جدل بشأن حماية كاشفي الفساد بالمغرب   
السبت 1433/12/25 هـ - الموافق 10/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:07 (مكة المكرمة)، 10:07 (غرينتش)
جانب من مظاهرة بالمغرب تتضامن مع موظفين كشفا ملفات فساد وترفض محاكمتهما (الجزيرة نت)
 
عمر العمري-المغرب

تجرى هذه الأيام بالمغرب محاكمة موظفين بتهمة "إفشاء السر المهني" بعدما نشرا وثائق تتعلق بتبادل كل من وزير المالية السابق صلاح الدين مزوار وخازن المملكة (المدير العام لخزينة الدولة) الحالي نور الدين بنسودة علاوات مالية مشكوكا في مشروعيتها.

ففي الوقت الذي ينتظر فيه الرأي العام المغربي إحالة المسؤولين الكبيرين للقضاء، سارع وزير الاقتصاد والمالية الحالي نزار بركة -الذي ينتمي إلى حزب الاستقلال، أحد الأحزاب الأربعة المشكلة للائتلاف الحكومي الذي يتزعمه حزب العدالة والتنمية الإسلامي- إلى رفع شكوى ضد الموظفين وإخضاعهما للمساءلة القضائية.

وقد أثار ذلك زوبعة إعلامية كبيرة وأدى إلى تشكيل ائتلاف حقوقي واسع للدفاع عن حق المواطنين في فضح الفساد والتبليغ عنه، والمطالبة بتقديم كل المتورطين في قضايا الفساد إلى العدالة دون تمييز أو انتقاء.

ووجه ناشطون حقوقيون وبعض رجال القانون والسياسة سيلا من الانتقادات إلى الدولة المغربية تشكك في جديتها في ملاحقة ناهبي المال العام، وهو الشعار الذي رفعه الشارع المغربي في خضم الثورات العربية الأخيرة.

امتلاك المعلومة
وصاحب ذلك جدل قانوني ساخن بشأن حماية المواطن الذي يبلغ عن جرائم الفساد وحقه الدستوري في الوصول إلى "المعلومة"، التي يريدها البعض أن تبقى حبيسة الصالونات السياسية المغلقة ومحصنة في أروقة المكاتب الإدارية العليا.

وفي اتصال خاص للجزيرة نت، قال أحد الموظفين المتهمين في هذه القضية إن "إطلاع الرأي العام على وثائق إدارية ليس جريمة" ما دامت المعلومات المحصل عليها لا تخالف مقتضيات الدستور ولا تمس بـ"الدفاع الوطني وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي".

خالد صبري: نشر المعلومات المتعلقة بالفساد يثير مخاوف بعض الجهات (الجزيرة نت)

واعتبر الموظف أن نشر الأجور أو العلاوات التي يتقاضاها رئيس الحكومة أو الوزراء منظمة بقوانين منشورة ولا تدخل ضمن "الأسرار المهنية"، متسائلا عن النوايا التي دفعت "المشتكي"- في إشارة إلى وزير المالية الحالي- إلى اعتبار هذه الوثائق سرية وتهدد أمن الدولة المغربية؟".

ويتفق معه في هذا الرأي الباحث في العلوم السياسية خالد صبري والذي قال للجزيرة نت إن "الموظف عندما يعلن عن بعض القرارات والتصرفات الإدارية والتي في عمقها لا تمس بالنظام العام للبلاد لا تعتبر مخالفة تستوجب المتابعة  القانونية".

محاكمة سياسية
ويعتقد صبري أن القضية المعروضة الآن على المحكمة تكتسي طابعا سياسيا واضحا، حيث ما زال "العمل ساريا بعدم المساس ببعض الرموز السياسية في المغرب وجعل قراراتها غير خاضعة للمحاسبة، بل وفي بعض الأحيان غير قابلة حتى للمناقشة".

وقال إن نشر معلومات تتعلق بالفساد تثير مخاوف عديدة لدى بعض الجهات، التي ما زالت تشكل "جيوب مقاومة" ضد كل تغيير في المغرب، والتي ربما اصطدم بها حزب العدالة والتنمية الإسلامي عندما تولى رئاسة الحكومة.

ويرى صبري أن معاقبة الموظفين تخفي إشارات إلى من يهمهم الأمر تفيد بأن "الواقع المغربي محكوم بتوازنات سياسية معينة وتفرضه قوى نافذة أكثر مما تفرضه القوانين".

ويؤكد هذا الرأي أيضا أحد الملاحقين أمام القضاء -فضل عدم الكشف عن اسمه- قائلا إن من يحرك مثل هذه المحاكمات يريد أن "يضرب بكل قوة على أيدي الموظفين"، وإغلاق الباب أمام كل من يرغب في أن تكون المعلومة في متناول الجميع.

وسبق أن شهد المغرب مثل هذه المحاكمات التي شملت أشخاصا قاموا بفضح الفساد أو بنشر تقارير تتضمن معلومات عن بعض التجاوزات في قطاعات حساسة بالبلاد.

وينتظر أن تستأنف محاكمة الموظفين في 7 ديسمبر/كانون الأول القادم، وهي فرصة ستستغلها بعض قوى المعارضة لإحراج رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران وتوجيه اللوم إليه بسبب "تقاعسه" في محاسبة المفسدين الذين دأب بنكيران على وصفهم بأنهم "عفاريت" و"تماسيح" تشتغل في الخفاء ضد مشروعه الإصلاحي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة