فولك: تقرير غولدستون حدث استثنائي   
الأحد 1431/4/5 هـ - الموافق 21/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 13:52 (مكة المكرمة)، 10:52 (غرينتش)

فولك: تقرير غولدستون أصاب عصب إسرائيل الحساس وأثار الضمير الأخلاقي العالمي  (الفرنسية-أرشيف)

كتب مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة ريتشارد فولك مقالا مطولا علق فيه على تقرير القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد غولدستون بشأن الحرب الإسرائيلية على غزة، وهذا ما جاء فيه:

أود أن أميز ما بين تقرير غولدستون من وجهة نظر القانون الدولي والسياسة الدولية من جهة، وبينه كحدث استأثر باهتمام كبير على ضوء التقرير المكون من 575 صفحة الذي أعدته لجنة -شكلت بناء على طلب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة- مؤلفة من أربعة أشخاص برئاسة القاضي ريتشارد غولدستون، في مهمة تقصي الحقائق بناء على قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يوم 12 يناير/كانون الثاني 2009.

فمن جانب كان محتوى التقرير وما شمله من أحداث شبيها بجرائم أدولف أيخمان الواردة في وصف حنا آردنت "تفاهات وابتذال الشيطان"، وما ضمه في ثناياه من مواد أكسبه اهتماما عالميا، وفي نفس الوقت كان مثارا للجدل، وما دره على غولدستون رجل القانون الدولي المميز من ثناء من جهة وافتراء وتشويه من جهة أخرى، الأمر الذي أكده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقوله -بنبرة غير معتادة- "إن إسرائيل تواجه ثلاثة تحديات إستراتيجية هي: البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ التي تطلق على المدنيين الإسرائيليين، وتقرير غولدستون"، ولكني أشك -رغم كل الاهتمام العام الذي حظي به- في وجود قلة ممن يقرؤون التقرير والجزء الخاص بالتوصيات بتمعن ويعلقون عليه.

إن التحدي الأول لفهم تقرير غولدستون يكمن في كونه أصاب عصب إسرائيل الحساس وأثار الضمير الأخلاقي والسياسي العالمي، ومن هذا المنطلق ستبذل محاولات لتقييم سبب رد الفعل الأميركي والإسرائيلي الغاضب عليه, ولذلك لا أظن أن التوترات التي برزت بعد نشر تقرير غولدستون والتي تبدو معقولة من وجهة نظر الشرعية اللبرالية يمكنها أن تكون عملية، ويمكن تطبيقها على ضوء الحقائق الجيوسياسية سواء من جانب الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية.

وعلى ضوء التوترات الحالية ما بين متطلبات القانون الدولي والضغوط الجيوسياسية وما ولده التقرير من ضجة وغضب, فإنه يثير تساؤلات خاصة بشأن إمكانية تنفيذ توصياته الرئيسية من جانب الحكومات أو من جانب مبادرات من الأمم المتحدة، وبشكل أقل من جانب المحكمة الجنائية الدولية، مما يثير تساؤلات بشأن مدى قدرة القانون الدولي ونظام الأمم المتحدة على حماية حقوق الضعفاء، في ظل وجود دولة معتدية تتمتع بحماية القوى الجيوسياسية وتعتمد عليها في حمايتها.

ولذا، سيتم التركيز على المجتمع المدني الدولي من أجل تنفيذ توصيات تقرير غولدستون، وهذا يذكرنا بالحملة التي شنت بنجاح كبير في ثمانينيات القرن الماضي ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وأدت إلى تغييره.

1- لماذا كسر تقرير غولدستون حاجز الصوت؟

إسرائيل اتبعت سياسة الأرض المحروقة في الحرب على غزة (الفرنسية-أرشيف)
توقعات عالمية قوية
تشكلت لجنة غولدستون بعد الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة في الفترة من 27 ديسمبر/كانون الأول 2008 وحتى 18 يناير/كانون الثاني 2009، حيث كانت حربا غير متكافئة بين قوة عسكرية جبارة وخصم لا يملك وسائل الدفاع عن النفس، وهو ما كشفت عنه وسائل الإعلام خلال تغطيتها للأحداث، ناهيك عن استهداف إسرائيل وتدميرها لأماكن محمية بحكم القانون الدولي.

كما أن إسرائيل استهدفت البنية التحتية المدنية وفق ما أورده شهود عيان، موقعة نحو 1400 قتيل، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال مقابل 13 إسرائيليا، منهم ثلاثة مدنيين فقط، مما حدا بالمعارضين لتلك الحرب إلى تسميتها بالمذبحة، ولكن مؤيديها أطلقوا عليها "عملية الرصاص المصبوب" تحاشيا لتسمية المشكلة.

وردا على الهجمات على غزة, برزت دعوات ملحة لرد فعل من جانب مسؤولي الأمم المتحدة، بما في ذلك سكرتيرها العام والمفوض السامي لحقوق الإنسان تعبر عن القلق إزاء الهجوم الإسرائيلي وتدعو لإجراء تحقيقات بشأن الهجوم الإسرائيلي العسكري، ومن ضمن ذلك ارتكاب جرائم حرب, ونتيجة لذلك عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان جلسة شكل الأخير بموجبها لجنة تحقيق في الحرب الإسرائيلية على غزة برئاسة غولدستون, ولكن تجاهل وسائل الإعلام لذلك ولد صرخة غضب وإحباط على مستوى العالم إزاء العمليات العسكرية الإسرائيلية، وكذلك داخل الأمم المتحدة، وإن كانت بدرجة أقل في أميركا الشمالية.

وبعد أسابيع من قيام إسرائيل بشن هجومها العسكري على غزة، كانت هناك توقعات غير واقعية من جانب أنصار الفلسطينيين تتمثل في أن يؤدي الضغط الخارجي على إسرائيل إلى إنهاء حصارها على غزة بالتزامن مع وقف إطلاق النار يوم 18 يناير/كانون الثاني 2008, لكن إسرائيل استمرت في فرض الحصار والإغلاق على قطاع غزة، كما استمرت معاناة سكانه, وفي الحقيقة فإن إسرائيل استمرت في فرض الحصار بالتعاون مع مصر، علما بأن استمرار السياسة الآثمة هذه يشكل انتهاكا صارخا للمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تمنع العقوبات الجماعية، هذا مع العلم بأنه تم وصف تداعيات الإغلاق المستمر على قطاع غزة منذ يونيو/حزيران 2007 بكونه يرقى إلى مرتبة الإبادة الجماعية البطيئة والجرائم ضد الإنسانية.

ولما كان غولدستون شخصية يهودية صهيونية يحتفظ بصلات وعلاقات مستمرة مع إسرائيل، بالإضافة إلى كونه شخصية عالمية مشهورة، فقد كان يعتقد أنه لا يمكن تجاهل التقرير الذي سيقدمه ولكنه لم يلق الاهتمام الكافي العالمي ولا الاحترام في الدوائر العالمية, وهنا فقد توقع منتقدو سياسات إسرائيل الاحتلالية أن يؤدي ذلك إلى احتمال ممارسة ضغوط دولية قوية من أجل تقيد إسرائيل بنظام الأمم المتحدة، خاصة بعدما بدت إسرائيل وكأنها تستهدف عن قصد مهاجمة منشآت الأمم المتحدة.


الحرب على غزة أثارت احتجاجات ضدها على مستوى العالم (الفرنسية-أرشيف)
جرائم حرب

كان من المفترض بشكل عام أن تدان إسرائيل بارتكاب جرائم حرب إثر تقرير غولدستون، وعلى ضوء إجماع مسبق على تجريم الأساليب الإسرائيلية التي انتهجتها في الماضي، وهو ما خلصت إليه استنتاجات لجنة غولدستون لكون إسرائيل انتهجت في السابق أساليب تنتهك القانون الدولي، بل إن التقرير ذهب إلى أبعد مما كان يتوقع، وذلك بتقديمه سلسلة من التوصيات تطالب الأمم المتحدة بتنفيذ أحكام القانون الدولي رغم المعارضة السياسية القوية له من جانب كل من إسرائيل والولايات المتحدة, ولكن توجيه الاتهام لحركة المقاومة الفلسطينية (حماس) بارتكاب مخالفات تتعارض مع القانون الدولي الخاص بحقوق الإنسان, أوجد نوعا من التوازن في هذا التقرير دون أن يتحاشى القول بأن أهمية التقرير نابعة من استنتاجاته المنتقدة لإسرائيل.

تقرير غولدستون أصاب عصب إسرائيل الحساس وآلمها:
مما لا شك فيه أن الضجة والغضب الإسرائيلي ضد تقرير غولدستون أديا إلى تعزيز هذا التقرير الذي أثار حفيظة الزعماء الإسرائيليين ووسائل الإعلام هناك لدرجة دفعت برئيس إسرائيل شمعون بيريز لوصف التقرير بأنه استهزاء بالتاريخ، واستخدم نتنياهو في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2009 لغة مشابهة لتلك التي استخدمها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول حينما قال "هل تريدون تأييد إسرائيل أم الإرهاب؟"، واستطرد يقول "نريد معرفة الجواب على هذا السؤال الآن وليس في وقت لاحق, فنحن نريد أن نعرف الآن أنكم ستقفون معنا غدا لأنه يطلب من إسرائيل اتخاذ مخاطر من أجل السلام".

ولكن تقرير غولدستون استخدم لغة مختلفة حينما قال موجها حديثه للأمم المتحدة "هل ستوفرون الحصانة لإسرائيل وزعمائها أم ستؤيدون الدعوة لتطبيق القانون الدولي الخاص بحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي؟"، أما وزير الدفاع الإسرائيلي فقد ردد وجهة نظر نتنياهو من التقرير، حيث وصفه بأنه مزور ومشوه، ووصف تبنيه بكونه يحد من قدرة الدول الديمقراطية على الدفاع عن نفسها في مواجهة "الإرهاب" بشكل عام.

وبعيدا عن طبيعة تلك الجمل الخلافية التي تقول إنه في حالة كون الخصم "إرهابيا" فيجب استخدام القوة ضده بلا حدود وقيود, وهنا يكمن الخلاف, فكيف يمكن وصف منظمة انتخبت ديمقراطيا في انتخابات عامة "بالإرهاب"؟ وهي التي طالبت في السنوات الأخيرة مرارا وتكرارا بحل سلمي للنزاع.

أما حماس التي تمثل حكومة الأمر الواقع في غزة فقد اشترطت قبولها وقف إطلاق النار بإنهاء الحصار على غزة وفتح المعابر، كما اقترحت التعايش السلمي مع إسرائيل لفترة قد تستمر 50 عاما إذا انسحبت إسرائيل إلى حدود عام 1967 ونفذت قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242, وفي الواقع فإن حماس اقترحت وقف إطلاق الصواريخ من أراضيها على إسرائيل, وهو أمر غير قانوني رغم الاستفزازات الإسرائيلية، ولعل النقطة الأساسية هنا لا تكمن في الرد الإسرائيلي, ولكن في ترجمة رد الفعل غير المسبوق لممارسة ضغط مكثف على زعامة تل أبيب.

ولكن ما هو السر وراء ردة الفعل الإسرائيلية المعادية لتقرير غولدستون؟ لعل أحد الأسباب هو الحد من سقف التوقعات من جانب مؤيدي التقرير الذين راهنوا على أن السمعة والمكانة التي يحظى بها غولدستون المعروف بتعاطفه مع إسرائيل ستحول دون إهمال تقريره، كما أن تقرير غولدستون رفض الحجج الإسرائيلية بضرورة أن يتكيف قانون حقوق الإنسان ليتلاءم مع أساليب محاربة "الإرهاب" حتى لو أدى ذلك إلى الهجوم المباشر على مناطق مأهولة بالسكان، ناهيك عن أن تقرير غولدستون بيـّن مدى العنف والقسوة التي تنتهجها إسرائيل ضد سكان الأراضي الفلسطينية بشكل عام وليس قطاع غزة فقط.

"
تقرير غولدستون أقض مضجع الحكومة الإسرائيلية بسبب إمكانية توجيه تهم للمسؤولين العسكريين والمدنيين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كما حدث مع اليهود من جانب النازيين
"
القلق الإسرائيلي

ولكن الذي أقض مضجع الحكومة الإسرائيلية هو ما ورد في التقرير من إمكانية توجيه تهم للمسؤولين العسكريين والمدنيين بارتكاب جرائم حرب وربما ارتكاب جرائم ضد الإنسانية كما حدث مع اليهود من جانب النازيين حينما تم قتل اليهود بصورة جماعية, وكان هناك أساس ومبرر للقول بأن عدم تقيد إسرائيل باتفاقيات جنيف وانتهاكها لها لم يكن وليد خطأ ولكنه كان عملا جنائيا، مما أثار القلق من توجيه لوائح اتهام وإدانات لها، ومما قد يؤدي إلى اعتقال مسؤولين إسرائيليين عسكريين ومدنيين وتوجيه تهم لهم بانتهاك القانون الدولي سواء بواسطة آلية دولية، أو عن طريق إجراءات تقوم بها دول وحكومات بشكل منفرد بناء على سلطة القضاء الدولي.

ومن المؤكد أن رد الفعل الإسرائيلي العنيف تسبب في زيادة الاهتمام بتقرير غولدستون وفي توجيه الانتقاد إلى إسرائيل، رغم أن الأخيرة لم تنحن أمام الضغوط الخارجية في الماضي، خاصة من جانب الأمم المتحدة، وبالأخص من جانب مجلس حقوق الإنسان الذي تصفه كل من إسرائيل والولايات المتحدة بأنه "قذر"، وهي تراهن على دعم الولايات المتحدة لها.

وأوضح مثال على ذلك هو رفض إسرائيل الاستجابة لقرار محكمة العدل العليا الدولية الخاص ببناء جدار الفصل الإسرائيلي داخل الضفة الغربية الذي وصفه بأنه غير شرعي وتجب إزالته وتفكيكه، ويشجعها على ذلك الرفض الدعم الأميركي لها, وكان على إسرائيل عدم استقبال تقرير غولدستون بوصفه صدمة ومفاجأة على ضوء استنتاجات لجان تحقيق سابقة استمعت إلى شهادات جنود من الجيش الإسرائيلي شاركوا في الحرب على قطاع غزة أمام لجان تحقيق مستقلة.

وفي الواقع فإن رفض إسرائيل للتعاون مع لجنة غولدستون ورفضها السماح بدخولها إلى قطاع غزة يفسر على أنه رفض مسبق لاستنتاجات التقرير، اعتقادا من الحكومة الإسرائيلية أن التقرير سيؤكد صحة ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب، وعليه فقد كانت تعرية التقرير لإسرائيل بمثابة انتصار مدهش في مجال العلاقات العامة يتعلق بمبادرة الأمم المتحدة، ولكن علينا عدم الإغراق في التفاؤل على ضوء نجاح إسرائيل في إعاقة التحركات في الأمم المتحدة الداعية لتطبيق التوصيات والقرارات الدولية.

استنتاجات وتوصيات تقرير غولدستون:
1- إن مما يؤكد مصداقية تقرير غولدستون هو تلك التقارير التي نشرت سابقا بشأن ارتكاب إسرائيل -خلال هجومها العسكري في أواخر 2008- جرائم حرب على نطاق واسع، إن لم تكن جرائم بحق الإنسانية، من قبيل استخدام القوة المفرطة ضد سكان عزل لا حول لهم ولا قوة، وفقا لما يعرف بـ"مبدأ "الضاحية" (نسبة لضاحية جنوب بيروت التي دمرتها إسرائيل 2006) الذي يسمح باستخدام القوة المفرطة وإلحاق الدمار الكبير بالممتلكات المدنية والبنية التحتية والتسبب في معاناة شديدة, كما بين تقرير غولدستون أن عملية الرصاص المصبوب نفذت بناء على ذلك المبدأ، وهذا الاستنتاج يثير قضية شن حرب غير متكافئة على سكان مدنيين لا حول لهم ولا قوة، وعلى نحو لا يتماشى مع قانون حقوق الإنسان المدني أو عرف القانون الدولي الذي يحكم الحروب، وأعتقد أنه تجب إحالة هذا الأمر إلى منظمة الصليب الأحمر الدولي لمناقشته والتحقيق فيه ولتجريم الممارسات الحربية من هذا النوع، علما بأنه توجد مزاعم بوجود خصوم مسلحين في المنشآت المدنية المحمية، ولكنه يحظر في كل الأحوال إلحاق الضرر بالبنية التحتية المدنية كأهداف مسموح بمهاجمتها.

2- على ضوء المعارضة لفتح تحقيقات جنائية وفقا للمعايير الدولية, فإن التقرير يحث على اللجوء إلى القضاء الدولي لمناقشة انتهاك بنود اتفاقية جنيف لعام 1949 التي تمنع الدول من منح الحصانة لمن ينتهك اتفاقيات جنيف وفق ما ورد في ختام تقرير غولدستون، حيث يطالب الدول بفتح تحقيقات جنائية في محاكمها الوطنية حينما يوجد دليل واضح على انتهاكات فاضحة، وبموجب ذلك يجب اعتقال المشتبه فيهم وتقديمهم للمحاكمة بما يتماشى مع القضاء الدولي ومعاييره، وهذا تذكير مهم بأنه في حالة فشل دولة في التصرف بجدية مع مواطنيها، فإنه يمكن اللجوء إلى القانون الدولي لمحاكمة هؤلاء, وهذا موجود في العديد من دول أوروبا الغربية، حيث تمارس كل من إسرائيل والولايات المتحدة ضغوطا على دول أوروبا الغربية، وحيث تحاول كل من تل أبيب وواشنطن ممارسة ضغوطاتهما في هذا السياق للحد من سلطة الشرعية القضائية الدولية, وفي هذا السياق ذكر أن زعيمة المعارضة الإسرائيلية تسيبي ليفني -وقد كانت وزيرة الخارجية خلال الحرب الإسرائيلية على غزة- قد ألغت زيارات كانت تنوي القيام بها لبعض الدول الأوروبية الغربية خشية اعتقالها بتهمة انتهاك قانون حقوق الإنسان، ومن الواضح أن هذا التهديد سيحد من زيارات مماثلة يؤديها كبار المسؤولين الإسرائيليين ذوي الصلة بعملية الرصاص المصبوب أو أي أعمال إسرائيلية يشك في انتهاكها لقانون حقوق الإنسان العالمي، كما أنه من المحتمل أن يعزز هذا التشريع سلطات المحاكم القومية لتطبيق القضاء الدولي وامتداده ليشمل دولا أخرى، خاصة إن فضلت حركة التضامن الفلسطينية انتهاج هذا الأسلوب.

3- يوصي تقرير غولدستون بتشكيل آلية من أجل فرض عقوبات ضد مرتكبي جرائم الحرب عند وجود الأدلة، ويقترح التقرير كخطوة أولى أن يصر مجلس الأمن الدولي على أن تجري كل من إسرائيل وحماس تحقيقات مستقلة ووفقا للمعايير الدولية بشأن مزاعم ارتكاب جرائم حرب, على أن تقدم استنتاجاتها خلال فترة ستة أشهر، علما بأنه يفهم من استنتاجات التقرير أن هناك شكوكا جدية في رغبة إسرائيل في إجراء تحقيقات حقيقية وفقا لما يطلبه القانون الدولي، وفي حال عدم تنفيذ تلك التوصيات بطريقة مقبولة, يرفع الوضع في غزة إلى المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية بناء على المادة 13 ب, ولكنه يبدو من غير المرجح أن تقوم أي من إسرائيل أو حماس بتحقيقات تنال رضا الأمم المتحدة, وحتى حينه فإن الأمم المتحدة تعتمد على التحقيقات التي يجريها الجيش الإسرائيلي في غياب تشكيل الحكومة الإسرائيلية للجنة تحقيق مستقلة, ومن المفترض أن يقدم السكرتير العام للأمم المتحدة تقريرا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن ذلك، علما بأن الجيش الإسرائيلي يراهن كما يبدو على انطفاء جذوة الانتقادات الدولية ضد إسرائيل بعد نشر نتائج تحقيقاته، فضلا عن أن إسرائيل تراهن على دعم كل من الولايات المتحدة وبعض الحكومات الأوروبية من أجل عدم مضي الأمم المتحدة قدما في تنفيذ العقوبات التي أوصى بها تقرير غولدستون.

كما أن التقرير حوي بعض التوصيات التي سيؤدي قبولها إلى جسر الهوة بين التزامات إسرائيل القانونية كقوة احتلال وبين السياسات التي تنتهجها حاليا والتي تتم على خلفية أمنية، كذلك كان من بين التوصيات الهامة في التقرير مطالبة إسرائيل بمراجعة قواعد الاشتباك وحماية حقوق الفلسطينيين وعدم امتهان كرامتهم وعدم التمييز ضدهم في المستقبل، علما بأنه يدور جدل بخصوص ممارسات إسرائيلية تعرض المدنيين للخطر من أجل الحفاظ على سلامة جنودها، وهو أمر غير مقبول ولا يتماشى مع متطلبات القانون الدولي الخاص بحقوق الإنسان فضلا عن توصيات تقرير غولدستون باحترام إسرائيل لمؤسسات الأمم المتحدة والعاملين فيها، علاوة على المطالبة بإطلاق سراح الفلسطينيين الذين تعتقلهم إسرائيل، ولعل الأهم من ذلك هو التوصية بإنهاء الحصار الإسرائيلي لغزة فورا والسماح بحرية انسياب البضائع والحركة عبر المعابر من أجل استئناف النشاط الاقتصادي في قطاع غزة.

احتدام الجدل
واحتدم الجدل ما بين الشرعية اللبرالية والحقائق الجيوسياسية، حيث ردت الولايات المتحدة وإسرائيل بمهاجمة تقرير غولدستون واتهمتاه بالتحيز، علما بأن إسرائيل ترد بشكل مراوغ على الانتقادات الخارجية لها، فبدلا من التحقيق في الأدلة بشأن التهم الموجهة أو فيما يتعلق بالاستنتاجات والتوصيات, يبذل المسؤولون الإسرائيليون قصارى جهدهم من أجل صرف الانتباه العالمي عن طريق الزعم بوجود تحيز من جانب المراقبين أو المنتقدين واتهام التقرير بأنه متحيز ومشوه, ورغم نجاح إسرائيل في ذلك في الماضي, فإنه من الصعب عليها أن تنجح هذه المرة، وذلك بسبب المصداقية والمكانة الدولية المميزة لرئيس لجنة التحقيق والناطق باسمها القاضي ريتشارد غولدستون، علما بأن اللجنة استمعت إلى وجهات النظر المختلفة ومنحت هواجس إسرائيل اهتماما رغم رفضها التعاون مع التحقيق, وقد سارع منتقدو التقرير -دون وجود أدنى دليل- باتهام التقرير بأنه نابع من دوافع لا سامية، متهمين مجلس حقوق الإنسان بأنه مؤسسة ملوثة قذرة، وقائلين إن غولدستون قدم له خدمة جليلة.

"
مجلس النواب الأميركي أصدر قرارا طالب فيه الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون باستخدام صلاحيات الحكومة الأميركية لمنع اعتماد التقرير لسد الطريق أمام تنفيذ توصياته
"
مجلس النواب
شكل قرار مجلس النواب الأميركي الصادر في الرابع من نوفمبر/تشرين ثاني 2009 إحراجا للولايات المتحدة بمطالبته الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون باستخدام صلاحيات الحكومة الأميركية لمنع اعتماد التقرير ولبذل كافة المساعي لسد الطريق أمام تنفيذ توصياته, ولكن وعلى عكس الانتقادات والهجوم على تقرير غولدستون, فإنه يعتبر نموذجا يحتذى للجان التحقيق التي تتشكل من جانب الأمم المتحدة ووفقا لأرقى المعايير، فحتى مع عدم تعاون إسرائيل ومع المشاكل التي اكتنفت ما يعرف بضبابية الحرب،فقد تحلى التقرير بالحذر بناء على الظروف المحيطة بملابسات التحقيق في القضية.

وفي الحقيقة، فإن للفلسطينيين مآخذهم القوية على التقرير لأنه لم يأخذ بالاعتبار هواجسهم في المجالات التالية: فالتقرير قبل بدون تمحيص وتحقيق الزعم الإسرائيلي بأن لها الحق في استخدام القوة الدفاعية في ظل الظروف السائدة، ودون اعتبار لوقف إطلاق النار الذي كان سائدا قبل أن ينتهي العمل به إثر الاجتياح العسكري الإسرائيلي لقطاع غزة في الرابع من نوفمبر/تشرين ثاني 2009، رغم أن حماس عرضت مرارا وتكرارا تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى شريطة إنهاء إسرائيل لحصارها غير القانوني على غزة.

كما أن التقرير فشل في إدانة أو حتى مجرد الإشارة إلى رفض إسرائيل للسماح للمدنيين الفلسطينيين بمغادرة قطاع غزة خلال الحرب, وقد بذل المسؤولون الإسرائيليون قصارى جهدهم لصرف انتباه المجتمع الدولي عن التقرير متهمين إياه بالتحيز، ولكن هذا لم ينجح كما كان الحال في الماضي بسبب ما يتمتع به غولدستون من مصداقية كبيرة في الساحة الدولية.

إسرائيل قصفت أهالي غزة بقنابل الفسفور الأبيض (رويترز-أرشيف)
حق اللجوء

وفي الواقع فإن التقرير أخذ بعين الاعتبار وبدون تمحيص وتحليل وجهة نظر إسرائيل التي تقول إنها ملزمة باستخدام القوة للدفاع عن مدنييها، رغم عرض حماس تمديد وقف إطلاق النار شريطة رفع إسرائيل لحصارها على غزة, لكن إسرائيل حرمت الفلسطينيين من مغادرة القطاع وبذلك حرمتهم من حق اللجوء، مما يتعارض مع القانون والعرف الدولي الذي يحكم الحروب والعمليات العسكرية والذي يمنع اللجوء إلى الأساليب والوسائل العنيفة، علما بأن إسرائيل كقوة احتلال مطالبة بحماية السكان المدنيين خلال أوقات الحرب, لكن التقرير لم يحقق في وجود علاقة كافية بين هدف وقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة وبين المذبحة التي ارتكبت بحق سكان غزة من منطلق "مبدأ الضاحية" الذي تبيح به إسرائيل مهاجمة المدنيين وتعريضهم للخطر من أجل الحفاظ على سلامة الجنود.

كما أنه لم يوضح ما إن كانت إسرائيل كقوة احتلال تتمتع من الناحية القانونية بحق الدفاع عن النفس, وبينما يعبر التقرير عن القلق من الآثار النفسية الضارة على السكان الإسرائيليين بسبب الصواريخ الفلسطينية التي أطلقتها حماس، فإنه يتجاهل الضرر النفسي الأشد وقعا الذي عانى منه الفلسطينيون جميعا في القطاع جراء الاحتلال الإسرائيلي لهم منذ عام 1967، ناهيك عن الحصار والإغلاق والهجمات والاجتياح العسكري المتكرر، وفضلا عن القنابل الصوتية الليلية، ولعل أشدها تمثل في عملية الرصاص المصبوب.

إن مناقشة الانتقادات لتقرير غولدستون من وجهة نظر إسرائيلية والتركيز عليها بشكل كامل دليل على هيمنة الإعلام الأميركي والإسرائيلي على نطاق واسع, كما أنه دليل على ضعف السلطة الفلسطينية ومحدودية رد فعلها الذي تمثل في تأييد التقرير وعدم المطالبة الفورية بتنفيذ توصياته.

ورد زعماء إسرائيل بالقول إن الأساليب التي استخدموها كانت معقولة بسبب الخطر الأمني الذي تمثله حماس، وهو كلام يعتمد على اعتبار إسرائيل لحماس منظمة غير شرعية "إرهابية"، واعتبار الرد الإسرائيلي بمثابة رد على "الإرهاب"، حتى ولو لم يتماش بالكامل مع القانون الدولي الذي يحكم قواعد الحرب، وهذا الموقف أشبه بذلك الذي اتخذه بوش بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، إذ تعلل بها لانتهاك القانون الدولي بذريعة محاربة "الإرهاب"، وشن الحرب على السكان المدنيين بتهمة مقاومة الاحتلال، كما أن المطالبة بوقف العمل ببنود القانون الدولي الخاص بشن الحروب من أجل زيادة نجاعة الحرب على "الإرهاب" أمر مشكوك فيه لأنه لا يتماشى مع الواقع والحقيقة.

ويعتبر تقرير غولدستون أن عملية الرصاص المصبوب لم تتقيد بأعراف الحرب لأنها انتهكت قدسية حقوق المدنيين، ولم تتحاش شن هجمات على أهداف محمية بشكل مباشر أو تلك التي تتمتع بحماية دولية مثل مؤسسات الأمم المتحدة، وذلك رغم ادعاء إسرائيل أنها كانت تؤوي عناصر مسلحة وذخيرة، وهو ما يتناقض مع قواعد الحرب وقانونها.

ولو لم يتم اتخاذ هذا الموقف القانوني أو لم تتم إدانة بعض الممارسات خلال العمليات، لكان بإمكان الحكومة الإسرائيلية الزعم بأن يدها طليقة لمحاربة "الإرهاب"، وهو أمر يرقى إلى مرتبة الإبادة الجماعية, ومهما يكن من أمر، فإن تقرير غولدستون يعتبر تقييما مناسبا للعمليات العسكرية من وجهة نظر "الشرعية اللبرالية".

وتماشى التقرير بالكامل مع القيود المفروضة على استخدام القوة التي أكد عليها الرئيس أوباما في خطابه لدى تسلمه جائزة نوبل للسلام، وهو ما يبدو أنه كان جزءا من الحملة لمنح الشرعية للحرب التي تقودها أميركا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) في أفغانستان, كما أنه يتماشى تماما مع نظرية الحرب العادلة رغم فشله في تقرير ما إن كان لإسرائيل حق ادعاء الدفاع عن النفس.

إصرار إسرائيل
وتصر إسرائيل على أنها لم تعد قوة احتلال في غزة بعد فك ارتباطها بالقطاع في عام 2005 حينما سحبت قواتها العسكرية من هناك وفككت المستوطنات اليهودية، وهو أمر مرفوض على نطاق واسع نظرا لاستمرار إحكام إسرائيل سيطرتها على قطاع غزة من حيث الدخول إليه والخروج منه، ومن هنا وتحت استمرار ظروف الاحتلال فإن إسرائيل تتحمل مسؤوليات تجاه سكان قطاع غزة المدنيين, وفي هذا السياق يقول توم فيرر إن إسرائيل لا يمكنها ادعاء حق الدفاع عن النفس قبل اختبار ما إن كانت حماس ستتوقف عن العنف في حال إنهائها لحصارها غير القانوني لقطاع غزة.

"
التقرير يشكل أرضية لفرض المقاطعة والعقوبات والحرمان على من يشن مثل تلك الحملات العسكرية، وهذا ما اتخذ زخما متزايدا منذ انطلاق عملية الرصاص المصبوب
"

المقاطعة والعقوبات
وليس من الواضح تماما ما إن كانت توصيات تقرير غولدستون بخصوص المحاسبة وتحمل المسؤولية يمكن أن تسوى على ضوء الحقائق الجيوسياسية السائدة في عالم السياسة, ولكني أفترض أن تلك الحقائق الجيوسياسية ستؤدي إلى منع تطبيق توصيات تقرير غولدستون سواء من جانب الأمم المتحدة أو غيرها, ورغم ذلك، فإن التقرير يشكل أرضية لفرض المقاطعة والعقوبات والحرمان على من يشن مثل تلك الحملات العسكرية، وهذا ما اتخذ زخما متزايدا منذ انطلاق عملية الرصاص المصبوب, علما بأن نظام الأمم المتحدة سيسقط من أعين العديد من الدول بسبب عدم رغبة الأمم المتحدة في تنفيذ توصياتها التي تحدد من يتحمل المسؤولية.

وهل يمكن القول إنه كان على الأمم المتحدة توخي المزيد من الحذر وعدم السماح بتشكيل مهمة تقصي الحقائق برئاسة غولدستون منذ البداية؟ أو هل كان على تقرير غولدستون أن يأخذ بعين الاعتبار عند تقديم توصياته المحدودية السياسية المتوفرة داخل نظام الأمم المتحدة والدعوة لمبادرات من المجتمع المدني من أجل تنفيذ توصياته؟

كما يمكن صياغة الأمر بشكل مختلف, فهل سيكون ثمن عدم تنفيذ التوصيات من جانب الأمم المتحدة من باب عدم الاكتراث واللامبالاة أكبر من المكاسب التي زادت قوة حركة عدم اللجوء إلى العنف في الصراع والنضال الشرعي دفاعا عن حقوق الفلسطينيين؟

كما أنه لا يوجد دليل على أن من صاغوا تقرير غولدستون كانوا على وعي باحتمال مواجهة هذا المأزق, وإن كانوا كذلك، فهل تلقوا نصحا بخصوص العقبات والصعوبات التي سيواجهونها بعد نشر تقريرهم؟ وإن كان الأمر كذلك، فهل كان عليهم أن يدركوا المصاعب الناجمة من اتباع منطق الشرعية اللبرالية التي بلغت نهايتها عن طريق التوصية بتشكيل لجان تحقيق في الاتهامات وما قد يعقب ذلك من إدانة وفرض عقوبات؟.

وأنا سعيد بكون هذا المأزق لم يحل لصالح الحقائق الجيوسياسية أو إذعانا لها, ولأن العدالة العالمية تلقت دعما من قبل مجموعة من التوصيات التي تحفز الناشطين في المجتمع المدني على النضال بأكثر مما يمكن للحكومات القيام به، حيث كان من المتوقع بشكل كبير أن يدعم تقرير غولدستون المقاومة السلمية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي القمعي وغير القانوني، أو يشجع العاملين في المجتمع المدني على القيام بحرب شرعية من أجل تحقيق العدالة للفلسطينيين.

القانون الدولي
من بين أهم التوصيات الواردة في تقرير غولدستون التي لم تحظ باهتمام كاف, دعوته لكل الدول والجهات المعنية بالمفاوضات بين إسرائيل وممثلي الفلسطينيين خاصة الرباعية, للتأكد من كون المبادرات السلمية منسجمة مع القانون الدولي وحقوق الإنسان.

ولعل السبب في عدم الاكتراث الكافي بهذه النقطة يعود لكون تشكيل لجنة غولدستون جاء على خلفية الاتهامات بارتكاب إسرائيل لجرائم حرب خلال حملتها العسكرية على قطاع غزة التي استمرت 22 يوما، ودون وجود ارتباط كبير ما بين القانون الدولي وعملية السلام, هذا مع العلم بأن التركيز على دور القانون الدولي أمر يجب أن يلقى الترحيب بالرغم مما قد يخلفه ذلك من أثر على المساعي المستقبلية لحل الصراع.

ويجمع أنصار الفلسطينيين على أنه لا يمكن تحقيق السلام مع إسرائيل ما لم يحصل الفلسطينيون على حقوقهم المشروعة وفقا للقانون الدولي, وأن عدم التقيد بهذا المطلب, تسبب في فشل المفاوضات السابقة, فقد استخدمت إسرائيل قدراتها الدبلوماسية مدعومة بالولايات المتحدة لاستثناء مرجعية القانون الدولي من إطار عملية التفاوض فيما يتعلق بالقضايا المهمة مثل الحدود واللاجئين والمياه ووضع مدينة القدس.

كما كانت كافة المبادرات ومنذ أوسلو مبنية على عملية مساومات سياسية بناء على الحقائق على الأرض بغض النظر عن الوضع القانوني لتلك الحقائق التي فرضها الأمر الواقع, حيث تسبب تنكر إسرائيل لحقوق الفلسطينيين وفقا للقانون الدولي في تعثر وإخفاق العملية السلمية, وهنا يبرز مأزق سببه تجاهل متطلبات القانون الدولي فيما يتعلق بحقوق الفلسطينيين ومطالبتهم بحق تقرير المصير إذعانا للواقع الجيوسياسي.

وفي الوقت الذي توجد فيه مقاربة تقول إن القوة هي التي ترسم مسار التاريخ, هناك مقاربة أخرى تقول إن مسار التاريخ يعتمد على المقاومة التحتية والقوى الشعبية المدفوعة بشعور العدل, وبكلمات أخرى، فإن البديل للحرب ليس السلام وإنما العدل.

"
تقرير غولدستون قدم خدمات أهمها شق عصا الطاعة ضد حصانة القوي
"
الخلاصة
يمكنني القول وبكل قناعة إن أهمية تقرير غولدستون لا تنبع من تجريمه لعملية الرصاص المصبوب أو تحميله الإسرائيليين أو مسؤولي حماس مسؤولية عدم التقيد بقواعد وأعراف الحرب، وهو ما وصفه التقرير بأنه جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية, ولكن أهميته تكمن في كشفه عن ضعف نظام الأمم المتحدة وعدم قدرته على الحفاظ على حقوق الإنسان الأساسية, وكذلك صعود نجم المجتمع المدني العالمي وظهور العلاقة الوطيدة بين السلام والعدل، خاصة بعد ما أثاره تقرير غولدستون من الجدل والخلاف في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل, وفي نفس الوقت فقد ساهم في دعم أركان الحرب المشروعة التي يخوضها الفلسطينيون على الساحة الدولية والتي يعلق الفلسطينيون آمالهم الكبيرة عليها، وهي ترقى إلى مرتبة النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الذي شن وبنجاح في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.

شق عصا الطاعة
ولكنه لا يمكن التنبؤ بأن ذلك سيؤدي إلى نصر سياسي كذلك الذي حول جنوب أفريقيا من دولة ذات نظام فصل عنصري إلى دولة ديمقراطية دستورية متعددة الأحزاب, فالشعوب يمكنها الانتصار في الحروب المشروعة كما حدث مع سكان التبت وقوى الديمقراطية في ميانمار، رغم أنهم ما زالوا محبطين سياسيا وربما يعانون من القمع وإن بدرجات مختلفة.




وإني على قناعة تامة بأنه لن يكون بالإمكان معرفة قيمة وأهمية ما قدمه تقرير غولدستون من خدمات ومساهمات ما لم يتم التعرف على الجوانب والأوجه العديدة لهذا التقرير الذي شق عصا الطاعة ضد حصانة القوي، وآمل أن يتم الاعتراف بقيمة هذا التقرير ويلقى التقدير الذي يستحقه عبر الحوار وعبر مساهمته في دعم نضال الضعفاء والفلسطينيين بشكل خاص، ومن أجل تعزيز الثقة نظريا وعمليا في مفهوم عدم اللجوء إلى العنف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة