الجزائرية مليكة مقدم ورواية الذاكرة الموشومة   
السبت 1434/7/15 هـ - الموافق 25/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:10 (مكة المكرمة)، 10:10 (غرينتش)
غلاف رواية "أدين بكلّ شيء للنسيان" لمليكة مقدم (الجزيرة)
هيثم حسين- القاهرة
 
في روايتها "أدين بكل شيء للنسيان" ترصد الجزائرية مليكة مقدم المتغيرات الاجتماعية والسياسية بالجزائر بعد الاستقلال، وما أفرزته من ظواهر اجتماعية سلبية وتأثيراتها على حياة الناس، وعبر ومضات لذاكرة البطلة المثقلة تظهر الشروخ والتداعيات الخطيرة التي خلفتها التحولات السياسية حتى "العشرية السوداء".

تحضر في نسيج الرواية آثار تلك التحولات التي أنتجت نوعا جديدا من العنف، جاوز العنف المتراكم على النساء والأطفال، ليمس فئات وشرائح كبرى، وظل في اتساع خطير أنذر بتفتيت مفجع ما يزال متفعلا حتى الآن في بعض المناطق الجزائريّة. وتصوّر مقدّم من خلال شخصيّة بطلتها "سلوى مفيد" تلك الأوضاع وحالات قهر النساء في مجتمعات تراها منغلقة. 

تعود سلوى بعد عقود لتسترجع ما كان وتنبش في خلفيّاته وتستجلي الظروف المحيطة، وكأنّها بصدد إجراء محاكمة "كافكاويّة" لأمّها وخالاتها وأهلها جميعا

رهينة المآسي
في روايتها -التي ترجمها السعيد بوطاجين ونشرتها الدار العربيّة للعلوم ناشرون- تمنح مقدم لبطلتها فرصة التعبير عن ذاتها وعالمها.

فتعود الطبيبة سلوى مفيد بذاكرتها إلى الماضي الذي ظلت تجاهد للتخلص منه ونسيانه، لكن النسيان يعاندها، لتبقى رهينة المآسي التي رأتها وتعرضت لها في الصحراء -حين كانت طفلة- ومن ثم في مراحل تالية، قبل أن تنتقل إلى الدراسة في باريس والإقامة فيها.

في أحد مشافي باريس، تحتضرامرأة غريبة أمام الطبيبة، ثم يكون مشهد تكفينها التالي باعثا على اشتعال ذاكرة سلوى مفيد، وهي تستدعي مشاهد حفرت عميقا في ذاكرتها. إذ ترى فيها مشهد طفل في قماطه تمّ خنقه وتكفينه ودفنه. وتكون تلك الحادثة مؤذية لسلوى التي لم تستطع البرْء من حالتها القاهرة حين كانت طفلة وشاهدت خنق أحد أطفال عائلتها على يد خالتها.

حادثة رؤية سلوى لخالتها "زهية" وهي تخنق المولود الذي كان سيشكل عارا على العائلة، ترسخت في ذاكرتها، وغيرت حياتها، هامَت بعدها على وجهها،  ووصُفت في تيهها وهروبها بـ "الهرّابة الصغيرة" وظل توصيف الهرّابة ملازما لها حتّى بعد أن كبرت.

تعود سلوى بعد عقود لتسترجع ما كان وتنبش في خلفيّاته وتستجلي الظروف المحيطة به، وكأنها بصدد إجراء محاكمة "كافكاوية" لأمها وخالاتها وأهلها جميعا، لكنها تكتشف أن الزمن الذي يجدر به أن يداوي، يظل كاويا حارقا للقلوب والأرواح معا.

تشتري سلوى صمت ذويها بما تهبهم من أموال، مما يدفعهم إلى غض النظر عن تحرّرها، وحين تسأل أمها عن ملابسات الموضوع في مواجهة تظن بأنها ستحطم كل شيء، تبوح لها أمها بما تكتمت عليه طويلا، وتخبرها بأنه لم يكن لديهم أي خيار آخر لتلافي الفضيحة في مجتمع منغلق، وأقدموا على ما يجب أن يكون. تحكي الأم القصة بنوع من التبسيط ودون أي شعور بالإثم، وكأن التضحية بطفل وليد من أهون الأمور المتوقعة قياسا لهول ما يجري.

الرواية تؤكد أن الشخصية التي تتمحور حولها لم تفلح في نسيان أي شيء، لذلك يكون دينها للنسيان أنه لم يتمكن منها ولم يمحُ ما اختزنته ذاكرتها

ثنائيّات متداخلة
الصحراء، وهران، الجزائرالعاصمة، قرى وأرياف أخرى تحضر في خارطة الأمكنة الروائيّة، في حين أن الزمن يعود إلى الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، في حالة من التداعي الحرّ والاسترجاع الأليم.

تجري الروائيّة نوعا من التعويم الزمني، بإجراء تداخلات بين الماضي والراهن، لترسل بمزجها الأزمنة رسالة مفادها التحذير من خطورة تكرار الماضي، وتنذر من مماثلة الغد للأمس، وما يمكن أن يجر على البلاد والعباد من ويلات محتملة.

ثنائية الذاكرة والنسيان تتبادلان الحضور في المتن، بالموازاة مع حالات من الارتياب والتوجس، إذ تتجلى الحالة التي تخبر بها في العنوان من جهة ما تدين به للنسيان محتلّة صدارة الاهتمام، في حين يبدو أنها تدين بكل شيء للذاكرة، لأنها لم تفلح في نسيان ما مرت به وما تعرضت له.

ويكون العنوان حاملا لتورية وقلب للحالة، لأن ما يتبع في الرواية يؤكد أن الشخصية التي تتمحور حولها الرواية لم تفلح في نسيان أي شيء، لذلك يكون دينها للنسيان أنه لم يتمكن منها ولم يمحُ ما اختزنته ذاكرتها، مما شكل لها دافعا متجددا لتطوير ذاتها والاعتماد على نفسها وحث خطاها نحو المستقبل بثقة تشحذها رهبة متعاظمة من الماضي.

ومع ثنائيّة الذاكرة والنسيان، تتقدم ثنائية الشرق والغرب، فالطبيبة التي تعمل في مشفى باريسي، وتعيش كامرأة متحضرة، تكون الذاكرة جسرا بين الشرق الذي تجاهد للهرب منه، والغرب الذي يعيدها إلى موطنها بشيء من الحنين القاسي. ولا تلبث أن تعود، حتى يصدمها الواقع مرة أخرى، كأن شيئا لا يتغير طيلة عقود، وكأن هناك تحجرا في الأذهان، وكأن انعدام الحركة يكون ناتجا طبيعيا لانعدام الحيلة والوسيلة.

رحلة العودة تكون محفوفة بالكثير من المخاطر. تفلح سلوى في التخلص منها عبر تقديمها الهدايا والأموال التي كانت تسد الأفواه وتعمي العيون عنها، لكنها تقابل في رحلتها المعاكسة إلى باريس، امرأة في الطائرة "فتيحة" تحكي لها مأساتها مع أخيها الذي استدرجها للعودة بعد ثلاثة عقود من الغياب بحجّة أنه سيدلها إلى ابنتها التي وصُفت باللقيطة وتمّ إعطاؤها لأحدهم للتخلص منها ومن عارها الذي كان عار المحيطين بها، وكان أن سجنها وحاول الإساءة إليها وابتزازها وسلبها أموالها، لتصرّح بأن إذلال الإنسان قد يصل إلى درجة قاتلة.

تكبر دائرة الثنائيات في رواية مقدّم لتعالج ازدواجية الجنس، عبر حالة من حالات الجنوسة، وهي حالة فومي صديق سلوى -ابن العائلة الثريّة- الذي يعاني جرّاء عدم تقبّل حالته، مما يؤدي به إلى اغترابه عن محيطه، ويكون في مصادقة سلوى لفومي الذي يعيش حالة جنوسة مختلفة في مجتمع يدين هذه الحالات، ردا على ما تحتجّ عليه من موبقات تمارس في عتمة الجهل بعنف مدمّر.

سفاح القربى، نسف البنى الاجتماعيّة، تفتيت وحدة الأسرة، ممارسات شائنة وسلوكيّات مَعيبة، وغيرها من الموبقات  التي يضج بها قاع المجتمع الذي تقاربه الرواية، تتكامل لترسم ملامح مشهد عالم يغرق في أتون البؤس والتخلّف، ويرتهن للنزوات التي تنتج الكوارث المتعاظمة. وهو ما يوجب المسارعة للتقليل منه وإيقافه، وفق خطاب الرواية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة