مشافي سوريا الميدانية حكاية معاناة وعذاب   
الخميس 26/11/1433 هـ - الموافق 11/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:43 (مكة المكرمة)، 11:43 (غرينتش)
أثار الدمار على مشفى دار الشفاء بحلب الذي قصف ثماني مرات (الجزيرة نت) 

محمد النجار - حلب

شكل الغياب الكبير للقطاع الصحي السوري خلال الثورة وخوف الناس والنشطاء والمقاتلين من التوجه لها عبئا كبيرا على القطاع الموازي الذي نشأ خلال الثورة, وهو ما يعرف بالمشافي الميدانية والتي باتت عنوانا للعذاب والمعاناة المستمرة.

في مستشفى دار الشفاء الميداني بحي الشعار بحلب والذي حل مكان مستشفى خاص في الميدان يشاهد الزائر للمستشفى كل ما خلفته الحرب.

فالمستشفى بات الجزء الأكبر منه مدمرا، والقصف الذي طاله ثماني مرات -وفق مسؤولين عنه-عطل غرف العمليات والإنعاش، ولم يعد صالحا للعمل فيه سوى قسم الإسعاف الأولي وجهاز التصوير الإشعاعي.

الداخل للمستشفى يستمع للصراخ والآهات وحتى التكبيرات من كل جانب، في نفس الوقت الذي زرنا فيه المستشفى وجد العشرات من المدنيين والمقاتلين وجميعهم أصيبوا بالقصف الذي لا يتوقف على كافة أحياء حلب تقريبا.

طبيب يعالج طفلا مصابا بشظية في مشفى دار الشفاء بحي الشعار بحلب (الجزيرة نت) 

الطفل محمود
كان الطفل "محمود" يجلس على سرير داخل القسم ويده تنزف، وقال إنه أصيب بشظية بعد انفجار قريب منه عندما كان يتوجه لإحضار الخبز من مخبز قريب، والده الذي رافقه كان يبكي ويقول "وين بدنا نروح كل ما ننزح من حي بيلحقنا القصف".

وعلى كرسي كان يجلس رجل بالأربعينيات من عمره وكان الطبيب الجراح الوحيد بالمستشفى يحاول وقف النزف من أنفه وأجزاء من وجهه جراء ما أبلغنا شقيقه الذي كان يحمل المغذي بيده شظايا قصف بالطيران قرب منزله.

ويغلق ناشطون الطريق أمام المستشفى لإفساح المجال للسيارات والدراجات التي لا تهدأ حركتها في نقل المصابين.

وأحضرت سيارة ثلاثة مقاتلين مصابين دفعة واحدة من حي الصاخور المجاور، كان أحدهم مصابا في أجزاء عدة من جسده ويجهد الأطباء والممرضون في محاولة وقف النزف من أعلى قدمه.

لفظ أحد المقاتلين أنفاسه أمامنا فكبر الحاضرون بالمستشفى بينما كان أحدهم يبكي رفيقه، ولتعطل الثلاجات بالمستشفى جرت تغطية الرجل ونقله على الرصيف الخارجي.

مصاب توفي متاثرا بجرحه مسجى على الرصيف بجانب مشفى دار الشفاء بحي الشعار بحلب لعدم وجد ثلاجات لحفظ الموتى(الجزيرة نت) 

نقص الكوادر
وعدد العاملون بالمستشفى قليل بينهم طبيب واحد وطالبان لا زالا بكلية الطب وفني أشعة، إضافة لثلاث ممرضات لا تتوقف حركتهن بين المرضى الذين حظي بعضهم بأسرة قليلة، بينما وضع البعض الآخر على كراسي وطرح البعض الآخر أرضا، وكان هناك من هم بالانتظار ممن تمكنهم إصابتهم من الصمود قليلا.

الدكتور أبو ريان أحد العاملين بالمشفى تحدث للجزيرة نت عن يوميات الكادر الطبي فيما تبقى من المستشفى كما قال.

وتابع "يوميا نتعامل مع حالات من كل الأنواع، جروح من أي نوع وبعضها معقد ويحتاج لعمليات جراحية، حالات لأطراف مبتورة، وفوق كل ذلك النقص الكبير بالكوادر العاملة والتي يصل بعضها الليل بالنهار من أجل إنجاز مهمته الإنسانية".

تحدث أبو ريان عن انعدام الأطباء تقريبا، وقال "نحن هنا طبيبا جراحة عامة وطوارئ، وأنا طالب بكلية الطب، إضافة لكادر تمريضي بسيط نتعامل يوميا مع أكثر من 150 حالة غالبيتها معقد".

وشرح كيف أن المستشفى بات الجزء الأكبر منه معطلا بسبب قصفه ثماني مرات من قبل الطيران مما حول بعض الجرحى أو المراجعين لـ "شهداء"، وزاد "نضطر لنقل البعض فمنهم من بحاجة للعمليات الجراحية بمشاف بعضها بعيد وقد يدفع الجريح حياته ثمنا لذلك".

أسرة المشفى الميداني بمعرة النعمان من مقاعد الدرس وأبواب خشبية (الجزيرة نت)

نقص الأدوية
الطبيب السوري قال إن المشفى بحاجة لأدوية من كل الأنواع وخاصة المضادات الحيوية ومستلزمات الإسعاف، كما ناشد عبر الجزيرة نت الأطباء القادرين على التطوع الحضور لحلب وخاصة أطباء التخدير وجراحة الأعصاب والأوعية الدموية والجراحة العامة.

في مدينة معرة النعمان التي تشهد هذه الأيام قتالا عنيفا بين قوات النظام وكتائب الجيش الحر، زارت الجزيرة نت المشفى الميداني هناك والذي جهز بوسائل بدائية بإحدى مدارس المدينة.

أطلعنا الدكتور مراد المسؤول عن المستشفى على الأسرة التي جهزت من حديد مقاعد الدراسة ومن الأبواب الخشبية، وفيه غرفة للعمليات وخسمة أطباء جراحة عامة وجراحة عظام يحاولون معالجة العشرات من الحالات التي تصل المستشفى يوميا من ريف إدلب وريف حماة أيضا.

واستقبل مشفى معرة النعمان خلال شهرين فقط 1050 حالة وفقا لسجلاته, ويشكو كما غيره من المشافي الميدانية من نقص الكوادر وخاصة أطباء التخدير وجراحة الأعصاب، كما أن المشفى يفتقر لسيارة أسعاف مجهزة طبيا.

واللافت أن زوار المستشفيات الميدانية في غالبيتهم من السكان ومنهم من جرح في قصف لقوات النظام في مشهد فسره كثير ممن التقيناهم بأن المشافي الحكومية التي يسيطر عليها الجيش الحكومي تتعامل مع الجرحى على أنهم ثوار ضد النظام مما يجعل التوجه لها حكما مسبقا بالفقدان أو ربما الإعدام، ولكل واحد من متبني هذه الرواية شواهد على أناس رددوا أسماءهم قالوا إنهم دخلوا المستشفيات الحكومية ولم يعودوا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة