتبه في مصر إلى أن الكتابة التاريخية عن العرب في المغرب الإسلامي (شمال المغرب العربي والأندلس) "لا تكفي لأنها ستكون منغلقة"، مشيرة إلى أنه أخذ نظرة موسوعية للتاريخ العربي مستندا إلى تنقلاته في المغرب الإسلامي ومطالعاته الواسعة. 

وأشارت إلى أن أبرز شيء حصل مع ابن خلدون في المشرق هو مقابلته للملك المغولي تيمورلنك، الذي غزا الدول الآسيوية والعراق واحتل سوريا عام 1401. 

وأضافت أن ابن خلدون استطاع أن يبني أسسا جديدة للتاريخ وهو ما جعل الناس يتجهون لقراءة كتابه "المقدمة"، مشيرة إلى أنه كان واعيا بكتابة منهجية جديدة للتاريخ.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة