تكليف كرامي.. هجوم حلفاء سوريا المضاد   
الخميس 1426/1/30 هـ - الموافق 10/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 20:08 (مكة المكرمة)، 17:08 (غرينتش)

تكليف لحود لكرامي مجددا فرضته ظروف ما بعد تظاهرة رياض الصلح (رويترز)

محمد العلي

من غير المجدي تقويم إقدام الرئيس اللبناني إميل لحود على تكليف رئيس الوزراء المستقيل عمر كرامي بتشكيل حكومة جديدة بمعزل عن الحدث المتمثل بالحشد الذي نظمه حلفاء سوريا في ساحة رياض الصلح قبل يومين وخطبة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في ذلك الحشد.

وبغض النظر عن فرص كرامي في تشكيل حكومة تقبل المعارضة بالمشاركة فيها أم لا, يصعب احتساب إقدام حلفاء سوريا اللبنانيين على تزكية الرجل الذي اعتبرت المعارضة أنها أسقطت حكومته إلا بوصفه "استفزازا وتحديا للمعارضة وجمهورها" حسبما ذكر عضو لقاء قرنة شهوان سمير فرنجية اليوم.

لكن كيف لسلطة كانت حتى جلسة البرلمان في الثاني من مارس/ آذار الجاري فاقدة "حتى شهية الدفاع عن نفسها" -حسب الصحفي جوزف سماحةأن تقدم على مثل هذه الخطوة؟

"
 تكليف كرامي يتصل بأمرين, أولهما إعلان الرئيس السوري بشار الأسد نفسه بدء سحب جيشه من لبنان, وثانيهما تحرك حزب الله وحلفاء دمشق مدفوعين باستقراء أهمية سقوط ورقة "الوصاية السورية" التي استغلتها المعارضة أيما استغلال
"
الأمر باختصار يتصل بأمرين, أولهما إعلان الرئيس السوري بشار الأسد نفسه بدء سحب جيشه من لبنان, وثانيهما تحرك حزب الله وحلفاء دمشق مدفوعين باستقراء أهمية سقوط ورقة "الوصاية السورية" التي استغلتها المعارضة أيما استغلال.

بعد يوم
واللافت في هذا الصدد أن حزب الله المتميز عن باقي حلفاء دمشق بامتداده جماهيريا في معظم مناطق لبنان, أعلن عن تنظيم مظاهرة رياض الصلح بعد يوم واحد من إلقاء الأسد خطابه, وبعد أن بلغت نشوة المعارضة بسقوط حكومة كرامي ذروتها.

ويلفت أيضا إلى أن المعارضة ممثلة بزعيمها وليد جنبلاط كانت ترفض قبل خطاب الأسد حتى مجرد الاجتماع مع حلفاء دمشق حاملي لقب "لقاء عين التينة" مفضلة -حسب جنبلاط نفسه- "الاجتماع مباشرة بسلطة الوصاية السورية".

ما هي إذن طبيعة الانقلاب الذي صنعه حشد رياض الصلح وكلمة نصر الله؟

الحشد الذي جاء إلى ساحة رياض الصلح تحقق أولا في ظل العلم اللبناني بما يعنيه ذلك من تمسك بالاستقلال والسيادة, وثانيا كان الأضخم في تاريخ لبنان وبالمعايير الأميركية أيضا, حسب تصريحات السفير الأميركي السابق بدمشق تيودور قطوف للجزيرة.

مقارنة الحشود
وأهمية العدد لا تأتي من مجرد المقارنة بالحشد الذي جاءت به المعارضة قبل ذلك بيوم واحد فقط والذي قدر بـ140 ألفا, بل في كون الحشد رد غير مباشر على زعماء المعارضة الذين درجوا على القول بعد اغتيال الحريري إنهم يمثلون الشارع اللبناني بما يعني ذلك ضمنا إلغاء الآخر المتحالف مع سوريا- وهو ما رد عليه حزب الله وحلفاؤه أيضا بتسمية الحشد "تظاهرة الوفاء لسوريا ورفض التدخل الأجنبي".

أما بالنسبة لكلمة نصر الله أمام المشاركين في التظاهرة فتضمنت تمسكا بالمبادئ التي تضمن استقرار لبنان في المرحلة الانتقالية هذه: الحوار والتشديد على السلم الأهلي والأمن للديمقراطية, إضافة إلى إشهار طبيعة خيارات اللبنانيين الإقليمية والإستراتيجية وعدائهم لإسرائيل.

"
ترجمت المعارضة تأثرها بحشد ساحة رياض الصلح بتبدل لهجة وليد جنبلاط من دعوة حسن نصر الله للالتحاق بالمعارضة عشية جلسة البرلمان، إلى تشديده على استمرار الحوار مع حزب الله وإعرابه عن الأمل بأن "يلتقوا معنا لرسم مستقبل لبنان الديمقراطي"
"
وقد ترجمت المعارضة تأثرها بحشد ساحة رياض الصلح بتبدل لهجة وليد جنبلاط من دعوة حسن نصر الله للالتحاق بالمعارضة عشية جلسة البرلمان، إلى تشديده على استمرار الحوار مع حزب الله وإعرابه عن الأمل بأن "يلتقوا معنا لرسم مستقبل لبنان الديمقراطي".

الخيارات الأخرى
لكن ألم يكن هنالك وجود لخيارات ثانية أمام حلفاء دمشق غير كرامي نفسه؟

الشخصيات اللبنانية السنية ذات الصدقية والقادرة على تشكيل حكومة موجودة بلا شك, وأبرزها رئيس الوزراء السابق سليم الحص، لكن ما دفع حلفاء دمشق -المتمتعين بأغلبية أعضاء البرلمان- على الأرجح لهذا الاختيار, يقع في صلب خياراتهم التي حددت في كلمة نصر الله "حكومة اتحاد وطني وفي حال تعذرها, حكومة حيادية" إلى أن يحين موعد الانتخابات في أبريل/نيسان المقبل.

وهذه الاحتمالات لا تناسب سليم الحص الذي يملك تصورا متكاملا للأزمة اللبنانية أسماه الخيار الثالث، وهو ما يجعله واقعيا, أيضا خارج خيارات حلفاء سوريا لتولي حكومة انتقالية قصيرة الأجل.

إن تكليف كرامي هو بلا شك هجوم مضاد لحلفاء دمشق بعد استعادتهم المبادرة في الشارع، وهو كذلك رد اعتبار للرجل الذي أكد أنه استقال ليس لأنه لم يكن يتمتع بأغلبية نيابية بل لأنه لا يستطيع تحمل وزر اغتيال الحريري.

لكن كرامي كما أكد بعد إعلان قبوله التكليف قد يعتذر عنه إذا لم تشكل حكومة وحدة وطنية. وأمر هكذا يجعل فرصة تشكيل الحكومة موضع شك مما يفتح الباب أمام احتمالات غير ظاهرة حاليا بينها التمديد للبرلمان وحكومة تكنوقراط.


ــــــــــــــــــ
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة