ملصقات لبنان حرية واسعة وديمقراطية أقل   
الجمعة 26/5/1429 هـ - الموافق 30/5/2008 م (آخر تحديث) الساعة 1:16 (مكة المكرمة)، 22:16 (غرينتش)
اللافتات في بيروت تواكب تطور الأحداث السياسية (الجزيرة نت)

حسين جلعاد-بيروت
 
من يزور لبنان سيلحظ إلى جانب الأرز الشهير وأشجار الجميز والسرو، غابات من نوع آخر. إنها الدعاية السياسية، لافتات وملصقات دعائية في كل مكان، وجوه للشهداء ووعود بالنصر، حماسة وتوعد، أمل وخصومات ولغة مرمزة.
 
الجميع يحب لبنان والكل سيضحي من أجل الوطن، ولكن كل بطريقته وعلى هواه. إنه التوافق كما يقول أهل البلاد، أن تكون حرا في أن تقول كل ما تريد، وأن تفعل ما لا يتعدى "حصة" الآخرين.
 
ومثل أختام خاصة على ممتلكات عامة، تنبئ الملصقات واللافتات عمن يقف وراءها، وتقول رمزا إنه قد "مر من هنا" أو أن تلك المنطقة له وحده و"لن يمر أحد آخر" من هناك. منطق ربما بقي من زمن الحروب وتقاسم مناطق النفوذ أو التصارع عليها، وهو من جهة أخرى طريقة في التعبير السياسي أو "حيوية سياسية"، حسب ما يقوله بعض المحللين.
 
وجود بصري
بنايات من زمن الحرب وشعارات من زمن الانتصار في حارة حريك (الجزيرة نت)
ويجمل الباحث في الفلسفة روجيه نبعة هذه الظاهرة بكلمة واحدة هي "visibility" أي اللغة البصرية، حيث ينشد الحزب أو الطرف الذي يضع هذه الملصقات "فرض وجوده البصري" فيكون مرئيا وظاهرا للعيان تعبيرا عن الوجود في الأحياء والشوارع والأماكن العامة. ويرجع نبعة تصرفات تلك الجهات إلى دافع أساسي هو الرغبة في أن تحتل جميع المساحات التي يمكن أن تجعلها مرئية من قبل الآخرين.
 
ويوضح الباحث في حديث للجزيرة نت أن تلك المواد الدعائية تتميز عموما بالتكثيف والاقتضاب بحيث تعبر عن جوهر الرسالة التي تنشد نقلها دون تعقيد، وتكون الغاية منها إيصال رسالة مباشرة تثبت وجود من يقف خلفها كرمز ظاهر للعيان ومفهوم بمجرد أن تراها العين.
 
والملاحظ أن تلك الملصقات تتوزع وفق منطق المحاصّة اللبنانية نفسها، فكما هي قسمة الدولة والمناصب العليا، فكذلك مساحات "النفوذ البصري" موجودة على الأرض أيضا، سواء على مستوى المحافظات والمناطق والأحياء وحتى أصغر شارع أو سطح بيت.
 
مناطق نفوذ
ويقول رئيس قسم الصحافة في الجامعة اللبنانية إياد عبيد إنه في المناطق التي تخضع لجهة سياسية أو طائفية معنية فإن جهة أخرى لا تستطيع وضع ملصقاتها ودعايتها في تلك المنطقة.
 
ساحة رياض الصلح خلت من خيام المعارضة وبقيت الشعارات (الجزيرة نت)
ويوضح "مثلا في منطقة سيطرة القوات اللبنانية لا يمكن لحزب الله تعليق لافتاته والعكس صحيح، فإذا تعدت جهة سياسية على منطقة جهة أخرى فسوف يسارع سكان تلك المنطقة إلى إزالة اللافتات وتمزيقها".

واعتبر عبيد في حديث للجزيرة نت أن تلك الظاهرة تعبير عن "الحيوية السياسية" في البلاد كما أنها نوع من "التغذية الاسترجاعية"، أي أن الأحزاب تعمل على تثبيت أفكارها في ذهن المواطن المخاطب علاوة على أن الغاية منها سياسية وهي التعبير عن إثبات الوجود السياسي.

وفي المقابل تعد المسألة عند البعض "ظاهرة مؤلمة" لكونها تبرز الوجه الطائفي للبلاد، كما أنها تعكس جانبا دعائيا لا يمت للحقيقة بصلة في بعض الأحيان، فهذا النوع من الدعاية يندرج أحيانا ضمن "الدعاية الكاذبة" على المستوى السياسي.
 
ويقول عميد كلية العلوم الاقتصادية والإدارية وأستاذ العلاقات الدولية بالجامعة اللبنانية كميل حبيب في حديث للجزيرة نت إنه "يوجد في لبنان كثير من الحرية ولكن قليل من الديمقراطية الحقيقية".
 
ويفسر ذلك بأن الأحزاب التاريخية مثل الكتائب والتقدمي الاشتراكي وحتى تيار المستقبل هي أحزاب "شمولية وليست ديمقراطية"، فتلجأ عبر تلك الدعاية إلى "شد عصب وجودها" وتأمين استمراره بين الجيل الشاب وهم الفئة التي تفتقر إلى الثقافة السياسية، حسب تعبيره.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة