كيف يلهم الخيال العلم؟   
الاثنين 15/9/1437 هـ - الموافق 20/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:49 (مكة المكرمة)، 14:49 (غرينتش)

*الصغير الغربي

لا شك أن علاقة العلم بالخيال العلمي هي علاقة تفاعل فأعمال الإبداع الأدبي والفني لا تدخل في فئة الخيال العلمي إذا لم تعتمد في أحد مكوناتها على الأقل على حقائق علمية قد تكون فكرة علمية أو نظرية. في المقابل استفاد العلم على مدى زمن طويل من أفكار وحلول تقنية تخيلها مبدعو أعمال الخيال العلمي.

وعندما قال مؤسس النسبية العامة ألبرت آينشتاين إن الخيال أهم من المعرفة كان يدرك أن للخيال فضلا على العلم أكثر مما للعلم عليه. وسنستعرض في هذا المقال الجزء الثاني من العلاقة أي تأثير الخيال العلمي في العلم وأهميته في التقدم العلمي والتقني بصفة عامة.

لم تعد الكثير من الأفكار الواردة في قصص الخيال العلمي منذ زمن حكرا على الخيال بل أصبح الكثير منها واقعا. فمن يصدق أن بعض التقنيات التي ظهرت في القرن العشرين كمظلة الهبوط من الطائرة والمروحية والدبابة توجد في رسوم للفنان الإيطالي الشهير ليوناردو دافينشي منذ القرن السادس عشر؟ وأن الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة الدقيقة كالكاميرات المثبتة في النظارات وأجهزة الاستشعار تم تخيلها في سلسلة ستار تريك في الستينيات من القرن الماضي؟

منجم للأفكار
لا تثير قصص الخيال العلمي فضول الجمهور الواسع فقط بل تثير كذلك اهتمام المشتغلين بالعلم والتقنية الذين يبحثون إمكانية تجسيد الأفكار والتقنيات الخيالية التي يبتدعها المؤلفون.

وقد أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية (إيسا) في بداية القرن الحالي دراسة من أجل البحث في أعمال الخيال العلمي من كتب وأفلام ورسوم كرتونية والأفكار التقنية القابلة للتحقيق في الواقع ووضع الأفكار الملهمة منها في خدمة المهندسين. وتم جمع ما يقارب 250 من الأفكار والتقنيات. كان من بينها تقنية النانو أو تصنيع آلات صغيرة ذرة بعد ذرة. وهي فكرة علمية أطلقت في الخمسينيات لكن سرعان ما تلقفها كتاب الخيال العلمي. وتم تخيل هذه الآلات النانوية وتصور وظائفها في نواح عديدة كبناء العضلات وتنظيف الهواء وتخزين البيانات. وكذلك وسائل مبتكرة لدفع الصواريخ بطريقة أسرع نحو الفضاء الخارجي لاستيطان الكواكب الأخرى، وأخرى لصنع مواد أكثر مقاومة ووسائل اتصال أكثر فعالية. وعموما أثبتت هذه الدراسة أن الأعمال الإبداعية في الخيال العلمي كانت تزخر بأفكار قابلة للتحقيق في المستقبل.

الهواتف الذكية وما تتمتع به من ميزات كان ينظر إليها قبل سنوات على أنها خيال علمي بحت (أسوشيتد برس)

استيطان الكواكب
ومن المواضيع والأفكار التي تم تناولها في عدد كبير من المؤلفات استيطان الكواكب ويسعفنا التاريخ الطويل للخيال العلمي بالعديد من الأفكار في هذا المجال. منها فكرة استصلاح الكواكب لجعلها ملائمة للعيش وهي فكرة تم طرحها منذ عام 1917 من قبل المؤلف الأميركي إدغار رايس بوروس في كتابه "أميرة المريخ" عندما تخيل فكرة إنشاء "مصنع للغلاف الجوي" ينتج مكوناته ويحافظ عليها ويمكن العيش فيه.

وقد اقترح كاتب الخيال العلمي البريطاني آرثر سي كلارك في الخمسينيات من القرن الماضي في قصة "رمال المريخ" رفع درجة حرارة الكوكب عن طريق تحويل القمر فوبوس من خلال التفاعل النووي. أما الكاتب الأميركي كيم ستانلي روبنسون فقد اقترح حفر آبار عميقة للوصول إلى الطبقات الساخنة من الغلاف الصخري، وتذويب الجليد في مناطق خطوط العرض العليا في نصف الكرة الشمالي بالقنابل الهيدروجينية، وإنشاء معامل لإنتاج الغازات المسببة للاحتباس الحراري وزرع النبات ونشر الكائنات الحية الدقيقة وتطوير الكائنات الحية المعدلة وراثيا. كل هذا لإنشاء غلاف جوي مناسب للحياة.

أما بالنسبة لرحلات الفضاء والوسائل المستخدمة لتحقيق هذه الأهداف، فقد تم تخيلها وتضمينها في قصص الخيال العلمي منذ أكثر من قرن ونصف. ففي عام 1865 كتب المؤلف الفرنسي الشهير جول فيرن قصة "من الأرض إلى القمر" يصف فيها مدفعا عملاقا قادرا على إطلاق قذيفة بداخلها بشر نحو القمر. وفي عام 1954  صمم فنان الصور المتحركة البلجيكي جورج ريمي صاروخ تان تان الشهير في قصتي "رحلة إلى القمر" و"على سطح القمر" كل هذا قبل أن يضع أرمسترونغ قدمه على القمر.

وتمثل تقنيات الدفع عاملا أساسيا لاستكشاف الفضاء. ولئن مكنت التقنيات الحالية الإنسان من بلوغ سرعات عالية جدا تصل إلى 27800 كلم في الساعة بالنسبة لمكوكات الفضاء الأميركية فإنها غير كافية للسفر بين النجوم الذي يتطلب بلوغ سرعة بين 10 و30% من سرعة الضوء. وقد قدم روبرت دبليو باسارت عام 1960 فكرة "محرك نفاث الهواء" حيث تمتص المركبة -بواسطة قمع يولد حقلا مغناطيسيا قويا- جزيئات المادة في الفضاء كوقود في مفاعل الانصهار. وتقدر وكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) أن تطبيق هذه الفكرة يتطلب قمعا بقطر 650 كم للوصول إلى "ألفا قنطورس" الذي يبعد عنا نحو 4.2 سنوات ضوئية في رحلة تستغرق 45 عاما فقط.

وجود بشر يعيشون أشهرا طويلة في مركبة فضائية تدور حول الأرض كان في مرحلة ما خيالا علميا (رويترز)

مصعد الفضاء
ومن الأفكار التي طرحها كتاب الخيال العلمي للسفر في الفضاء القريب من الأرض فكرة مصعد الفضاء. وقد تم تصور هذه الفكرة منذ 1895 من قبل عالم روسي قبل أن تنتشر بشكل واسع بفضل آرثر سي كلارك. وقد وصف كلارك في قصة "ينابيع الجنة" برجا ضخما للربط الدائم بين سطح الأرض ومحطة فضائية.

ولفترة طويلة، بدت الفكرة خيالية وغير قابلة للتطبيق لعدم وجود مادة قوية بما فيه الكفاية لكن ظهور أنابيب الكربون النانوية قد منحته الأمل من جديد. وقد أبدت وكالتا الفضاء "إيسا" و"ناسا" اهتماما خاصا بهذه الفكرة. وتنظم الوكالتان مسابقة سنوية تبلغ قيمة جائزتها خمسين ألف دولار تسند لمن يتمكن من تحسين أداء الكابل بنسبة 50%على الأقل مقارنة بالسنة التي سبقت سنة المسابقة.

وحسب العلماء يمكن للمصعد الفضائي أن يتخذ شكل كابل طويل تتنقل على طوله المركبات. ويتعين في المرحلة الأولى للمشروع إطلاق مركبة فضائية تتخذ مدارا ثابتا بالنسبة للأرض ثم تُنزل إلى الأرض وشاحا لا يتجاوز سمكه واحد ميكرومتر خفيف الوزن وله مقاومة عالية جدا. وميزة هذا النظام هو التكلفة المنخفضة كما يمكن تحويل طاقة الكبح التي تصدر من مركبة نازلة لدفع مركبة أخرى نحو الأعلى. وتقول الدراسة التفصيلية من قبل ناسا إن هذا المشروع يمكن أن يصبح حقيقة واقعة في السنوات الخمسين المقبلة.

أفكار أخرى كثيرة طرحها الخيال العلمي وتثير اهتمام العلم، لكن من المستحيل أن تتطور في الوقت الحالي، كفكرة النقل الآني المطروحة في أعمال الخيال العلمي منذ أربعينيات القرن الماضي، وفكرة تشويه الفضاء الزمكاني، والسفر أسرع من الضوء، أو استعمال المادة المضادة كوقود كما هو الحال في ستار تريك.

إذا كان لكتاب الخيال العلمي نظرة استشرافية فيما يخص التقنية فقد لعبوا كذلك دورا مماثلا بشأن التحذير من الانحرافات المحتملة للعلوم والمخاطر التي يمكن أن تتعرض لها البشرية بسبب التقدم التقني. من ذلك التحذير الذي أطلقته الكاتبة الإنجليزية ماري شيلي من مخاطر التلاعب بالهندسة الوراثية عام 1817 في روايتها الشهيرة "فرانكنشتاين" في عصر لم يكن الحمض النووي ولا الاستنساخ معروفين فيه لدى البشر.


_______________
* إعلامي تونسي متخصص في الشؤون العلمية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة